بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 20

بالعهد، وإتباع شرع الله وهذه الأشياء مأمور بها وليس منهياً عنها فبم يوجه هذا؟.
والقول في جواب هذا أن أهل العلم لم يغفلوا عن هذا الإشكال من حيث الظاهر وأجابوا بأجوبة عديدة منها:
1- قوله تعالى: {حَرَّمَ رَبُّكُمْ} معناه وصاكم به ربكم فضمن حرَّم معنى وصّى، ويؤيد هذا الفهم ما جاء في آخر الآية قال تعالى: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِه} فالتحريم هنا مضمن معنى الوصية، وإذا نظرت في المعنى تجد أن الوصية فيه أعم من التحِريم. فكل تحريم وصية من الله عز وجل إلى عباده، وليس كل وصية تحريما، لأنها تكون بتحريم وبتحليل، وبوجوب وندب، وليس أمراً غريباً أن يراد بالتحريم الوصية، ومن الأساليب عند العرب ذكر اللفظ الخاص وإدارة العموم، أو العكس فتذكر اللفظ العام وتريد به الخاص وبناء على ما تقرر فإن تقدير الكلام: قل تعالوا أتل ما وصاكم به ربكم، ثم حصل إبدال قوله تعالى: {أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} منه. وذلك على وجه البيان والتفسير. أي وصاكم أن لا تشركوا به شيئاً ووصاكم بالإحسان إلى الوالدين… الخ. فجمعت الوصية ترك المحرمات وفعل المأمورات. وهذا التوجيه في نظري حسن جداً1.
2- أن تكون (أن) في قوله تعالى: {أَلاَّ تُشْرِكُوا} تفسيرية لفعل النهي الدال عليه التحريم وفعل الأمر المحذوف، والتقدير: أتل ما حرم عليكم وما أمركم به، فحذف وما أمركم به لدلالة (ما حرم) عليه لأن معنى ما حرم ربكم، ما ينهاكم ربكم عنه، فالمعنى قل تعالوا أتل ما نهاكم ربكم عنه وما أمركم به، ولا مانع من عطف الأمر على النهي والعكس ومن شواهده قول إمرئ القيس: يقولون لا تهلك أساً وتجمل2
3- جاز ذلك لجواز عطف الأوامر على النواهي لكونها تفسيراً لها باعتبار لوازمها التي هي النواهي المتعلقة بأضداد ما تعلقت به، فإن الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده، بل هو عينه عند البعض، كأن الأوامر ذكرت وقصد لوازمها، فإن عطف الأوامر على النواهي الواقعة بعد (إن) المفسرة لتلاوة المحرمات، مع القطع بأن المأمور به لا يكون محرما دليل وأضح على أن التحريم راجع إلى الأضداد، على الوجه المذكور3
1 التسهيل 2/25.
2 البحر 4/249
3 الإرشاد 3/198


صفحه 21

الوصية الأولى
البحث اللغوي
...
الوصية الأولى
قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} 1.
البحث اللغوي:
أ- المفردات:
قل: فعل أمر موجه إلى عبد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
تعالوا: أي أقبلوا وهلموا. وهذا من الخاص الذي صار عاماً. فالأصل فيه أن يقوله من هو في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه، ثم كثر واتسع فيه حتى عمَّ2.
أتل: من التلاوة والمراد بها القراءة.
حرم: من التحريم وهو المنع، والحرام الشيء الممنوع منه، ويكون المنع بأمور. إما بتسخير إلهي، وإما بمنع قهري، وإما بمنع من جهة العقل، أومن جهة الشرع، أومن جهة من يرتسم أمره، وهو في هذه الآية من جهة القهر بالمنع3، كقوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} 4.
ب- النحو:
أتل: جواب الأمر، أي إن تأتوني أتل.
ما: في قوله تعالى: {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} : فيها ثلاثة أقوال.
1- أنها موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف، والتقدير: الذي حرمه، والموصول في محل نصب مفعول به. وهذا هو الأظهر.
2- أنها مصدرية، والتقدير: أتل تحريم ربكم، والتحريم نفسه لا يتلى، وإنما هو مصدر واقع موقع المفعول به، والتقدير: أتل محرم ربكم الذي حرمه هو عز وجل.
3- أنها استفهامية في محل نصب بحرم بعدها، وهي معلقة لأتل، والتقدير: أتل أي شيء حرم ربكم؟ وهذا ضعيف لأنه لا يعلق إلا أفعال القلوب وما حمل عليها5.
1 انظر الآية (151) من سورة الأنعام.
2 الكشاف 2 / 78، الإرشاد 3/197.
3 المفردات 114.
4 انظر االآية (72) من سورة المائدة.
5 الفتوحات 2 / 106، 107.


