حتى بالحداثة، ولم أحفظ منها إلا ما أنشدت ومن شعره:
تَطَاوَلَ الَّليْلُ حَتَّى ... ما إنْ يَهِمُّ بِفَجْرِ
وَمُسْعِدِي مِنْ دُجاهُ ... دَمْعٌ عَلىَ الْخَدِّ يَجْرِي
مِنْ مُنْصِفِى مِنْ ظَلُومٍ ... إَلْيِه مِنْهُ مَفَرِّى
وهو القائل:
يا مَنْ بِهِ كُلُّ خَلْقٍ ... يَراهُ صَبٌّ مُتَيَّمْ
وَمَنْ يخَالُكَ حُسْناً ... فَما تَراهُ يُكَلَّمْ
لاَ شَيْءَ أَعْجَبَ عِنْدِي ... ممَّنْ يَراكَ فَيَسْلَمْ
وسمعت من يذكر أن فيه غناء في طريقة الرمل الثانية.
وقال:
قَدْ كُوِىَ الْقَلْبُ بِنِيرانِ ... فَصِرْتُ مِنْها إلْفَ أَحْزانِ
طَرْفَي ما تَنْفَكُّ آماقُهُ ... مِنْ مَطَرٍ سَحٍّ وَتَهتْانِ
يُسْعِدُ فِي الدَّمْعِ فَإنْ سُمْتُهُ ... يَوْماً بِرَدِّ النَّفْسِ عَاصَانِي
وقال:
جارَ عَلىَ وَجْنَتِهِ مَدْمَعُهُ ... وَزالَ عَمَّا قَدْ رَجا مَطْمَعُهُ
مِنْ حُبِّ ظَبْيٍ لَكَ فِي وَجْهِهِ ... إذا تَجَلَّى قَمَراً يُطلُعهُ
أُعْطِىَ رِقَّ الْحُسْنِ مِلْكاً فَما ... أَصْبَحَ عَنْهُ أَحَدٌ يَدْفُعهُ
فِي خَدِّهِ مِنْ صُدْغِهِ عَقْرَبٌ ... تَلْسَعُ مَنْ شاءَ وَلاَ تَلْسَعُهُ
حدثني عون بن محمد الكندي قال كانت بين عبد الله بن محمد الأمين وبين أبي نهشل بن حميد مودة، فاعترض عبد الله جارية مغنية من بعض نساء بني هاشم، وأعطى بها مالاً عظيماً، فعرفت منه رغبة فيها فزادوا عليه في السوم، فتركها ليكسرهم.
فجاء أخ لأبي نهشل فاشتراها وزاد، فتتبعتها نفس عبد الله فسأل أبا نهشل أن يسأل أخاه النزول عنها، فسأله ذلك فوعده ثم تأخر ذلك، فكتب عبد الله إلى أبي نهشل
يا ابْنَ حُمَيْدٍ يا أَبا نَهْشَلٍ ... مِفْتاحَ بابِ الحَدثِ الُمْقَفلِ
يا أَكْرَمَ النَّاسِ وِداداً وَيا ... أَرْعاُهُم لِحَقِّ ضائِع مُهْمَلِ
أَحْسَنْتَ فِي ذاكَ وَأَجْمَلْتَ بَلْ ... جُزْتَ فَعالَ الُمْحِسنِ الُمْجمِلِ
بَيْتُكَ فِي ذِي يَمَنٍ شامِخٌ ... تَقْصُرُ عَنْهُ قُنَّتا يَذْبُلِ
خَلَّفْتَ فِينا حاتِماً ذَا النَّدَى ... وَجُدْتَ جَوْدَ الْعارِضِ المْسِبلِ
أَيَّ أَخٍ أَنْتَ لَدَي وَجِدْهِ ... تَرَكْتَهُ بالعَرِّ فِي جَحْفَلِ
نُجومُ حَظِّي مِنْكَ مَسْعُودَةٌ ... فِيما أُرَجِّى لَيْسَ بِاْلأُفَّلِ
فَصَدِّقِ الظَّنَّ بِمِا قُلْتَهُ ... وَسَهِّلِ اْلأَمْرَ بِهِ يْسْهِلِ
لاتَحْرِمَنِّي، وَلَدَيْكَ الْمنَى ... ظَبْيَةَ صَيْدِ الرَّشَأِ اْلأَكْحَلِ
