وقل لي إذا شقّ بصرك، واشتدّ حصرك. وعاينت الجدّ فشغلك عن دَدِكَ، وأوحشك تفريطك فسقط في يدك. ما يغني حينئذٍ عنك بُنيانك، وماذا يجدي عليك قُنيانك. وهل ينفعك نخيلك الصنوان وغير الصنوان، أم يدفع عنك ما يخرج من طلعها من القنوان.
المقالة الثانية والعشرون:
الباطل واللَّدد
خل عن يدك
الباطل واللدد، واعتنق الجدوالزم الجدد. إن الله تعالى خلقك جِداً لا عبثاً، وفطرك إبريزاً لا خبثاً. لولا أن نفسك بكسبها الخبيث خبثتك، وبلطخ عملها السيئ لوثتك. فأرخيت عنانك فيما أنت عنه مزجور، وتوليت بركنك عما أنت عليه مأجور. إلقاء بيدك إلى التهلكة، وإضاعة لحظك في عظيم المهلكة.
المقالة الثالثة والعشرون:
خسوف وفيلسوف
احذر من الخسوف والكسوف، ولا تستمع لقول الفيلسوف لأنه لا يألو أن يتحمق وأن يغلو ويتعمق، إن اشتهاره بقوله الفج طوّح به وراء كل فجّ، مبخت مرجم يدّعي أنه منّجم، هو عند نفسه المهذّب. وعند عباد الله المكذب، وبنار الله
المقالة الرابعة والعشرون: نحو قلب سليم
من لعمل كالظهر الدبر، ومن لقلب كالجرح الغبر. دُووي بكل دواء فلم ينجع، واحتيل عليه بكل حيلة فلم ينفع. متى رفوت منه جانباً انتقض عليه آخر، وإذا سددت من فساده منخراً جاش منخر. ضاقت عن تدبيره فطن الأناسي، وأعضل علاجه على الطيب النطاسي. فيا ويلتا من هذا السقام، ويا غوثنا من هذا الداء العقام. وما أحق بمثلي أن يبيت بليلة سليم، كلما تُليت إلا من أتى الله بقلب سليم.
المنكر فاشمأزّ. وقام بأمر الله في إهانة الأشرار وعصب سلمتهم، وفي إعانة الأبرارونصب كلمتهم.
المقالة السابعة والعشرون:
النعامة والزعامة
أحمق من النعامة، من افتخر بالزعامة. لم أرَ أشقى من الزعيم، ولا أبعد منه من الفوز بالنعيم. وأنّى يفوز من ديدنه الهتك بالأستار، وهجيراه الفتك بالأحرار. لا يفتر من إهراع في سبل الطغاة، ولا يهدأ من إهطاع قبل البُغاة. هالك في الهوالك، خابط في الظلم الحوالك. على آثاره العفاء، وأدركته بمجانيقها الضعفاء.
أنت ماثل، ولأيّ مكّار أنت مقاتل. لعمرك ما رتب رتوب الكعب، في مثل هذا الموضع الصعب. إلا عبد حرّ المنابت. مثَّبت بالقول
الثابت. أوّاه من خوف العقاب أوَّاب، توّاب إلى بيل الثواب وثّاب. ركّاض خيله في حلبات الطاعة، روّاض نفسه على بذل الاستطاعة.
المقالة الثلاثون: الدنيا أدوار
الدنيا أدوار، والناس أطوار، فالبس كل يوم بحسب ما فيه من الطوارق وجالس كل قوم بقدر ما لهم من الطرائق. فلن تجري الأيام على أمنيتك، ولن تنزل الأقوام على قضيتك. ولن تُشايعك الدنيا إلى ما تروم، وإن ساعدتك فمساعدتها لا تدوم.
المقالة الثانية والثلاثون: بلد الوالي الغشوم
ألا أحدثك عن بلد الشوم، ذلك بلد الوالي الغشوم. الغشم أدوس من حوافر الخيول، وأحطم من جواحف السيول. وأعفى
من الرياح البوارح، وأضر من السنن الجوائح. يحجب أن تصعد كلمات الدعاء، وأن تهبط بركات السماء. فإياك وبلد الجور وإن كنت أعزّ من بيضة البلد، وأحظى أهله بالمال المثمر والولد. وتوقع أن تسقط فيه الطيور النواعق، وتأخذ أهله الرجفة والصواعق.
المقالة الثالثة والثلاثون:
يا عبد الدينار
يا عبد الدينار والدرهم متى أنت عتيقهما، ويا أسير الحرص والطمع متى أنت طليقهما. هيهات لا عتاق إلا أن تكاتب على دينك الممزق، ولا إطلاق أو تفادي بخيرك الملزّق. يا من يشبعه القرض، ما هذا الحرص. ويا من ترويه الجرع، ما هذا الجزع. ستعلم غداً إذا تندّمت، أن ليس لك إلا ما قدمت. وإذا لقيت المنون، لم ينفعك مال ولا بنون. ما يصنع بالقناطير المقنطرة، عابر هذه القنطرة، وما يريد من البهجة والفرحة، نازل ظلّ هذه السرحة.
المقالة الرابعة والثلاثون:
الشرف
لا تقنع بالشرف التالد، وهو الشرف للوالد. واضمم إلى التالد طريفاً، حتى تكون بهما شريفاً. ولا تُدل بشرف أبيك، ما لم تدل بشرف فيك. إن مَجد الأب ليس بمُجد، إذا كنت في نفسك غير ذي مَجدٍ. الفرق بين شرفي أبيك ونفسك، كالفرق بين فرقي يومك وأمسك. ورزق الأمس لا يسدّ اليوم كبداً، ولن يسدّها أبداً.
