فَما أَنْتَ إلاَّ أَسِيرٌ لَهُ ... وَإنْ أَمْكَنَ الحَيْدُ عَنْهُ فَحِدْ
هَبِ الدَّهْرِ لَمْ يَتَحاَملْ عَلَى ... سِواَك فَهَلْ لَكَ مِنْهُ الْقَوَدْ
وَإنْ يَسْقِكَ الْيَوْمَ مِنْ آجِنٍ ... صَرًى لا يُذاقُ وَلا يُزْدَرَدْ
فَقَدْ كاَن يُسْقِيك مِنْ صَفْوِهِ ... نِطافَ الْغَوادِي بِذَوْبِ الْشَّهَدْ
كَذَاكَ تَجِيءُ صُرُوفُ الزَّما ... نِ عَلَى مَا أَرَدْتَ وَمَا لَمْ تُرِدْ
وَقَدْ يَسْبِقُ الْفَوْتُ وَشْكَ اْلَعُجو ... لِ وَيُدْركُ حاجَتَهُ الْمتَّئدْ
وَإنْ خَلَّط الدَّهْرُ فَاصْبِرْ عَلَى ... تَلَوُّنِهِ فَمَعَ اْليَوْمِ غَدّْ
عِذارِى الْغَداَة مِنَ اْلأَطْيَبِينَ ... أَهْلِ القِبابِ الطِّواِل العمَدْ
مِنَ آلِ أبِي الْفَضْلِ عَمَّ الَّنبِّيِ ... وَجَدِّي فأَكْرِمْ بِعَمٍّ وَجَدّْ
وقال:
إذا سالَ وَادي الشَّيْبِ فِي مَفْرِق الْفَتَى ... وَقُنِّعَ مِنْهُ عمَّة المُتَلَثِّمِ
فَيا قُبْحَ ما تَحْكِي المِراةُ لِعَيْنِهِ ... وَيا بُعْدَهُ مِنْ كُلِّ عَيْشٍ وَمَنْعَمِ
وقال:
أَبا قِاسمٍ إنِّي أراكَ صَباَبةً ... كَأَنَّكَ مِنْ لَحْمِي خُلْقِتَ وَمِن دَمِي
وَإنِّي لأَهْوَى أَنْ أُرِبَّ صَنِيَعةً ... إليْكَ بآلاَءٍ كرامٍ وَأَنْعُمِ
أيادِي كرِيمٍ طَيِّبِ النَّفْسِ بَعْدَها ... إذا ما الأَيادِي أُتْبِعَتْ بِالتَّنَدُّمِ
وقال أيضاً وله لحن فيه
مَضَى اللَّيْلُ إلاَّ أَنَّ لَيْلىَ لاَ يَمْضِىوَأَنَّ جُفُونِي لَمْ تُرَوَّ مِنَ الْغُمْضِ
إذا صَدَّ عَنْكَ الدَّهْرُ يَوْماً بِوَجْهِهِتقَاضاكَ مِنْ إحْسانِهِ سِالفَ الْقَرْضِ
وقال:
تَحاماِني الصَّدِيقُ وَغابَ عَنِّي ... ثِقاتُ صَنائِعِي وَهُمُ حُضُورُ
وَقَلُّوا فِي الِبْلادِ وَكانَ عَهْدِي ... بِهِمْ زَمَنَ الرَّخاءِ وَهُمْ كَثِيرُ
فَلَمْ يَكُ فِي يدِي مِنْهُمْ وَمِمَّا ... ذَخَرْتُهُمُ لَهُ إلاَّ الْغُرور
أَيا عَجَباً أَمَا فِي النَّاِس مِمَّنْ ... تَقَلَّدَ نِعْمَتِي رَجُلٌ شَكُورُ
وقال:
أَلَمْ تَعْلَمِي يا آلَ فِهْرِ بْنِ مِالِكرَمَيْتُ بِنَفْسِي دُونَكُمْ فِي الَمهِالِك
بَلَى فَاعْلمِي يا آلَ فَهْرٍ بِأَنَّنِي ... أَخُوِك الذَّي أَعْطاكِ حَقَّ إخائِكِ
أَخُوكِ الذَّي يُقْرِى عَدُوَّك صارِماً ... حُساماً وَيُقْرِي دُرَّهُ فِي شِفائِكِ
أَجُودُ بِماِلي دُونَ ماِلَك تارَةً ... وَطْوراً أُقِيُم اْلغُرَّ تَحْتَ لِواِئِك
وقال:
