وعملت فيه لحنا أحسبه في طريقة الثقيل الأول ومن شعرها في الرشيد
هارُونُ يا سُؤْلِي وُقِيتَ الرَّدَى ... قَلْبِي بِعَتْبٍ مِنْكَ مَشْغُولُ
ما زِلْتُ مُذْ خَلَّفْتَنِي فِي عَمًى ... كَأَنَّني لِفي النَّاِس مَخْبولُ
حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق، قال حدثني أبو عبد الله الحسين ابن أحمد بن هشام قال لما خرج الرشيد إلى الري أخذ أخته علية معه فلما صارت بالمرج عملت شعراً، وصاغت فيه في طريقة الرمل، وغنته به. والشعر:
وَمُغْتِربٍ بِالْمَرْجِ يَبْكِي لِشَجْوِهِوَقَدْ غابَ عَنْهُ الْمْسعِدونَ عَلىَ الُحبِّ
إذا ما أَتاهُ الرَّكْبُ مِنْ نَحْوِ أَرضِهِ ... تَنَشَّقَ يَسْتَشْفِى بِراِئَحةِ الرَّكبِ
فلما سمع الصوت علم أنها قد اشتاقت إلى العراق وأهلها به، فأمر بردها.
حدثني أحمد بن يزيد بن محمد، قال أبي قال: كنا عند المنتصر فغناه بنان في طريقة الرمل الثاني:
يا رَبَّةَ الْمَنْزِلِ بِالْفِرْكِ ... وَرَبَّةَ السُّلْطاِن وَالْمُلْكِ
تَرَفَّقِي بِاللهِ فِي قَتْلنا ... لَسْنا مِنَ الدَّيْلِم وَالتُّرْكِ
فضحك فقال لي لم ضحكت؟ فقلت. من شرف قائل هذا الشعر،
وشرف من عمل اللحن فيه، وشرف مستمعه. قال وما ذاك؟ قلت الشعر للرشيد، والغناء لعلية بنت المهدي، وأمير المؤمنين مستمعه. فأعجبه ذلك، وما زال يستعيده.
حدثنا أحمد بن محمد الأسدي، قال حدثني أبو عبد الله موسى بن صالح بن شيخ عن أبيه، قال حجب طل عن علية فقالت:
أَيا سَرْوَةَ الْبُسْتانِ طالَ تَشَوُّقِي ... فَهَلْ لِي إلىَ ظِلٍ لَدَيْكِ سَبِيلُ
مَتَى يَلْتَقِي مَنْ لَيْسَ يُقضَى خُروجُهُ ... وَلَيْسَ لما يُقْضَى إلَيْهِ دُخولُ
وإنما صحفت الإسم في قولها ظل لديك فظل طل
أخْبَارُ عُلَيَّةَ مَعَ رَشَأٍ الْخَادم
حدثنا أحمد بن يزيد المهبلي قال حدثني أبي، وحكاه ميمون بن هارون عن محمد بن علي بن عثمان أن علية كانت تقول الشعر في خادم كان لها يقال له رشأ، وتكنى عنه بزينب فمن شعرها فيه:
وَجَدَ الفْؤُادُ بِزَيْنَبا ... وَجْداً شَدِيداً مُتْعبا
أَصْبَحْتُ مِنْ وَجْد بِها ... أُدْعَى شَقِيّاً مُنْصَبا
وَلَقَدْ كَنَيْتُ عَنْ اسْمِها ... عَمْداً لِكَيْ لا تَغْضَبا
وَجَعَلْتُ زَيْنَبَ سُتْرَةً ... وَأَتَيْتُ أَمْراً مُعْجَبا
قاَلتْ وَقَدْ عَزَّ الْوِصا ... لُ وَلَمْ أَجِدْ لِي مَذْهبا
واللهِ لا نلْتَ المْوَ ... دَّةَ أَوْ تَنَالَ الْكْوكَبا
حدثني الحسين بن يحيى قال حدثني عبد الله بن العباس بن الفضل، قال لما علم من علية أنها تكنى عن رشأ بزينب، قالت الآن أكنى كناية لا يعرفها الناس فقالت:
الْقَلْبُ مُشْتاقٌ إلَى رَيْبِ ... يا رَبِّ ما هَذا مِنَ الْعَيُبِ
قَدْ تَيَّمَتْ قَلْبِي فَلَمْ أَسِتَطِعْ ... إلاَّ الْبُكا يا عاِلمَ الْغَيْبِ
خَبَأْتُ فِي شِعْريَ ذِكْرَ الذَّيِ ... أَرِدْتُهُ كَاُلْحَبِّ فِي الجْيَبِ
وغنت فيه لحنا في طريقة خفيف الثقيل الأول، وعمت الإسم في قولها إلى ريب، الراء والياء والباء من ريب والياء والألف من يا رب رشأ.
وكانت لأم جعفر جارية يقال لها طغيان فوشت بعلية إلى رشأ وحكت عنها مالم تقل، فقالت علية تهجوها.
