الإيضاح:
قال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} الآية. أوصى الرب عز وجل عباده بعدم الإقدام على قتل الأولاد، ذكوراً كانوا أم إناثاً، لأن لفظ الولد يشمل الذكر والأنثى على حد سَواء، وقد كان قتل الأولاد من أعمال الجاهلية ولاسيما البنات فحرم الله ذلك لأي سبب كان قال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} 1 فالجاهليون كانوا يفعلون ذلك لأسباب عدة منها:
أ- الفقر الواقع والحالّ بالوالدين. فقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ} يفيد هذا المعنى أي من أجل فقر حالّ بكم، ولذلك قدم رزق الوالدين على الأولاد، لأنهم تابعون لآبائهم في الرزق الحالّ2
1 الآيتان (8، 9) من التكوير.
2 المعلومات مستفادة من (الروح 8/ 47، والمنار 8/ 124) .
2- الفقر المتوقع مستقبلاً يؤيد هذا الفهم قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} 1 وهنا قدم رزق الأولاد على الآباء لتعلق رزقهم بالمستقبل وكثيراًَ ما يكون الآباء عاجزين عن الكسب، يحتاجون إلى أن ينفق عليهم فقدم رزق الأولاد في مقام الخوف والخشية من عدم الكسب وقلة الرزق2.
3- الخوف من العار، وهذا خاص بالبنات. فقد كانوا يئدون البنات حماية للشرف، وبعداً عن السُّبة، لكنها وسيلة قاسية وظالمة، والغاية في الإسلام لا تبرز الوسيلة.
4- التدين، فقد ينحر الجاهلي ولده تقرباً إلى الآلهة. وقد يستدل له بأن عبد المطلب نذر حين لقي من قريش ما لقي لئن ولد له عشرة أولاد لينحرن أحدهم، لكن ذكر ابن هشام أمرين يدفعان نهوض الاستدلال:
1- أن ابن هشام رحمه الله قال: فيما زعموا والله أعلم. هذه إشارة إلى عدم ثبوت القصة من وجه يعتمد عليه.
2- إن النذر كان لله ولم يكن للآلهة كما ورد في القصة3. وسواء ثبتت هذه الأسباب أولم تثبت فقد حرم الله عز وجل قتل الأولاد، في كتابه العزيز، وأكدت السنة النبوية المطهرة ذلك التحريم، وحذرت من ذلك العمل الجاهلي أشد التحذير، وقد شرط الله عز وجل في بيعة النساء عدم قتل الأولاد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ} 4 الآية ومما جاء في السنة الحديث المتفق عليه واللفظ للبخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سألت أو سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الذنب عند الله أكبر؟ قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" الحديث5 وفي آخره، قال: ونزلت هذه الآية {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ} 6 تصديقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن فيما ذكرنا غنية لطالب الحق المستفيد، وفيه عون بإذن الله للباحث المستزيد.
1 الآية (31) من الِإسراء.
2 المنار 8/ 124.
3 ابن هشام 1/98.
4 الآية (12) من الممتحنة.
5 الصحيح مع الفتح 8/492.
6 الآية (68) من الفرقان.
الوصية الرابعة
المناسبة
...
الوصية الرابعة
قوله تعالى {ولا تقربوا الفواحش ماظهر منها وما بطن}
المباحث النحوية
...
البحث اللغوي:
أ- النحو: (ما ظهر) منصوب على البدل من الفواحش.
(ما بطن) عطف عليه.
ب- المفردات: الفواحش: جمع فاحشة. وكل شيء جاوز حده فهو فاحش1. والفحشاء والفاحشة، ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال2. والفاحشة، الزنا. وكل ما يشتد قبحه من الذنوب وكل ما نهى الله عز وجل عنه3.
وقد جاء في معنى الفواحش في هذه الآية خمسة أقوال:
1- أن ما ظهر: هو نكاح المحرمات والخمر، وما بطن الزنا. قاله سعيد بن جبير ومجاهد.
2- وقال الضحاك: ما ظهر الخمر، وما بطن الزنا.
3- وقال ابن عباس والحسن والسدي: إن الفواحش الزنا، وما ظهر منه الإعلان به، وما بطن الإستسرار به.
4- قال قتادة إنه عام في الفواحش، وظاهرها علانيتها، وباطنها سرها4.
5- ذكر الماوردي في تفسير هذه الآية أن ما ظهر، أفعال الجوارح، وما بطن اعتقاد
1 الصحاح 2/ 225، وانظر اللسان 6/ 325.
2 الراغب ص 374.
3 ترتيب القاموس 3/ 425.
4 الزاد 3/ 148.
الإيضاح:
قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ} .
إن المتأمل لهذا النهي يجد أنه وقع بين نهين:
النهي الأول: قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} .