وَقَدْ يَصْدُقُ السَّيْفُ يَوْمَ الوْغَا ... أَخاهُ وَإنْ كانَ رَثَّ الْقُرابْ
كَأَنَّ سَنا بارقٍ مُسْتَطْيِرٍ ... بَيْنَ ذُؤابَتِهِ وَالذُّبابْ
كَذاكَ الرَّجالُ يَكُونُ الْفَتَى ... صَلِيباً وَذُو الشَّيْبِ صُلْبُ النِّصابْ
وقال من قصيدة:
بكُلِّ جَلالَةٍ عَيْساءَ حَرْفٍ ... عَلَنْداةٍ وَأَعْنَسَ عَجْرَفَّيِ
إذا شُدَّتْ بها اْلأَنْساعُ أَصْغَتْ ... كَما أَصْغَى النَّجِىُّ إلىَ النَّجِيِّ
وَراغِيَةٍ ثَنَتْكَ عَنِ التَّصابِي ... كَما ثَنَتِ الضَّعِيفَ يَدُ القْوَيِّ
هُناكَ شَكَوْتَ ما تَلْقَى إليَهْا ... كَما يَشْكُو الْفَقِيرُ إلىَ الْغَنِّي
تَساقَطُ وَهْيَ فاِتَرةُ الْمآقِي ... تَساقُطَ مُهْجَةِ الظَّبْيِ الرَّمِيِّ
وَتَجْري الْخَمْرُ بَعْدَ النَّوْمِ مِنْها ... عَلَى سمْطَيِنْ مِنْ دُرٍّ َنِّقي
شَكَتْ إشْرافَ قَيِّمِها عَلَيْها ... كَما يَشْكُو الْيَتِيمُ مِنَ الْوَصِيِّ
أَرِتْكَ مَحاِسناً مِنْها اخْتِلاساً ... تُضِئُ إضاءَةَ الْبَرْقِ الْخَفِيِّ
كَتَخْلِيِل اْلأَلوُةَّ ثُمَّ زاَلْت ... زَواَل الْفَيْءِ فِي ظِلِّ العَشِيِّ
وَيَلْذَعُ مُهْجَتِي ذُو الْعَذْل فِيها ... كَلْذعِ السَّوْطِ خاِصَرةَ الْبَطِيِّ
كأَنَّ اللَّيْلَ زيدَ إِلَيْهِ لَيْلٌ ... مُقِيمٌ فَاسْتَمَرَّ عَلَى الشَّجيَّ
وقال من أبيات
فَلا حُيِّىَ الْوَجْهُ الذَّي جِئْتَنا بِهِإذا حَيَّتِ الْوَجْهَ الْكَرِيمَ الَمجاِلسُ
يُشِيمُ بَنِي كَعْبٍ وَما أَنْتَ مِنْهُمُ ... كمَا شامَتِ الْغَبْراءُ قَيْساً وَداحِسُ
وقال
هُوَ الُحُّر أَخْلاقاً وَبرّاً وشِيمةًوَعَقْلاً وَخَيْرُ الْقَوْمِ مَنْ أُوِتىَ الْعَقْلاَ
تَراه طَلِيقاً وَجْهَه مُتَهَلِّلاً ... كَأَنَّ صَقِيلاً مِنْ عَوارِضِهِ يُجْلىَ
وقال
يا أَيُّها الُمتَشاوِسُ الُمتَغاضِبُ ... المُعْرضُ الجَانِي الْعَبُوسُ الْقاطِبُ
لاَ أَنْتَ لِي سَلْمٌ فَتَنْصُرَنِي وَلاَ ... حَرْبٌ إذا نَصَبُ الْعَدُوِّ مُناصِبُ
قَلَبَ الزَّمانُ هَواكَ عَنْ مِنْهاجِهِ ... إنَّ الزَّمانَ لِكُلِّ حالٍ قالِبُ
وقال
يا عاِئِبي عنْدَ أَعْدائِيِ لُيْرضَيُهمْ ... وَبائِعِي بِيسَيِرٍ مالَهُ خَطَرُ
أَظْهَرْتَ أَنَّكَ لا أَنْتَ الْعَدوُّ وَلاأَنْتَ الْوَلىُّ الذَّي يُصْفَى وَيُدَّخَرُ
فَما تَحَوَّلُ مِنْ سَلْمَى وَلاَ أَجَأٍ ... رُكْنٌ وَلا خَسَفَتْ شَمْسٌ وَلا قَمَرُ
وقال
أَراهُ فِي فِعْلِهِ عَدُوّاً ... وكَنُتُ أَعْتَدُّهُ صَدِيقا