لُطغْيانَ خُفٌّ مُذْ ثَلاثُونَ حِجَّةً ... جَدِيدٌ فَما يَبْلَي وَلا يَتَخَرَّقُ
وَكَيْفَ بِلَى خُفّ هُوَ الدَّهْرَ كُلَّهُ ... عَلَى قَدَميَها فِي السَّماءِ مُعَلَّقُ
فَما خَرَقَتْ خُفْاً وَلمْ تُبْلِ جَوْرَباً ... وَأَمَّا سَراوِيلاَتُها فَتُمَزَّقُ
ومن شعرها الذي كنت فيه عن اسم رشأ، وكان حلف ألا يذوق نبيذا سنة:
قَدْ ثَبَتَ الخْاتَمُ فِي بِنْصَري ... إذْ جاءنَيِ مِنْكَ تَجَنَيِّكا
حَرَّمْتَ شُرْبَ الرَّاح إذْ عفْتَها ... فَلَسْتُ فِي شَئٍ أُعاصِيكا
فَلَوْ تَطَوَّعْتَ لَعَوَّضْتَنِي ... مِنكَ رضُابُ الرِّيقِ مِنْ فِيكا
فَيا لَها ما عشْتَ مِنْ نِعْمَةٍ ... لَسْتُ لهَا ما عِشْتُ أَجْزِيكا
يا زَيْنَباً أَرَّقْتِ مِنْ مُقْلَتِي ... أَمْتَعنَيِ اللهُ بِحُبِّيكا
من أخبار لعلية متفرقة
وجدت في كتاب أبي الفضل ميمون بن هارون حدثني أحمد ابن سيف أبو الجهم، قال كان لعلية وكيل يقال له سباع، فوقفت على خيانته فصرفته وحبسته، فاجتمع جيرانه إليها، فعرفوها جميل مذهبه وكثرة صدقته، وكتبوا بذلك رقعة فوقعت فيها:
أَلاَ أَيُّهذَاَ الرَّاكِبُ الْعِيسَ بَلغاًسِباعاً وَقُلْ إنْ ضَمَّ دَارَكُمُ السَّفْرُ
أَتَسَلُبُنِي مالِي وَلَوْ جَاءَ سَائلٌ ... رَقَقْتَ لَهُ إنْ حَطَّهُ نَحْوَكَ الْفَقُرُ
كَشَافِيِة اْلَمْرضَى بِفَائِدِة الزِّنَا ... تُؤَمِّلُ أَجْراً حَيْثُ لَيْسَ لهَا أَجْرُ
أشعار علية التي غنت فيها في طريقه الثقيل الأول
أَوْقَعْتِ فِي قلِبْي الْهَوىَ ... وَنَجَوْتِ منْهُ سَالَمِهْ
وَبَدَأْتِني بِالْوَصْلِ ثُمْ ... مَّ قَطَعْتِ وَصْلِى ظالمَهْ
تُوِبى فَإنَّكِ عالِمَهْ ... أَوْ لاَ فَإِنِّي آثِمَهْ
وقالت
لاَ حُزْنَ إلاَّ دُونَ حُزْنٍ نالنَيِ ... يَوْمَ الْفِراقِ وَقَدْ غَدَوْتُ مُوَدِّعا
فَإِذا الأحِبَّةُ قَدْ تَوَلَّتْ عِيرُهُمْ ... وَبَقِيتُ فَرْداً وَالِهاً مُتَوَجِّعا
وقالت
كَمْ تَجَنَّى ذَنْباً عَلَىَّ بِلاَ ذَنْ ... بٍ وَما إنْ أَمَرْتَنِي فَعَصَيْتُ
إنْ تَكُنْ قَدْ صَدَدْتَ عَنِّيَ لَمَّا ... أَنْ تَمَلَّكْتَنِي فَصَدُّكَ مَوْتُ
وقالت
أَرَى جَسَدي يَبْلَى وَسُقْميَ باطِنٌ ... وَفِي كَبِدي دَاءٌ وَقَلْبِي سالُمِ
فَما السُّقْمُ إلاَّ دُونَ سُقْمٍ أَصابَنِي ... وَلا الَجْهُد إلاَّ وَالذَّي بِي أَعْظَمُ
لها فيه لحن ثقيل أول، ولغيرها لحن ثقيل ثاني وقالت
ما أَقَصَرَ اسْمَ الُحِّب يا وَيْحَ ذَا الُحبِّوَأَطْولَ بَلَوْاه عَلىَ الْعاشِقِ الصَّبِّ
يَمُرُّ بِهِ لَفْظُ اللِّسانِ مُسَهَّلاً ... وَيَرْمى بِمَنْ قاساهُ فِي هائِرٍ صَعْبٍ
وقالت
فَرِّجُوا كَرْبِي قَليِلاً فَلَقَدْ صِرْتُ نَحِيلاً
افْعَلُوا فِي أَمْرِ مَشْعُوفٍ بِكُمْ فِعْلاً جَمِيلاً
وقالت:
كَتَمْتُ اسْمَ الْحَبِيِب مِنَ الْعِباِد ... وَرَدَّدْتُ الصَّبابَةَ في فُؤَادِي