رُميِتُ مِنْهُ بِسهاِم الْهَوَى ... وَما دَرَى بِالرَّمْيِ فِي مَقْتَلِي
أَدْنَيْتَنِي بِاْلوَعْدِ فِي صَيْدِهِ ... إدْنْاءَ عَطْشَانٍ مِنَ الَمْنَهلِ
ثُمَّ تَناسَيْتَ وَسَلَّمْتَنِي ... إلىً مِطالٍ مُوحِشِ المَنْزِلِ
تَرَكْتَنِي فِي لُجَّةٍ عائِماً ... لا أَعْرِفُ الْمُدْبِرَ مِنْ مُقْبِلِ
صَرِّحْ بِأَمْرٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ ... لا خَيْرَ فِي ذِي لَبَسٍ مُشْكِلِ
وهو القائل
جارِيَةٌ قَدْ شَفَّنِي هَواهَا ... تُرْسِلُ سَهْمَ الَحْتفِ مُقْلَتاها
سُبْحانَ مَنْ فِي حُسْنِها بَراها ... قَدْ حُجِبَتْ عَنِّي فَما أَلْقاها
وَلَسْتُ إلاَّ نَائِماً أراها ... أَذْكُرُها دَهرِى فَلا أَنْساها
بَغَّضَها اللهُ إلىَ مَوْلاها
هَارُونُ بْنُ الُمْعتَصِمِ
وقيل اسمه محمد باسم أبيه فغيره هو، وقال لا أتسمى باسم أبي أو أخي فحصل على هارون، أنشدنا عبد الله بن المعتز لهرون بن المعتصم وحدثني بعض أصحابنا قال قالها بحضرتي:
حَمْدِي لِرَبِّي وَشُكْرِي ... عابَ الْهُدادِيُّ شِعْرِي
وَلَيْسَ يَدْرِي المُسَيْ ... كِينُ أَنَّهُ لَيْسَ يَدْرِي
وأنشدنا عبد الله بن المعتز له أيضاً:
إذا ما خانَنِي يَوْماً جَوِادي ... جَعَلْتُ اْلأَرْضَ لِي فَرَساً وثِيقا
وَجالَتْ راحَتِي بِالسَّيْفِ حَتَّى ... تَرَى فِي الْهامِ مِنْ ضَرْبِي طَريِقا
وأنشدنا عبد الله بن المعتز، قال أنشدني بعض أصحابنا له:
فَرْدُ المَلاَحَةِ مالَهُ شَبَهُ ... فَلِكُلِّهِ مِنْ كُلِّهِ نُزَهُ
جَعَلَ الْفُتُورَ لِلحْظِهِ كَحَلاً ... فَجُفُونُهُ حَسَنٌ بهَا الَمَزهُ
وأنشدني له عبد الله بن عبد الملك أبو محمد الهدادي:
وَشادِنٍ يَفْضَحُ بَدْر الدُّجَى ... وَالْبْدرُ فِي لَيْلتِهِ يَزْهَرُ
يَجْحَدُ أَنِّي مُسْتَهَامٌ بِهِ ... فَهْوَ لِقَوْلي أَبَداً مُنْكِرُ
وَقَدْ كَسانِي سَقَمِي حُلَّةً ... تُظْهِرُ مِنْ وَجْدِي الذَّيِ أَسْتُرُ
يَكْفِيكَ مِنِّي شاهِداً أَنَّني ... إلَيْكَ مِنْ بَيْنِ الْوَرَى أَنْظُرُ
حدثني الهدادي قال عبث هارون يوماً بغلام لحمزة بن المعتز، فقال له دعنا فقال له:
أَخْرِجِ السِّحْرَ مِنْ جُفُونكَ عَنَّا ... ثُمَّ إنْ لَمْ نْدَعْكَ نَحْنُ فَدَعْنَا
ثم قال أريد أن أزيد على هذا فقال:
وَغَزَالٍ إذا تَمَنَّيْتُ يَوْماً ... فَهْوَ لا غَيْرُهُ الذَّيِ أَتَمَنَّى