صَيَّرَ عَذْبَ الشَّرابِ مُرّاً ... وَزادَ ضِيقَ الْحَياِة ضِيقا
وقال
هيفُ الْخُصُورِ قَواصِدُ النَّبْلِ ... قَتَّلْنَنا بِنَواظِرٍ نُجْلِ
كَحَلَ الْجَمالُ جُفونَ أَعْيُنِها ... فَغَنِينَ عَنْ كُحْلٍ بِلا كَحَلِ
وقال يرثي ابنه أحمد وهو أكبر ولده
نَأَى آخِرَ اْلأَيَّاِم عَنْكَ حَبِيبُ ... فَللْعَينِ سَحٌّ دائِمٌ وَغُروبُ
يَؤُوبُ إلىَ أَوْطانِهِ كُلُّ غائبٍ ... وَأَحْمَدُ فِي الغُيَّابِ لَيْسَ يَؤُوبُ
تَبَدَّلَ داراً غَيْرَ دارِي وَجِيرةً ... سِوايَ وَأَحْداثُ الزَّمانِ تَنوبُ
أَقامَ بِها مُسْتَوْطِناً غَيْرَ أَنَّهُ ... عَلَى طُولِ أَيَّامِ الْمَقامِ غَرِيبُ
وَكانَ نَصِيبَ الْعَيْنِ مِنْ كُلِّ لَذَّةٍ ... فَأَمْسَى وَما لِلعْيَنْ فِيِه نَصِيبُ
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ كالْغُصْنِ فِي مَيْعَةِ الضُّحَىزَهاهُ النَّدى فَاْهْتَزَّ وَهْوَ رَطيبُ
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ كالصَّقْرِ أَوْ فَي بشاِمِخ الذُّرَى وَهْوَ يَقْطانُ الفْؤُاَدِ طَلُوبُ
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ الرُّمحِ يَعْدِلُ صَدْرَهُ ... غَداةَ الطَّعانِ لَهْذَمٌ وَكُعُوبُ
يَفُضُّ الحَدِيدَ المُحْكَمَ النَّسْجِ حَدُّهُوَيَبْدوُ وَراءَ الْفِرْن وَهْوَ خَضِيبُ
وَرَيْحانَ قَلْبِي كانَ حِينَ أَشَمُّهُ ... وَمُؤْنِسَ قَصْرِي كانَ حِينَ أَغيِبُ
كَأَنِّيَ منْهُ كُنْتُ فِي نَوْمِ حالِمٍ ... نَفَى لَذَّةَ اْلأَحلامِ عَنْهُ هُبُوبُ
جَمَعْتُ أَطِبَّاءَ الْعِرِاق فَلَمْ يُصِبْ ... دَواءَكَ مِنْهُمْ فِي البْلاِدِ طَبِيبُ
وَلَمْ يَمْلِكِ الآسُونَ نَفْعاً لِمُهْجَةٍ ... عَلَيْها لأَشراكِ الَمُنونِ رقَيِبُ
وَإنِّي وَإنْ قُدِّمْتَ قَبْلِي لعَالِمٌ ... بأَنِّي وَإنْ أُخِّرْتُ مِنْكَ قَرِيبُ
وَإنَّ صَباحاً نَلْتَقِي فِي مَسائِهِ ... صَباحٌ إلىَ قَلْبِي الْغَداةَ حَبيِبُ
حدثنا يموت بن المزرع قال قال المأمون: ما هجى إبراهيم بن المهدي فيما ادعاه على كثرة هجائة بأشد من قول الجاحظ فيه هو خليفة، إذا خطب رأى آخر عمله حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثنا حماد بن إسحاق قال قال جعفر بن يحيى إبراهيم بن المهدي وكان يسميه خليلي وكانا متصافيين جداً يا خليلي إن هذا الرجل يعني الرشيد قد تغير لنا، وبان ذلك لي، وأنا أحب أن أستظهر برأيك، فتفقد ذلك اليوم. وكان قد اجتمعا عند الرشيد للشرب.
