أصح البشائر في مبعث سيد الأوائل والأواخر
للشيخ محمد المجذوب كلية الدعوة وأصول الدين
لا حاجة إلى القول بأني أحد المستمعين بأحاديث الأخ الشيخ علي الطنطاوي، التي يرسلها عن طريق المذياع قبيل صلاة العصر من كل يوم، حتى لا يكاد يفوتني أحدها إلا تحت الضرورة، فالشيخ، حفظه الله وبارك في حياته، قد أصبح منذ بدأ هذه الأحاديث أنيس الجماهير، إذ اقتحم على الناس مساكنهم ومشاغلهم، واجتذب اهتمامهم فألفوا صوته، واستعذبوا أسلوبه، الذي يمزج الجد باللعب، والعلم بالأدب، ويخالط مشاعرهم بما يتناول من مسائلهم ومشكلاتهم وتطلعاتهم.. بتلك اللهجة المحببة التي يطلقها على فطرتها، فتحمل المستمع – والرائي- نفحات الغوطة ومشاهد قاسيون، وذكريات دمر وبردي من دنيا الشام، دنيا الصبا والشباب والأحلام.
والله تبارك اسمه، الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، هو الذي قدر التلاقي والاقتراب في نطاق الأفكار، فقد تتقارب حتى لتجمعها الوحدة، وتتباين حتى لا يتصور بينها لقاء. وطبيعي أن يرتفع منسوب هذا وذاك بالنسبة إلى أحاديث تكاد تؤلف موسوعة يتعذر تحديدها من المعلومات والمفهومات والتقريرات والفكاهات.. وعلى الرغم من كثرة نقاط التلاقي بين أفكار الأخ الطنطاوي وأفكاري، فهناك مواقف نختلف عليها وقد يبلغ بعضها حدا يقتضي الحوار، فأكتب به إليه أو يعقب في أحاديثه عليه.. وعلى هذا السنن أراني اليوم مدفوعا لمناقشة واحدة من نقاط الاختلاف التي عرض لها في بعض أحاديثه أكثر من مرة. وقد كان علي أن أثير هذه المناقشة معه من زمان، بيد أن ظروف العمل التي تستحوذ على
معظم وقتي حالت دون ذلك من قبل، وإنما حفزني إليها اليوم خبر أورده ابن إسحاق في تضاعيف السيرة ومر به ابن هشام ثم العاملون في خدمتها من المحققين والناشرين دون أن يلقوا إليه بالا فيما أعلم..
وبازاء هذا الخبر وقفت أتأمل وأفكر وأقارن، حتى انتهيت إلى القناعة بأن من الخير كتابة هذا البحث لا في شأنه وحده، بل في أهم جوانب الموضوع المتصل به، مما سبق أن أثاره في صدري حديث الأستاذ المكرر..
* أما الموضوع ففي نطاق البشائر التي تقدمت مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقدمه ومبعثه والرسالة العظمى التي يحملها إلى الثقلين جميعا، فيجمع بها شمل الإنسانية التي فرقتها العصبيات، وينشر لأول مرة في تاريخ الدنيا إعلانه العالمي عن حقوق الإنسان في الحياة والكرامة والحرية.
ومهما تكن المناسبة التي دعت الأستاذ الطنطاوي إلى التعرض لهذا الموضوع، فهي لا تعدو سؤالا أورده أحد مستمعيه بغية الوقوف على جوابه بشأن ما ذكره كتاب السيرة النبوية عن المبشرات بظهور رسول الله في مختلف الروايات التاريخية. وقد رأيت الأستاذ أجزل الله مثوبته يميل صراحة إلى إنكار هذه الأخبار، ليؤكد خلو ذهن المصطفى صلى الله عليه وسلم من أي علم سابق عن ترشيحه لذلك المنصب الأعلى.. وما أدري أجاء تكراره لهذه الأفكار من قبل الإذاعة التي من عادتها إعادة بعض الحلقات في مناسبات مختلفة، أم كان جوابا آخر مؤكدا على سؤال جديد في الموضوع نفسه!. وعلى أي حال فقد كان لموقفه هذا أثره في صدري كما أسلفت، لاعتقادي أنه ينطوي على إطلاق لابد من تقييده، حفاظا على الحقيقة التي نحبها جميعا، ذلك لأن قبول كل ما ورد في السيرة من هذه البشائر ضرب من الاستسلام الضرير، الذي لا تقره الرؤية الإسلامية، كما أن رفض كل ما يتعلق بهذا الجانب تحكم لا مسوغ له في منطق العلم والعقل.