صفحه 22

الإيضاح:
قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} أمر الله عز وجل نبيه ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يبينِ للناس من المحرمات ما يقتضي الحال بيانه، مستخدما لأسلوب الحكيم في ذلك إيذاناً بأن حق العباد اجتناب ما حرم الله ورسوله واتباع شرع الإسلام الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الأسود والأبيض فيقول لهم صلى الله عليه وسلم: يا من حرموا ما أحلَ الله (تعالوا) وهو أمر من التعالي. ولا يمنع أن يحمل على الأصل تعريضاً لأولئك الذين شرعوا مالم يأذن به الله، بأنهم يا حضيض الجهل والبعد عن المنهج السديد، ولو استجابوا لنداء الله ورسوله لتعالوا وترفعوا إلى ذروة العلم وقنة العزة.
قوله تعالى: {أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} . هذه أولى الوصايا العشر، وبدأ سبحانه وتعالى هذه الوصايا بتحريم الشرك لأمور ثلاثة كما ظهر لي.
1- إن الشرك أكبر الكبائر وأعظم الذنوب قال تعالِى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} 4 وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ
1 الفتوحات 2/ 106، 107.
2 الإرشاد 3/198، الروح8/54.
3 انظر كتابه الفتوحات 2/107،108.
4 الآية (48) من سورة النساء.


صفحه 23

لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً} 1 وقال تعالى: { ... إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} 2 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر- ثلاثاً-؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال الإشراك بالله، وعقوق الوالدين- وجلس وكان متكئا- فقال: ألا وقول الزور ... " 3 الحديث. ويلاحظ هنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم الإشراك على غيره من الكبائر مما يشير إلى أنه أعظم الذنوب وأفدحها.
2- أن من حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ولذلك خلقهم قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاِّ لِيَعْبُدُونِ} الآية وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 4 الآية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ أتدري ماحق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم" 5.
إن الإنسان تتحقق إنسانيته بقلبه وروحه، ولا صلاح له إلا بصلاحهما، ولا صلاح لهما إلا بوحدانية الله عز وجل، إله هذا المخلوق الذي أوجده من العلم، وركب أجزاءه ورباه بنعمه، لا إله إلا هو ولا رب سواه، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} 6وقال النبي الكريم: " ... ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" 7. ولا ريب في ارتباط الروح بالقلب، كما أن بين القلب واللسان ارتباطاً إذ هو المعبر عما في القلب. يقول الشاعر:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاد ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم8
والبراءة من الشرك تتحقق بالعلم والعمل بمقتضى العلم، فيعلم العبد أن هذه المخلوقات بجميع أنواعها بقوتها وضعفها ليس فيئها ما تسكن النفس إليه، وتنعم بالتوجه.
1 الآية (116) سن سورة النساء.
2 جزء من الآية (72) من سورة المائدة.
3 صحيح البخاري مع الفتح 5/261.
4 الآية (36) من سورة النحل.
5 صحيح البخاري مع الفتح 13/347.
6 الآية (16) من سورة ق.
7 صحيح البخاري مع الفتح 1/126.
8 البيت لزهير بن أبي سلمي انظر ديوانه ص89.


