بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 27

قال شيخ الإسلام ابن تيميه[1]: إذا أجمعوا - يعني التابعين - على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو ألسنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.

وقال أيضا: من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك، كان مخطئا في ذلك، بل مبتدعا، وإن كان مجتهدا مغفورا له خطؤة، ثم قال: فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا.

هـ - ما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية حسب السياق لقوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) (النساء: الآية 105) وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف: 3) وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (ابراهيم: الآية 4) .

فإن اختلف المعنى الشرعي واللغوي، أخذ بما يقتضيه الشرعي، لأن القرآن نزل لبيان الشرع، لا لبيان اللغة إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي فيؤخذ به.

مثال ما اختلف فيه المعنيان، وقدم الشرعي: قوله تعالى في المنافقين: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً) (التوبة: الآية 84) فالصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع هنا الوقوف على الميت للدعاء له بصفة مخصوصة فيقدم المعنى الشرعي، لأنه المقصود للمتكلم المعهود للمخاطب، وأما منع الدعاء لهم على وجه الإطلاق فمن دليل آخر.
[1]مجموع الفتاوى.


صفحه 28

ومثال ما اختلف فيه المعنيان، وقدم فيه اللغوي بالدليل: قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) (التوبة: الآية 103) فالمراد بالصلاة هنا الدعاء، وبدليل ما رواه مسلم[1]عن عبد الله بن أبي أوفي، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى بصدقة قوم، صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: " اللهم صل على آل أبي أوفي ".

وأمثلة ما اتفق فيه المعنيان الشرعي واللغوي كثيرة: كالسماء والأرض والصدق والكذب والحجر والإنسان.
[1]أخرجه البخاري ص 342، كتاب المغازي، باب 36: غزوة الحديبية، حديث 4166، ومسلم ص 849، كتاب الزكاة، باب 54: الدعاء لمن أتى بصدقة، حديث رقم 2492 (176) 1078.


صفحه 29

الاختلاف الوارد في التفسير المأثور

الاختلاف الوارد في التفسير المأثور على ثلاثة أقسام:

الأول: اختلاف في اللفظ دون المعنى، فهذا لا تأثير له في معنى الآية، مثاله قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (الإسراء: 23) قال ابن عباس: قضي: أمر، وقال مجاهد: وصي، وقال الربيع بن انس: أوجب، وهذه التفسيرات معناها واحد، او متقارب فلا تأثير لهذا الاختلاف في معنى الآية.
الثاني: اختلاف في اللفظ والمعنى، والآية تحتمل المعنيين لعدم التضاد بينهما، فتحمل الآية عليهما، وتفسر بهما، ويكون الجمع بين هذا الاختلاف أن كل واحد من القولين ذكر على وجه التمثيل، لما تعنيه الآية أو التنويع، مثاله قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الأعراف: 175) (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ (الأعراف: 176) قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل، وعن ابن عباس أنه: رجل من أهل اليمن، وقيل: رجل من أهل البلقاء.

والجمع بين هذه الأقوال: أن تحمل الآية عليها كلها، لأنها تحتملها من غير تضاد، ويكون كل قول ذكر على وجه التمثيل.

ومثال آخر قوله تعالى (وَكَأْساً دِهَاقاً) (النبأ: 34) قال ابن عباس: دهاقاً مملوءة، وقال مجاهد: متتابعة، وقال عكرمة: صافية. ولا منافاة بين هذه الأقوال، والآية تحتملها فتحمل عليها جميعاً ويكون كل قول لنوع من المعنى.

القسم الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى، والآية لا تحتمل المعنيين معا للتضاد بينهما، فتحمل


صفحه 30

الآية على الأرجح منهما بدلاله السياق أو غيره.
مثال ذلك: قوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: 173) قال ابن عباس: غير باغ في الميتة ولا عاد من أكله، وقيل: غير خارج على الإمام ولا عاص بسفره والأرجح الأول لأنه لا دليل في الآية على الثاني، ولأن المقصود بحل ما ذكر دفع الضرورة، وهي واقعة في حال الخروج على الإمام، وفي حال السفر المحرم وغير ذلك.

ومثال آخر قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) (البقرة: الآية 237) قال على بن أبي طالب رضي الله عنه في الذي بيده عقدة النكاح: هو الزوج، وقال ابن عباس: هو الولي، والراجح الأول لدلالة المعنى عليه، ولأنه قد روي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.


صفحه 31

ترجمه القرآن

الترجمة لغة: تطلق على معانٍ ترجع إلى البيان والإيضاح. وفي الاصطلاح: التعبير عن الكلام بلغة أخرى. وترجمة القران: التعبير عن معناه بلغة أخرى والترجمة نوعان:

أحدهما: ترجمة حرفية، وذلك بأن يوضع ترجمة كل كلمة بازائها.

الثاني: ترجمة معنوية، أو تفسيرية، وذلك بأن يعبر عن معنى الكلام بلغة أخرى من غير مراعاة المفردات والترتيب.

مثال ذلك: قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف: 3) فالترجمة الحرفية: أن يترجم كلمات هذه الآية كلمةً كلمة فيترجم (إنا) ثم (جعلناه) ثم (قرآنا) ثم (عربيا) وهكذا.
والترجمة المعنوية: أن يترجم معنى الآية كلها بقطع النظر عن معنى كل كلمة وترتيبها، وهي قريبة من معنى التفسير الإجمالي.