وإذن ففي جوابَيْ الأستاذ حول هذه البشائر صواب لا مندوحة عن إقراره، وفيهما خطأ لا يرضى هو بالسكوت عنه، ولا يتفق مع منهجه العلمي.. ولننظر الآن في كل من الجانبين على حدة
* إن المتتبع في وعي لروايات السيرة حول نشأة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه يجد نفسه بازاء أخبار من حقها –لو صحت- أن تهيء ذهنه صلى الله عليه وسلم لاستقبال النبأ العظيم.. وفي مقدمة هذه الروايات خبر بحيرا، الذي تقدمه الرواية على أنه راهب عربي، اتخذ طريق القوافل على حدود الشام صومعة يعبد بها ربه، حتى إذا مرّ به
ركب قريش، وفيه أبو طالب وابن أخيه – الذي لم يتجاوز الثانية عشرة بعد - شدّت انتباهه ظاهرة غير مألوفة ما لبث أن تحرك لاستكشافها، فدعا القوم لطعامه، وأكد عليهم أن لا يتخلف عنه أحد منهم ومن ثم شرع في تحريه، استقراء عن طريق العلامات المميزة، واستنطاقا بالأسئلة التي طرحها على الغلام المنشود، حتى استيقن الحقيقة التي يتطلع إليها أولو العلم من أحبار يهود ورهبان النصارى.. وهنا تنتهي قصة بحيرا لدى ابن هشام وابن كثير1 ثم يواصل الثاني حديثه عن بحيرى برواية ٌراد أبي نوح، التي تقول إن بحيرا قد أعلن قناعته بكون هذا اليتيم هو المبعوث المنتظر2.
ثم تأتي الرواية الأخرى عن رحلته صلى الله عليه وسلم بتجارة الطاهرة – خديجة - إلى الشام، حيث أتيح لفتاها ميسرة أن يرى ويسمع من خلال محمد صلى الله عليه وسلم ما ملأ قلبه إعجابا وتقديرا.
ولا تقف الرواية عند هذا الحد، بل تضم إليه أيضا بعض المشاهد الخارقة التي أحاطت بالرفيق الكريم أثناء الرحلة، من تظليل الغمامة ورعاية الملكي له.. وإخبار راهب نصراني لمسيرة بما يفيد أن رفيقه مرشح لمقام النبوة3.. حتى إذا وصل ركبهما مكة ذهب مسيرة يحدث مولاته خديجة بمرتئياته ومسموعا ته، وبخاصة كلمة الراهب، فلم تتمالك أن مضت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل تذكر له حديث ميسرة، فما كان من هذا إلا أن أكد لها توقعات الراهب قائلا: "لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة4.
وتمضي الرواية فتعرض لنا اهتمام ورقة عقيب ذلك بخبر محمد صلى الله عليه وسلم حتى ليترجم أشواقه إلى يوم إعلانه دعوته بأبيات نثبت فيما يلي بعضها:
لججت، وكنت في الذكرى لجوجا ... لهم طالما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا
ببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجا
بما خبرتنا من قول قس ... من الرهبان أكره أن يعوجا
بأن محمدا سيسود فينا ... ويخصم من يكون له حجيج
ويظهر في البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية أن تموجا
فيا ليتي إذا ما كان ذاكم ... شهدت وكنت أكثركم ولوجا
ولوجا في الذي كرهت قريش ... ولو عجت بمكتها عجيجا
1 انظر سيرة ابن هشام ص 183 ج 1 ط الحلبي و (والبداية والنهاية) ص 283 -284 ج 2 ط المعارف بيروت 1977.