صفحه 24

والاعتماد عليه، إلا الله عز وجل قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 1 الآية. ويتبع العلم العمل بما شرع الله عز وجل قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} 2 الآية. فأعلم تعالى عباده على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنه حرم عليهم أن يشركوا به شيئاً، فشمل ذلك كل مُشرَك به، ومُشرَك فيه، من أنواع العبادة، فإن قوله: (شيئاَ) من النكرات فيعم جميع الأشياء، ولم يبح عز وجل لعباده أن يشركوا به شيئاً، فإن الشرك أظلم الظلم وأقبح القبائح، قال تعالى حكاية عن لقمان عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} 3. ولفظ الشرك يدل على أن المشركين كانوا يعبدون الله عز وجل ولكن يشركون به غيره من الأوثان والصالحين والأصنام، فكانت الدعوة واقعة على ترك عبادة ما سوى الله عز وجل، وإفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، وكانت (لا إله إلا الله) متضمنة لهذا المعنى فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الأمة إلى الإقرار بها اعتماد ونطقاً وعما، قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: "إنكَ تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ... " 4 الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه …" 5 الحديث. وكان المشركون إذا سئلوا عما يقول لهم محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: يقول "اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم" 6. وكانوا يعلمون دلالة لا إله إلا الله، ولذلك أنكروا التوحيد قال تعالى حكاية عنهم: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} 7 وحقيقة الشرك أن يعتقد الإنسان في بعض المخلوقات إنها تجلب نفعاً أو تدفع ضررا بتأثير منها. وهذا البلاء عم البشرَية جمعا ولم ينج منه إلا من رحم الله، ومنِ أن الشرك ما يقع فيه الكثير ون اليوم من الاعتقاد فيمن يعظمون من الأولياء، أن آثاراَ عجيبة تصدر عنهم، يزعمون أن ذلك لم يصدر عن أحد منهم إلا لكونه متصفاً بصفة من صفات الكمال، وفاتهم أن الكمال أمر لم يعهد في جنس الإِنسان، بل محله النقص فهو من لوازم العبودية ولاشك، أما الكمال فهو حق لله مختص به دون سواه وأعني بذلك الكمال المطلق،
1 الآية (22) من سورة الأنبياء.
2 الآية (19) من سورة محمد.
3 الآية (13) من سورة لقمان.
4 صحيح مسلم 1/50.
5 المصدر السابق 1/51.
6 انظر جواب أبي سفيان لهرقل (الصحيح مع الفتح 1/32) .
7 الآية (5) من سورة ص.


صفحه 25

وهم يعنون ذلك فيمن يعظمون حين تصدر منهم أعمال غير
عادية. بل زعم غلاتهم أن ذلك لا يحدث إلا لمن خلع الله عليه صفة الألوهية، أومن يفنيه في ذاته، تعالى عما يقولون علواً كبيراً، وهذه عقيدة أهل وحدة الوجود خسئ أصحابها. والأمثلة على شطحات أهل هذا الاعتقاد يطول بيانها، فأنواع خرافاتهم لا تكاد تحصر ولها مظانها، ومن ذلك ما كان يعبر عنه المشركون بقولهم في حجهم: "لبيك اللهم لبيك لا شريك لك- إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك"1 ويعنون شركاءهم الذين يعاملونهم معاملة العباد مع الله، ومن أصابهم هذا الداء العضال اليوم وإن لم يكن اللفظ الوارد عن مشركي العرب في تلبيتهم ظاهراً في تلبية هؤلاء غير أنه معنى يتجلى في أعمالهم وتصرفاتهم، والشرع لا يبحث إلا عن الأعمال والتصرفات، التي باشرها الناس بنية تعظيم مخلوق من المخلوقات، حتى صار ذلك العمل مظنة للشرك ولازما له في العادة، فالأعمال ترجمة عما في القلوب، ولازم الشيء يعطى حكمه، وقد أقام الشرع العلل الملازمة للمصالح والمفاسد مقامها ونظراً لخطورة هذا الأمر فلا بد من التنبيه على أمور جعلها الله عز وجل في الشريعة المحمدية- على صاحبها أكمل الصلاة وأتم التسليم- مظنات للشرك فنهى عنها، منها:
أ- منها أن المشركين كانوا يسجدون للأصنام والنجوم وغيرها من الأوثان فجاء النهي عن السجود لغير الله عز وجل قال تعالى: {لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} 2ولم يكن الإشراك قاصراً على السجود بل يتعده إلى التدبير لأن السجود ناشئ عن التعظيم والتعَظيم ناشئ عن اعتقاد في المعظَّم أنه متصرف في الكون، ولديه القدرة على التدبير، وهذه الخطورة قد يكون منشؤها زعم بعض المتكلمين أن توحيد العبادة حكم من أحكام الله، وهو مما يقع الخلاف فيه باختلاف الأديان لا يطالب بدليل برهاني، وهذا ظاهر الفساد، فلو كان الأمر كذلك، لم يقع الإلزام من الله عز وجل بتفرده بالخلق والتدبير، قال تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُون أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ. أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ
1 صحيح مسلم 2/843.
2 الآية (37) من سورة فصلت.