قال وكان إبراهيم أجود الناس رأياً لغيره وأضعفهم رأيا
لنفسه، وسئل عن ذلك فقال: أنظر لغيري بحوارح سليمة من الهوى، وأميل في رأى نفسي إلى ما أشتهي. قال فتفقد إبراهيم ذلك، فانصرف قبل جعفر، فوقف له خلف حائط في طريق جعفر ومعه غلام واحد، وصرف سائر غلمانه وأمر بإطفاء شموعه، فانصرف جعفر، فلما صار بذلك الموضع عدا وحده وصاح يا خليلي، فأجابه إبراهيم وقال: من أين علمت أني ها هنا. وإنما قدرت أن أؤذنك بموقفي؟ فقال له جعفر علمت أنك لا تنصرف إلى منزل حتى تعرفني ما أردت وليس في طريقك مكان يخفى فيه أثرك غير هذا الموضع فعلمت أنك فيه، كيف رأيت الرجل؟ قال رأيته يجد إذا هزلت، ويهزل إذا جددت، وهذه نهاية التغيير. فقال صدقت والله يا خليلي، ونحن نستكفي الله بوادره حدثنا عون بن محمد الكندي قال حضرت مع أبي وعمي دار بعض ولد العباس بن محمد لنعزيه على ميت لهم، فجاء إبراهيم بن المهدي فتشوفه الناس وقاموا له وذلك قبل العشرين ومائتين قال ولم أكن رأيته قط، فإذا أنا برجل سمين آدم غليظ الشفة، حسن العين، حسن الأنف، فتكلم في التعزية فأحسن وحفظ الناس كلامه ولم أسمع أنا ما قال حين جاء، ثم نهض فقال تابع الله النعم لديكم، وأحسن العوض لكم، وأخلف عليكم، ولقي الله فلاناً أزكى عمله، وقبل حسنته، وغفر قبيحه حدثنا الحسن بن إسحق قال سمعت حماد بن إسحاق يقول:
كانت يد إبراهيم بن المهدي في أيد أبي العتاهية بمكة وهو ينشد
عَجَباً عَجِبْتُ لِغَفْلِةَ اْلإِنْسانِ ... قَطَعَ الحَياةَ بِغَّرِةٍ وَتَوانيِ
فَكَّرْتُ فِي الدُّنْيا فَكانَتْ مَنْزِلاً ... عِنْدِي كَبَعْضِ مَنازِلِ الرُّكْبانِ
مَجْرَى جَميِعِ الَخْلقِ فِيها واحِدٌ ... وَكَثِيرُها وَقَلِيلُها سِيَّانِ
أَبْغِي الْكَثيِرَ إلَى الْكثِير مُضاعَفاً ... وَلَوِ اقْتَصَرْتُ عَلَى الْقَليِل كَفانيِ
لله دَرُّ الْوارِثِينَ كَأَنَّنِي ... بِأَخَصِّهِمْ مُتبَرِّماً بِمَكانِي
قَلقاً لِتْجيِزِي إلىَ دارِ الْبِلا ... مُتَحَرِّياً لِكَرمَتِي بِهوَانِي
مُتَبَرِّماً مِنِّى، إذا نُشِرَ الثَّرَى ... فَوْقِى طَوَى كَشْحاً عَلَى هِجْرانِي
فقال له قائل لو قرأتما كان أنفع لكما، فقال له إبراهيم هذه أخلاق حث على مثلها القرآن حدثنا الحسين بن فهم قال حدثني محمد بن أحمد بن هارون قال لما لبس أبو العتاهية الصوف كتب إليه إبراهيم بن المهدي:
إنَّ الَمنَّيِةَ أَمْهَلتْكَ عتاهِي ... وَالَمْوتُ لاَ َيْسُهو وَقَلْبُكَ ساهِي
يا وَيْحَ ذَا الْبَشَرِ الضَّعيِفِ أَما لَهُ ... عَنْ غَيِّه قَبْلَ الَمماتِ تَناهِي
وُكِّلْتَ بالدُّنْيا تُبكِّيها وَتَنْ ... دُبُها وَأَنْتَ عَنِ الْقيِامَةِ لاهِي
اْلعَيْشُ حُلْوٌ وَالَمُنونُ مَرِيرَةٌ ... وَالدَّارُ دَارُ تَفاخُر وَتَباه