2 ابن كثير ج 2 ص 284 –285.
3 ابن كثير ج 2 ص 284 –285.
4 ابن هشام ج 1 ط الحلبي ص 177 -191 وابن كثير ج 2 ص 293-296.
ويتبع هذه الرواية أخبار أخرى عن كهنة العرب، وتشير إلى مبعث النبي الموعود، مرة بالرمز إليه، وأخرى بالتصريح عن اسمه.. وحسبنا منها جميعا معالجة الخبرين الأولين بالممكن من التدقيق في قيمتهما العلمية ومدى صلتهما بالواقع.
* ونبدأ بخبر بحيرا. فمع اختلاف مؤرخي السيرة في شخصيته ونسبته وملته يكادون يتفقون على كونه من أحبار أهل الكتاب، قد أقام في صومعته تلك يعبد الله في معزل عن مفاسد عصره. وحين يعرضون ليوم لقائه محمدا صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب يكادون يتفقون كذلك علة تنويهه بشأنه، بعد تحققه من صفاته التي يجدها في بعض آثار الأنبياء السابقين.. ويزيد بعضهم أنه على مرأى ومسمع من أشياخ الركب (أخذ بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقال: "هذا سيد العالمين" وفي رواية الترمذي والبيهقي قال: "هذا رسول رب العالمين بعثه الله رحمة للعالمين.." ولما سأله هؤلاء عن مستند علمه عنه أجاب: "إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرّ ساجدا، ولا يسجدون إلا لنبي.. وإني أعرفه بخاتم النبوة بأسفل من غضروف في كتفه.." ولم يكتف بالخبر فأراهم الشجرة وهي تفيء بظلها عليه.. ثم مازال بعمه حتى رده إلى مكة حماية له من الروم –وفي رواية من يهود- وتختم هذه الرواية بأن أبا بكر بعث معه بلالا وزوده الراهب بالكعك والزيت1.
والذي يهمنا من حديث بحيرا هو إخباره بمستقبل محمد صلى الله عليه وسلم من حيث اصطفاء الله إياه لرسالته الخاتمة، وتوكيده ذلك بسجود الشجر والحجر له.. فهاهنا يتوقف القارئ المفكر ليتساءل عن نصيب القصة من الواقع، وبخاصة أن بحيرا لم يلق بالخبر همسا في مسمع واحد بعينعه بل أعلنه صراحة على ملأ من أفراد الركب، الذين طالبه أشياخهم بالبرهان على مدّعاه..
وأنت حين تواجه هذا الخبر لابد لك من التساؤل ((كيف ينسى محمد صلى الله عليه وسلم ذلك النبأ فيما بعد، وما بال أشياخ قريش ينسونه أيضا، فلا يتذكرونه يوم يطله عليهم بدعوة ربه؟. بل يقابلونها بالجحود والعناد، الذي يقطع بأن المعارضين قد فوجئوا
1 انظر البداية والنهاية: 284 و 285 ج 5. وسنن الترمذي ج 5 250 -251 ط السلفي والدلائل للبيهقي ج 1 307.
بها، كما فوجئ بها محمد صلى الله عليه وسلم نفسه، الذي ناء تحت ثقله أول الأمر، ثم لم يطمئن قلبه إليها إلا بعد أن ثبته الله بلطفه، وبما يسر له من عون الزوج العظيمة خديجة.