فَوا شَوْقِي إلَى بَلَدٍ خَلّىٍ ... لَعَلِّى بِاسْم مَنْ أَهْوَى أُنادِي
وقالت:
ما صَنَعَ الهِجْرانُ لا كاَنَا ... هاجَ عَلَيَّ الْهَجْرُ أَحْزاناً
وَنَمَّ طَرْفِي بِدَخِيلِ الْهَوىَ ... فَصارَ ما أَسْرَرْتُ إعْلاناً
وقالت:
لَيْسَ خَطْبُ الْهَوَى بِخَطْب يَسيرِ ... لاَ يُنَبِّئْكَ عَنْهُ مثْلُ خَبِيِر
لَيْسَ خَطْبُ الْهَوَى يُدَبَّرُ بالرَّأْيِ وَلا بِالْقِياسِ وَالتَّقْدِيرِ
وقالت:
باحَ بالْوَجْدِ قَلْبُكَ الْمُسْتَهامُ ... وَجَرَتْ فِي عِظامِكَ اْلأَسْقامُ
يَوْمَ لاَ يَمْلِكُ الْبُكاءَ أَخُو ال ... شَّوْقِ فَيُشْفَى وَلا يُرَدُّ السَّلامُ
وقالت:
تَكاَتْبنَا بِرَمْزٍ فِي الْحُضُورِ ... وَإيحاءٍ يَلُوحُ بِلاَ سُطورِ
سِوِى مُقَلٍ تُخَبِّرُ ما عَناهَا ... بِكَفِّ الْوَهْمِ فِي وَرِقِ الصُّدُورِ
وممَّا غَنَّتْ فيه من شعرها في طريقة خفيف الثقيل الأول
إذا كُنْتَ لا يُسْليكَ عَمَّنْ تُحبُّهُ ... تَناءٍ وَلا يَشْفِيكَ طُولُ تَلاقِي
فَما أَنْتَ إلاَّ مُسْتَعِيرٌ حُشاشَةً ... لِمُهْجَةٍ نَفْسٍ آذَنتْ بِفِراقِ
وقالت:
أَسْعَى فَما أَجْزي وَأَظْما فَما ... أُرْوَى مِنَ البْارِدِ والْعَذْبِ
يَحْملُنِي الْحُبُّ عَلىَ مَرْكَبٍ ... مِنْ هَجْرِكُمْ يا أَمِليِ صَعْبِ
وقالت:
بُنَيِ الحُبُّ عَلَى الْجَوْرِ فَلَوْ ... أَنْصَفَ المَعْشُوقُ فِيِه لَسَمَحْ
لَيْسَ يُسْتَحْسَنُ فِي وَصْفِ الْهَوَى ... عاِشقٌ يَعْرفُ تَأْلِيفَ الْحُجَجْ
وَقَلِيلُ الْحُبِّ صِرْفٌ خالِصٌ ... لَكَ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ قَدْ مُزِجْ
وقالت:
شَرَبْتُ نَوْماً بِسَهرْ ... وَغُصْتُ فِي بَحْرِ الْفِكَرْ
ما للتَّصابِي والغِيَرْ ... مَنْ عَرَفَ الحُبَّ عَذَرْ
وقالت:
أُمْسِى فَلا أَرْجُو صَباحًا وَإنْ ... أَصْبَحْتُ حَيّاً قُلْتُ لا أُمْسِى
لا يَسْتَوي وَاللهِ هَذا كَمَا ... لاَ يَسْتَوِي فِي قَدِّها خُمْسِى
وقالت
أَمْسَيْتُ فِي عُنِقُي مِنْ حُبِّ جارَيِةٍ ... غُلٌّ فَلا فُكَّ عَنِّي آخَرِ اْلأَبَدِ
قَدْ ضَيَّعَ الحَزْمَ مَنْ يَرْمِى بِمُهْجَتِهِ ... إلىَ الفْرِاقِ بِلا صَبْرٍ ولا جَلَدِ
وقالت
وَدِدْتُ وَبَيْت اللهِ فِي الُحبِّ أَنَّنِيقَدَرْتُ عَلَى ما تَقْدِريِنَ منَ الصَّبْرِ
فَأِنْ تَكُ أنْفَاِسي عَلَيْكِ كَثِيَرةًفَلَمْ يَكُ مِنْ عَيْنِي عَلَيْكِ دَمٌ يَجْرِي
وقالت
يا مُوِقدَ النَّار بالصَّحْراء مِنْ عُمُقٍقُمْ فَاصْطَلِ النَّارَ مِنْ قَلْبٍ بِكُمْ قَلِقِ
الَّنارُ تُوقِدُها حِيناً وتَطُفْئهُا ... ونَارُ قَلْبِي لا يُطْفَى مِنَ الحُرَقِ
وقالت
مَنْ عَلَّلَ الَّليْلَ بِأَقْداِحِه ... قَوِى عَلىَ اللَّيْلٍ وَتَطْوِيِله
ما كادَ يَفْنَى اللَّيْلُ مِنْ طُولِهِ ... لاَ يَعْرِضُ اللَّيْلُ لِمْشُمولِهِ