المقالة الخامسة والثلاثون:
هذا العبد العظيم
لله عبد أنفه إلى طاعة الله مخزوم، وقوله بالتوكل عليه محزوم. لا يقرع ظنوبه إلى غير قِبابه، ولا يُقعقع إلا حلقة بابه ولا يزلُّ ظُفراً عن عتبته، قرقاً مِن توجه معتبته. مُكمِّش أذياله مُشمّر، ماثل ممتثل حيث أُمر لمّا أُمر.
المقالة السادسة والثلاثون:
ويل لأهل الفخر
كبّ الله على مناخره، من زكّى نفسه بمفاخره. على أنه ربّ مساخر، يعدها الناس مفاخر. يقول الرجل جدّي فلان، وأنا ممن يقدّمه السلطان. وأبوه عبد لبعض العُصاة مُسخر، ومَن قدّمه السلطان فهو المؤخر. الأصيل من رسخ في ثرى الطاعة عِراقه، والمقدّم من أحرز قصب السبق سبقه.
المقالة السابعة والثلاثون:
الرواية عن فلان وفلان
إمش في دينك تحت راية السلطان، ولا تقنع بالرواية عن فلان وفلان. فما الأسد المحتجب في عرينه، أعز من الرجل المحتج على قرينه. وما العنز الجرباء تحت الشمأَل البليل، أذل من المُقلد عند صاحب الدليل. ومن تبع في أصول الدين تقليده، فقد ضيع وراء الباب المرتج إقليده. وجامع الروايات الكثيرة ولا حجة عنده، مقوِ أوقر ظهره بالحطب وأغفل زنده. إن كان للضلال أُمٌ فالتقليد أمُّه، قلّد الله حبلاً من مسد من يقصده ويؤمه.
المقالة الثامنة والثلاثون:
الحق والبرهان
لم أر فرسي رهان، مثل الحق والبرهان. لله درهما متخاصرين، ولا عدمتهما من متناصرين. اصطحبا غير أبانين. مَن شدّ يده بغرزهما، فقد اعتزّ بعزّهما. ومن زلّ عنهما فهو من الذلة أذل، ومن القلة أقل.
المقالة التاسعة والثلاثون:
الساهي واللاهي
أيها الشيخ الشيب ناهيك به ناهياً، فما لي أراك ساهياً لاهياً. أبق على نفسك واربع، فهذه أخرى المراحل الاربع. ومن بلغ رابعة المراحل، فقد بلغ من الحياة الساحل. وما بعدها إلا المورد الذي ليس لأحد عنه مصدر، ولا زيد من عمرو بوروده أجدر. هو لعمر الله مشرع، جميع الناس فيه شرع. وأحقّهم بالاستعداد له من شارَفه، وأولاهم بالإشفاق له من قارفه.
المقالة الأربعون:
القاضي المرتشي
القاضي تعمل فيه الرشوة، ما لم تعمل في الشارب النشوة. إن أتته فسكران ميلاً وطرباً، وإن فاتته فثكلان ويلاً وحرباً. كأن لم يسمع أن الرشوة من السحت، ووان السحت مأخوذ من السحت. وأن آكله ممن يسحته الله بمثلاته، ومن جملة من ينحت الله أثلاته، أية نار يؤرث، حين يقسم ويورث. يقدم نصيبه ونصيب من نصبه، على حقوق ذوي الفرض والعصبة. يسمى القاضي، وهو السمّ القاضي.
المقالة الحادية والأربعون:
الفرائض والجهاد
في إقامة فرائض الله فجاهد، وعلى سنن الرسول فعاهد. ولا يلفتنك أن الفرائض لها الفضل عند التفاضل، ولها الخصل يوم التناضل. عن أن تكون معتداً بالسنن، معتقداً إنها من الجنن. متنسكاً بالآداب، متمسكاً منها بالأهداب. متمادياً في أخذها، متفادياً عن نبذها. فكل موقر مبجل، وإن كان الأغر دونه المحجل. ومن اقتحمت عينه الأدب وحقره، لم تكن السنة عنده موقرة. ومن لم يوقر السنة ولم يجلها، لم يعرف قدر الفريضة ولا محلها.
المقالة الثانية والأربعون:
العلماء وأنواعهم
رضي الله عن العلماء الخاشين من الله وحسابه، الماشين على سبيل محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه. المتواصين بالحق قلّما يحيصون عن فجّه الرحب إلى ثنيّات المضايق، ولا يحيدون عن نهجه اللّحب إلى بُنيات الطرائق. في أفواههم بيض بواتر علىرقاب المبطلين، وفي أيديهم سُمر عواتر في نُغر المعطلين. جمعوا إلى الدين الحنيفي العلم الحنفي، وإلى العلم الحنفي الحلم الأحنفيّ. فنفوسهم رواسي الحلم، وقلوبهم معادن العلم. لله بلادها من جبال وَقار، بحاث معادنها يرجع بأوقار. لعمرك ما عُمار ساحة الأرض، إلا عمّالها بالسنة والفرض. أولئك العلماء حق العلماء، وسائرهم كالغثاء يطفو على الماء. فلا تُسمّهم إلا بالحملة والرواة، وادعُهم زوامل الكتاب والدواة.