ونظرة أخيرة إلى خاتمة القصة تكشف لك واحدة أخرى من المشكلات التي لا تجد لها حلا. إذ المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في الثانية عشرة، يكبر صديقه أبا بكر بما يقارب الثلاث من السنوات، إذ كان ما بين التاسعة والعاشرة، ولم تذكر له السيرة أي صلة ببلال، الذي كان في رق أمية بن خلف حتى يوم انتقاله إلى الملك الصديق في أوائل سني البعثة.. فكيف كبر الصديق حتى قام بمسئولية الحماية لمحمد؟.. وكيف أفلت بلال من رق أمية ودخل سلطان الصديق؟.. وكيف ارتفعت سنه بغتة صار قادرا على القيام بهذه المهمة؟.. ومن أين جاء اسم الكعك إلى القصة وهو لفظ لعله لم يتطرق إلى العربية إلا بعد الفتح الإسلامي؟.
وهذه الحيرة التي تراودك بازاء القصة قد سبقنا إليها عدد من رجال الحديث الذين لم يستطيعون ردها تهيبا لسنده، ولكنهم لم يكتموا رأيهم بأن من حملها إنما حملها لغرابتها مع التوكيد على انفراد راويها الأخير بها، حتى أن ابن إسحاق نفسه لم يستطع عرضها إلا في صيغة ((الزعم التي تنم عن منتهى الشك)) 1 وكذلك فعل ابن كثير حين وجه إليها نقدا يوشك أن يكون ردا للرواية بأسرها، ومثله صنع الزرقاني في شرحه على المواهب إذ نقل تضعيف الذهبي للخبر2 كما فعل البيهقي بقوله نقلا عن أحدهم: "ليس في الدنيا مخلوق يحدث به غير قراد"3.
وننتقل الآن إلى القسم الثاني:
لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجارة خديجة وهو في الخامسة والعشرين من سنيه، وكان رفيقه في هذه الرحلة ميسرة غلامها، ولابد أنها استغرقت طويلا من الزمن، وبذلك أتيح لمسيرة وهو العاقل الفهم –كما يلوح من خلال الرواية- أن يشهد من خلائق محمد وسمو تصرفاته أثنائذ ما يدفعه إلى الحديث عنهما لكل من يتصل به وبخاصة مولاته خديجة، التي لابد أنها أصغت إلى روايته تلك بإعجاب الكريم الفاضل يسمع أنباء إنسان
1 ابن كثير ج 2 285. وابن هشام ج 1 180 -183 ط الحلبي.
2 ابن كثير ج 2 285، وابن هشام ج 1 180 -183 ط الحلبي.
3 انظر هامش ص 82 من كتاب (الفصول في اختصار سيرة الرسول) ط دار القلم بيروت.
بلغ القمة في عالم الفضائل، حتى ليدفعها ذلك الإعجاب إلى التفكير في الاقتران به. وسواء توسلت إلى هذه الأمنية الغالية بعرض أمرها عليه مباشرة –كرواية ابن إسحاق1- أو بوساطة المرأة الحكيمة نفيسة بنت علية2 أو عن طريق أخت لخديجة في إحدى الروايات، فقد أتم الله ذلك القران السعيد الذي عم ببركته لا بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب بل العالم الإسلامي بأجمعه حتى تقوم الساعة.
وإلى هنا والخبر طبيعي ومعقول، ولكن التوقف إنما يتأتى عند بقيته، حيث نرى خديجة رضي الله عنها مشغولة الذهن بموضوع الغمامة والملائكة وخبر النبوة، حتى لا تتمالك أن تقصد إلى ذلك الرجل الحكيم العليم ورقة بن نوفل لتتعرف تأويل تلك الظواهر، فتسمع منه البشرى بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك باعثها الفعال على طلب الزواج منه.