صفحه 26

خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ. أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 1 وإن من يمعن النظر في هذه الآيات يجد صواعق محرقة لأوهام الجاهلية في كل زمان ومكان، وحجة دامغة تدك تلك الأفكار الواهية والحق أنهم اعترفوا بتوحيد الخلق والتدبير ولكن في الأمور العظام قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} 2 فالتوحيدان متلازمان ولا يجوز الفصل بينهما، ولكنهم لا يعقلون.
2- أنهم كانوا يستعينون بغير الله عز وجل في حوائجهم، من شفاء المريض، وإغناء الفقير، ويقدمون القرابين ويفعلون النذور، لأنهم يتوقعون إنجاح مقاصدهم بذلك، ويتلون أسماءهم رجاء بركتهم، فأوجب الله عليهم أن يقولوا (إياك نعبد وإياك نستعين) في كل يوم وليلة سبع عشره مرة، ونهاهم عن دعوة غيره فقال: {فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} 3 والمراد هنا عموم العبادة، ومنها الدعاء، ومرت الدعاء الاستعانة لقوله تعالى: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} 4.
3- ومنها أنهم كانوا يتخذون أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله عز وجل، وذلك بأنهم كان يعتقدون أن الحلال ما أحله الرهبان، وأن الحرام ما حرموا، فما أباحوا لهم أخذوه، وما حرموه عليهم امتنعوا عنه ويتجلى هذا حين نزل قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} 5 فسأل عدي بن حاتم رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "كانوا يحلون أشياء فيستحلونها، ويحرمون عليهم أشياء فيحرمونها"6 والحكم بحلية الشيء أو بتحريمه لا يؤخذ إلا عن الله عز وجل قال تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} 7 فتحديد الأشياء التي يؤاخذ عليها العباد والتي لا يؤاخذون عليها
1 الآيات من سورة النمل.
2 الآية (65) من سورة العنكبوت.
3 جزء من الآية (18) من سورة الجن.
4 الآية (41) من سورة الأنعام.
5 الآية (31) من توبة.
6 انظر كلام ابن كثير ومادمن عن هذا 2/348.
7 الآية (116) من النحل.


صفحه 27

أمر خاص برب العباد، فتكوين أسباب المؤاخذة من عدمها له وحده، ورسم الحدود وتشريع الأوامر والنواهي في كل شأن من صفاته تعالى، قال عز وجل: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} 1 أما نسبة التحليل والتحريم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبمعنى أن قوله صلى الله عليه وسلم أمارة قطيعة تدل على تحليل الله وتحريمه، إذ هو المبلغ عن الله عز وجل قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 2وهو الصادق الأمين خياله قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} 3ونسبة التحليل والتحريم إلى العلماء المجتهدين من أمته صلى الله عليه وسلم تكون بمعنى روايتهم ذلك عن الشرع، وأخذ الحكم من نص الشارع الحكيم، أو استنباطه من كلامه صلى الله عليه وسلم. ومما يجب التنبيه إليه أن الله عز وجل إذا بعث رسولاً، وأيد صدقه بالمعجزات والآيات البينات، وأحل على لسانه بعض ما كان محرماً عند قوم. وحصل من بعض الناس تردد وإحجام عن قبول ما أحلّ، وأصبحت نفسه تميل إلى التحريم، لما كان عليه من الحرمة فلا يخلو هذا المتردد من أحد أمرين:
الأول: أن يكون ما حصل منه تردداً في ثبوت هذه الشريعة فهو كافر بالنبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} 4.
الثاني: أن يكون صدور ذلك منه لاعتقاد وقوع التحريم الأول تحريماً لا يحتمل النسخ، لأنه يعتقد أن الذي حرم ذلك، قد خلع الله عليه خلعة الألوهية، أو صار فانيا في الله عز وجل، أو غير ذلك من الاعتقادات الباطلة، فذلك مشرك بالله عز وجل. إذ أشرك مع الله غيره في هذا الأمر، وأثبت للغير غضباً ورضاً مقدسين، وتحليلاً وتحريماَ مقدسين. وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
4- أنهم كانوا يتقربون إلى الأصنام والنجوم، إما بإهلال بأسمائهم عند الذبح، وإما بالذبح على الأنصاب المخصوصة لهم، فحرم الله عز وجل ذلك قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا
1 الآية (59) من يونس.
2 الآية (7) من سورة الحشر.
3 الآيتان (3، 4) من سورة النجم.
4 الآية (65) النساء.