يَتَجَنَّى فَإِن نَطَقْتُ بِعُذْرِي ... رَدَّهُ ظالمِاً لَهُ وَتَظَنَّي
أَيُّها الَّلاْئُمِ الْعُيُونَ إذا ... أَبْصَرتْ مِنْ وَجْهِهِ جَمَالاً وَحُسْنا
أَخْرِجِ السِّحْرَ مِنْ جُفونِكَ عَنَّا ... ثُمَّ إِنْ لَمْ نَدَعْكَ نَحْنُ فَدَعْنا
حدثنا عبد الله بن المعتز قال حدثني جيران هارون بن المعتصم أن الهدادي غلب على أشعار له وانتحلها، لأن شعره مما لم يدر بين الناس. وأنشدني عبد الله بن المعتز بعقب هذا الحديث له:
زَاَرِني طَيْفُهُ هُبوبَ المُناِدى ... فَتَناجَى فُؤاُدُه وَفُؤاِدي
قَالَ شَخْصِيِ لِشَخْصِهِ سَيِّدِي زُرْ ... تَ كَأَنَّا كُنَّا عَلىَ مِيعاِد
وقال:
وَشادِنٍ أنْ قِسْتُ بَدْرَ الدُّجَى ... بِوَجْهِهِ كُنْتُ مُبينَ المُحالِ
تَحْسُدُهُ شَمْسُ الضُّحَى وَجْهَهُ ... والْغُصُنُ الْغَضُّ عَلىَ اْلإعْتِدالِ
وَصاحِبُ النُّقْصان ِمْن شَأْنِهِ ... أَنْ يَحْسُدَ الْكامِلَ فَضْلَ الْكَمِال
وقد سمعت بعض الطنبوريين يتغنى في هذه الأبيات
ومما أنشده له ابن المعتز بيت واحد؛ ولم أسمع له منه غيره:
سَيِّدِي أَنْتَ أَحْسَنُ الَبرِيَّةِ وَجْهاً ... فَلْتَكُنْ أَحْسَنَ الْعِبِاد فَعالاَ
وكان عبد الله بن المعتز يزعم أن شعر هذا كثير، ولكنه كان لا يظهره، ووجدت من شعره:
وَغَزالٍ أَعطاهُ مَليكُ الْقُلُوبِ ... لَحْظَ عَيْنٍ تُحِلُّ كَسْبَ الذُّنوبِ
أَنا مِنْهُ مُرَوَّعٌ كُلَّ يَوْمٍ ... بِوعِيدٍ أَوْ هَجْرَةٍ أَوْ مَغِيبِ
يا دَواِئي إذا تَطاوَلَ دائِي ... وَطَبِيِبي إذا فَقَدْتُ طَبيِبِي
أَنْتَ أَجْرَيْتَ دَمْعَ عَيْنِيَ بِالْ ... هَجْرِ وَعَلَّمْتَنِي لِحاظَ المُرِيِبِ
أبُو عيسى مُحَمَّدُ بْنُ المُتَوَكِّل
كان عيسى من أفضل أولاد المتوكل نفساً وعلماً وعقلاً وديانة، وكان له درس معروف من القرآن في كل يوم وليلة، لا يخليه ولا يشتغل عنه، وكان يعني بصلاة القيام، حتى يقال إنها ما فاتته قط.
حدثنا إبراهيم بن عبيد الله قال لما أوقع بالمهتدي وجعل في دار سمع ضجة الناس وتكاثرهم، فقال ما هذا؟ قالوا بايع الناس أحمد بن المتوكل. قال ابن فتيان؟ قالوا نعم، قال ويل لهم فهلا أبا عيسى، فإنه كان أقوم بحق الله. وكان أبو عيسى قد سمع حديثاً كثيراً، وعرف شيئاً من الفقه، وكان يلزمه جماعة من العلماء لا يفارقونه، وله شعر قليل أكثره في الزهد.