وبقليل من التأمل في مسيرة هذا الجزء من الرواية يتضح لك اضطرابه هو الآخر ذلك أن خبرا كهذه تسمعه خديجة من ميسرة ثم من ورقة من حقه أن يصل إلى محمد صلى الله عليه وسلم عقب زواجه أو خلال الخمس عشرة سنة التي سبقت الوحي، وهذا ما ترفضه الوقائع، التي تؤكد أن محمدا وخديجة كليهما كانا سواء في خلو ذهنيهما من أمر الوحي، إذ فاجأة على غير انتظار، وفاجأها به في جو من الورع المهيب، فلم تجد ما تقوله له سوى التذكير بفضائله التي لا يقاربها الشيطان.. وحسبنا دليلا حاسما على خلو ذهنه صلى الله عليه وسلم من موضوع النبوة كليا قول ربه له تبارك اسمه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ ... } (الشورى آية 52) وهو توكيد حازم لما سبق من قوله الآخر سبحانه في سورة الضحى {وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى} ففي كلتا الآيتين تصوير عميق الدلالة على الوضع النفسي الذي كان يلابس محمدا صلى الله عليه وسلم قبل الوحي، فهو في حيرة لا يعرف السبيل إلى جلائها، فلا فكرة لديه عن رسالات الله، ولا يعرف من الإيمان سوى التوحيد الفطري الذي ينطق به كل شيء في هذا الكون، إلى أن فاجأه الزائر العظيم في أحضان حراء..
ومن هذا كله نجد أنفسنا تلقاء أمرين: أحدهما الشك في خبر الراهب النصراني عن الغمام والملائكة والشجرة التي ما نزل تحتها قط إلا نبي3 والثاني أن يكون اتصال
1 راجع الدلائل ص 309 السلفية.
2 ابن هشام ط الحلبي ص 189 ج.1.
3 ابن هشام ط دار الفكر ج1 205 -في الهامش- وفي (المنتخب من السنة) تذكر باسم نفسية.
خديجة بورقة لاستطلاع رأيه لم يأت عقيب عودته صلى الله عليه وسلم ومسيرة من الشام، بل الأحرى أن يكون حصوله على إثر نزول الوحي مباشرة، يوم عاد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف من الرعب، فذهبت به إلى ابن عمها الذي اطمأن وبشره بالنبوة1.
وعلى هذا التقدير يكون ثم تقديم وتأخير في أجزاء الحادث المتصل ببشرى ورقة.. ولعلنا لو لأعدنا ترتيب هذه الأجزاء وفق منطق الحوادث لوجدنا أنفسنا تلقاء الصورة التالية أو قريبا منها:
يعود رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إثر اللحظة الهائلة التي قدر فيها لقاء جبريل (عليه السلام) إلى خديجة يرتجف من الروع، فتتلقاه بأحسن ما تملك من كريم الرعاية وجميل البيان، حتى إذا اطمأن إلى هدوئه، أخذت سبيلها في زورة عجلي إلى ابن عمها ورقة، أعلم أهل مكة بأمر الدين، فما إن يسمع حديثها عن تلك المفاجأة حتى يهزه الوجد، ويأخذ في التسبيح: قدوس قدوس.. ثم يصرح بالبشرى: "والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتني يا جديجة لقد جاءه الناموس الأكبر –جبريل- وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت2".
وهكذا تعود خديجة (رضي الله عنها) إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) بكلمة ورقة تشد بها عزيمته، ولتقول له في ثقة عالية وبألفاظ ورقة نفسها: "والذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة3". وطلبا للمزيد من التثبيت ترى أن يسمع محمد تلك البشرى الشافية من فم صاحبها مباشرة، ولذلك (انطلقت بمحمد حتى أتت ورقة فقالت له: "يا ابن عم اسمع من ابن أخيك".. فأخبره (صلى الله عليه وسلم) خبر ما رأى فقال له ورقة: "هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى4". ومن هنا جعلت الأشواق تتفاعل في صدر ورقة إلى اليوم الذي يؤمر فيه النبي الخاتم بتبليغ رسالة ربه، فلا يتمالك أن يترجمها بتلك الأبيات التي أثبتناها في ما تقدم. ثم يلقي محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو يطوف بالبيت فيستعيد خبره، ولعله يستوضحه عما جدّ له، فيقص عليه ما رأى وما سمع، فيكرر ورقة ما قاله من قبل مؤكدا بشراه بالقسم: "والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة"5.