حكم ترجمة القرآن:

الترجمة الحرفية بالنسبة للقرآن الكريم مستحيلة عند كثير من أهل العلم، وذلك لأنه يشترط في هذا النوع من الترجمة شروط لا يمكن تحققها معها وهي:

أ- وجود مفردات في اللغة المترجم إليها بازاء حروف اللغة المترجم منها.

ب- وجود أدوات للمعاني في اللغة المترجم إليها مساوية أو مشابهة للأدوات في اللغة المترجم منها.


صفحه 32

ج- تماثل اللغتين المترجم منها وإليها في ترتيب الكلمات حين تركيبها في الجمل والصفات والإضافات وقال بعض العلماء: إن الترجمة الحرفية يمكن تحققها في بعض آية، أو نحوها، ولكنها وإن أمكن تحققها في نحو ذلك - محرمة لأنها لا يمكن أن تؤدي المعنى بكماله، ولا أن تؤثر في النفوس تأثير القرآن العربي المبين، ولا ضرورة تدعو إليها؛ للاستغناء عنها بالترجمة المعنوية.

وعلى هذا فالترجمة الحرفية إن أمكنت حسا في بعض الكلمات فهي ممنوعة شرعا، اللهم إلا أن يترجم كلمة خاصة بلغة من يخاطبه ليفهمها، من غير أن يترجم التركيب كله فلا بأس.

وأما الترجمة المعنوية للقرآن فهي جائزة في الأصل لأنه لا محذور فيها، وقد تجب حين تكون وسيلة إلى إبلاغ القرآن والإسلام لغير الناطقين باللغة العربية، لأن إبلاغ ذلك واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

لكن يشترط لجواز ذلك شروط:

الأول: أن لا تجعل بديلا عن القرآن بحيث يستغني بها عنه، وعلى هذا فلا بد أن يكتب القرآن باللغة العربية وإلى جانبه هذه الترجمة، لتكون كالتفسير له.

الثاني: أن يكون المترجم عالما بمدلولات الألفاظ في اللغتين المترجم منها وإليها، وما تقتضيه حسب السياق.
الثالث: أن يكون عالما بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن. ولا تقبل الترجمة للقرآن الكريم إلا من مأمون عليها، بحيث يكون مسلما مستقيما في دينه.


صفحه 33

المشتهرون بالتفسير من الصحابة

اشتهر بالتفسير جماعة من الصحابة، ذكر السيوطي منهم: الخلفاء الأربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم، إلا أن الرواية عن الثلاثة الأولين لم تكن كثيرة، لانشغالهم بالخلافة، وقلة الحاجة إلى النقل في ذلك لكثرة العالمين بالتفسير.

ومن المشتهرين بالتفسير من الصحابة أيضا: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، فلنترجم لحياة على بن أبي طالب مع هذين رضي الله عنهم.

1- على بن أبي طالب:

هو ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وزوج فاطمة رضي الله عنه وعنها، وأول من آمن به من قرابته، اشتهر بهذا الاسم. وكنيته أبو الحسن، وأبو تراب.

ولد قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين، وتربي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد معه المشاهد كلها، وكان صاحب اللواء في معظمها، ولم يتخلف إلا في غزوة تبوك، خلفه النبي صلى الله عليه وسلم في أهله، وقال له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي "[1]، نقل له من المناقب والفضائل ما لم ينقل لغيره، وهلك به طائفتان: النواصب الذين نصبوا له العداوة، وحاولوا إخفاء مناقبه، والروافض الذي بالغوا فيما زعموه من حبه، وأحدثوا له من المناقب التي وضعوها ما هو في غنى عنه، بل هو عند التأمل من المثالب.
اشتهر رضي الله عنه بالشجاعة والذكاء مع العلم والزكاء حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن، ومن أمثلة النحويين: قضية ولا
[1]أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة تبوك، حديث رقم (4416) ، ومسلم كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل على بن أبي طالب. حديث رقم (6218) .


صفحه 34

أبا حسن لها، وروى عن علي أنه كان يقول: سلوني سلوني وسلوني عن كتاب الله تعالى، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به، وروي عنه أنه قال: ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب. كان أحد أهل الشورى الذي رشحهم عمر رضي الله عنه لتعيين الخليفة، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف فأبى إلا بشروط لم يقبل بعضها، ثم بايع عثمان فبايعه علي والناس، ثم بويع بالخلافة بعد عثمان حتى قتل شهيدا في الكوفة ليلة السابع عشر من رمضان، سنة أربعين من الهجرة رضي الله عنه.

2- عبد الله بن مسعود:

هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهزلي، وأمه أم عبد كان ينسب إليها أحيانا[1]، وكان من السابقين الأولين في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا، وما بعدها من المشاهد.
تلقى من النبي صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة من القرآن، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام: " إنك لغلام معلم "[2]، وقال: " من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد "[3]، وفي " صحيح البخاري "[4]أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله، وقال: والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا ,أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم منى بكتاب

الله
[1]وذلك لأن أباه مات في الجاهلية، وأدركت أمه الإسلام فأسلمت.
[2]أخرجه أحمد (1/379، 462) .
[3]أخرجه بن ماجه (138) .
[4]أخرجه البخاري ص 433 - 434، كتاب فضائل القرآن، باب 8: القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 5000.