أنشدني محمد بن يحيى لأبي عيسى:
فارَقْتُ أُلاَّفِي وَخِلاَّني ... أَبكاُهُم الدَّهْرُ وَأَبْكاِني
لَمْ يُضِعِ الدَّهْرُ لَهُمْ وَاحِداً ... إلاَّ وَلِي مِنْ ذَاكُمُ إثْناِن
حدثنا أحمد بن يزيد قال لما عزم المعتمد على الخروج إلى الشام والموفق إذ ذاك يحارب الخائن بالبصرة، والدنيا مضطربة، أشار عليه أبو عيسى أخوه ألا يفعل، وحرص به، فأبى عليه، فقال أبو عيسى وعمل لحناً فيه:
أَقُولُ لَهُ عِنْدَ تَوْداعِهِ ... وَكُلٌّ لِعَبْرَتِهِ مُبْلسُ
لَئِنْ قَعَدَتْ عَنْكَ أَجْسادُنا ... لَقَدْ رَحَلَتْ مَعَكَ اْلأَنْفُسُ
ومن شعره:
إلَى اللهِ أَشْكُو ما أَرىِ منْ زَماِننا ... وَكَثْرَةَ ما فِيِه مِنْ الَجْورِ وَالظلُّمْ
وَأَنَّ الَمواِلى قَدْ عَلاهُمْ عَبِيدُهُمْكَما قَدْ تَعالَى الجَهْلُ فِيهِمْ علَىَ الْعِلْمِ
حدثني محمد بن يحيى بن أي عباد قال كان أبو عيسى بن المتوكل يؤثرني ويقدمني، وكنت أحب الاتصال به لفضله ودينه. وكان ربما قال الشعر كالمتفرج لقوله.
وكان قد كتب الحديث وحفظ العلم، وكانت تأتيه من المعتضد بالله فرائض، فكتب إلى كتاباً يقول فيه وقد اتهم بعض جلساء بالسعاية به، ممن كانت لأبي عيسى عنده أياد واصطناع وأنا
وهو كما قال أبو الذوائب مولى بني قيس.
إذا ما وَضَعْتَ العُرْفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِرُزِئْتَ وَلَمْ تْحُمَدْ وَلَمْ تَتَّخِذْ يَدا
وأنشدني محمد بن يحيى لأبي عيسى بن المتوكل:
أُنْظُرْ إلَى الدَّهْرِ فِي تَصْريِف حالَتِهِ ... فَإنَّهُ ما وَفَي غَدْراً لإِنْسانِ
فَلا تُمايِلْهُ مُغْتَرّاً بِطاعَتِهِ ... فَسَوْفَ يُعْقِبُها مِنْهُ بِعِصْيانِ
وَلاَ يَغُرَّنْكَ سُلْطانٌ ظَفِرْتَ بِهِ ... نُسِبْتَ فِيِه إلىَ ظُلْمٍ وَعُدْوانِ
وَجازِ إحْسانَ مَنْ أَوْلاكَ عارِفَةً ... بِاُّلْشكِر عَمَّا أَتَى مِنْهُ وَإحْسانِ
قال لي محمد بن يحيى: وأظنه كان يعرض بالموفق في هذا القول وشبهه، ويحضه على ابن المعتمد وتوفيته حقه ومن شعره:
أُذْكُرْ اللهَ بالَّلساِن وَباْلقَل ... بِ عَلى شِدةٍ وَعنْدَ الرَّخاءِ
وَاعْتَمِدْ شُكْرَهُ عَلىَ كَلُ ِّحالٍ ... لاَ تَكُونَنَّ كافِرَ النَّعْماءِ
حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي قال حدثني من سمع أبا عيسى يقول وقد أمر بالركوب ليحدر من سر من رأى:
سَيكُونُ الذَّيِ قُضِى ... سَخِطَ الْعَبْدُ أَمْ رَضِى
لَيْسَ هَذاَ بِدَائمٍ ... كُلُّ هَذا سَيَنْقَضِى
وهذان البيتان لابن العتاهية من أبيات