1 ابن هشام ط الحلبي ج 1 ص 188، وعبارة ابن كثير خالية من الظرف ((قط)) ج 2 ص 294، ويفسر السهيلي عبارة الراهب بقصده إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) وحده وهو بعيد، وذكر الظرف المستغرق للماضي عند ابن هشام يفيد القطع بأنه لم يجلس تحت هذه الشجرة قبل محمد (صلى الله عليه وسلم) إلا النبيون.
2 ابن هشام ط الحلبي ص 238 ج 1، وانظر ابن كثير ج 3 ص 3. والمنتخب من السنة ج 1 /73 /74.
3 ابن هشام ط الحلبي ص 238 ج 1 وانظر ابن كثير ج 3 ص 3 والمنتخب من السنة ج1 /73 /74.
4 ابن هشام ط الحلبي ص 238 ج 1 وانظر بن كثير ج 3 ص 3 والمنتخب من السنة ج 1 /73 /74.
5 ابن هشام ط الحلبي ص 238 ج 1 وانظر بن كثير ج 3 ص 3 والمنتخب من السنة ج 1 /73 /74.
ومما يؤيد هذا الاتجاه في ترتيب أجزاء الخبر رواية ابن كثير له حيث يعرض نبأ عودته (صلى الله عليه وسلم) إلى خديجة وهو يقول: "زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الورع، فأخبر خديجة بأمره، وقال: "لقد خشيت على نفسي".. فجعلت خديجة تسري عنه بقولها: "كلا.. والله لا يخزيك الله أبدا. إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق.." ويعقب ابن كثير ذلك بقوله: "فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة.." إلى نهاية الخبر.
فأنت ترى خلو رواية ابن كثير من هذا القول المنسوب في السيرة إلى خديجة "إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة" وتؤكد رواية البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي.
ورب متسائل يقول: ومن أين جاء خبر تظليل الملائكة والغمام وسجود الحجر والشجر لمحمد وانصهارها عليه؟!.. فأقرب جواب على ذلك أن يكون بعض نساخ السيرة، وربما كان من مسلمة أهل الكتاب، قد آسفه أن يقرأ في أسفارهم مثل تلك العجائب تواكب بعثة بعض الأنبياء، ولا يرى مثل ذلك في سيرة محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو الذي أكرمه الله بإمامتهم جميعا، فلم ير بأسا في إضافة مثلها إلى بعض أخباره.. بل لا أستغرب أن يكون من هذه الإضافات ذلك الخبر القائل إن يهوديا أطل من أطمه في يثرب ليصرخ في قومه: "يا معشر يهود.. طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به1 وذلك مضاهات لما تقوله بعض مكتوبات النصارى من أن رجلا من فارس قد عرفوا بميلاد المسيح (عليه السلام) من نجم معين فجعلوا يتتبعونه حتى انتهوا إلى مقره في بيت لحم2.
وأنا إذ أعرض هذه التصورات لا أنسى أن بعض هذه الأخبار مكتوب في بعض المؤلفات المقدرة عند جمهور المسلمين، ولكن علينا أن نتذكر كذلك أن لمؤلفيها رأيا معلوما في التفريق بين التاريخ والشريعة، فهم إذا رووا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تشددوا في التحقيق، وإذا عرضوا للأخبار التاريخية مالوا إلى التساهل. وليتهم لم يفعلوا ذلك لأن التاريخ في ضوء الإسلام معرض العبر التي يجب على المسلم تطبيقها في حياته، وإنما يصلح التطبيق إذا صحت الوقائع، وكل تحريف في عرضها إنما هو مضيعة أو مفسدة للعبرة نفسها..
1 ابن هشام ج 1 /159 ط الحلبي، وقريب من ذلك رواية الحاكم في المستدرك عن يهودي فعل هذا بعض هذا في مكة أيضا ج 2 /601 –602.
2 راجع الفصل الثاني من إنجيل متى.