والنهي الثاني: قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} وهو نهي عن القتل مطلقاً. وقد حاول بعض المفسرين أن يجد علة لذلك، لأننا إذا اعتبرنا المراد بالفواحش الزنا، فإنها بهذا المعنى جناية عظيمة وهي جناية على النسل، وقتل جميع الحقوق المرتبة عليه، فكأن ذلك في حكم قتل الأولاد، وأولاد الزنا في حكم الأموات لاسيما في الحقوق المتعلقة بالنسل، وإذا كان قول النبي صلى الله عليه وسلم في العزل: "ذلك الوأد الخفي" منفراً عن هذه الصفة فلا ريب أن عقوبة الزاني ربما تكون مضاعفة بهذا الاعتبار والله أعلم. وهذا المعنى تلمسه بعض المفسرين5.
أما إذا اعتبرنا العموم وهو ما نراه في هذا الموضوع فلا تظهر علة للتوسط المذكور وإنما هي محرمات أوصى الله عباده باجتنابها، وإذا كانت الفواحش ما عظم قبحه من الأقوال والأعمال. ولاشك أن تجاوز ما حرم الله من الفواحش وأعظمها الشرك بالله. والخطر كامن في تجاوز الحدود وانتهاك الحرمات أعاذنا الله من ذلك. ولعل التحذير من الاقتراب من الفواحش مبالغة في الزجر عنها لقوة الدواعي إليها، ومعلوم أن الاقتراب من الشهوة المحرمة يدعوا إلى اقترافها ومباشرة ما نهى الله عنه، وكم من إنسان ضعفت نفسه أمام شهوته، وحام حول الحمى فوقع فيه.
1 الماوردي 1/576.
2 الآية (23) من الأعراف.
3 الآية (120) من الأنعام.
4 وممن ذهب إلى القول بالعموم الطبري 8/ 61 والرازي 13/233.
5 انظر (الإرشاد 3/ 199) .
ومعنى الآية الكريمة: أن ما وصى الله به عباده عدم الاقتراب من الأعمال المؤدية إلى ما حرم الله والابتعاد عن الخصال السيئة التي منها الزنا، واللواط، وقذف المحصنات، ونكاح أزواج الآباء، وكل ما سماه الله عز وجل فاحشة، وجب الابتعاد عنه، فهو مما ثبتت شدة قبحه شرعاً وعقلاً، وقد كان الجاهليون يستقبحون الزنا، ويعدونه أكبر العار، ولاسيما إذا وقع من الحراير1، وكان وقوعه منهن نادرا، وإذا كان الأمر كذلك، فمن شرفهم الله عز وجل بالشرع المحمدي أولى بالعفة والنزاهة، بيد أن ذلك لم يحدث في الجاهلية علناً إلا في الإماء والجواري، فقد كانت المجاهرة منهن، في حوانيت ومواخير تمتاز بأعلام حمر، فيختلف إليَها الأرذلون منهم، أما الأشراف فلا يعلنون ذلك وقد يتخذون الأخدان سراً، قال الإمام الطبري رحمه الله: حدثني المثنى2 قال: ثنا عبد الله بن صالح3، ثنى معاوية4، عن على بن أبي طلحة5، عن ابن عباسِ قوله: {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} قال: "كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساًَ في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله الزنا في السر والعلانية"6. قوله تعالى: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} يفهم من هذا القول الكريم أن العبد لابد أن يراقب الله عز وجل ويحذر المحرمات في جميع أحواله وهذا معنى التقوى في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك" الحديث7 وأصرح من هذا ما أخرجه الدارمي حيث قال: حدثنا أبو نعيم8، ثنا سفيان9، عن حبيب بن أبي ثابت10، عن ميمون بن أبي شبيب11، عن أبي ذر قال: قال رسول الله
1 ولذلك أنكرت هند بنت عتبة أن تزني في الحرة حين طلب منها المبايعة على غرار ما جاء في آية الأحزاب (ابن كثير4/354) .
2 المثنى بن إبراهيم الآملي. صرح باسمه كاملاً في الأثر رقم 594 (1/437 النسخة المحققة) ولم أقف عليه مترجما.
3 كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
4 الحضرمي، قاضي الأندلس، صدوق له أوهام، مات سنة ثمان وخمسين ومائة.
5 مولى بن العباس. أرسل عن ابن عباس ولم يره، صدوق يخطئ، وهو من رجال مسلم. مات في سنة ثلاث وأربعين ومائة وانظر (ابن معين ص هـ 8) والمصادر التي أحيل عليها.
6 الطبري 8/ 61 وأخرجه بسنده موقوفاً على الضحاك، ومن طريق أخرى موقوفاً على قتادة.
7 أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح 4/667، وفي السند ابن لهيعة وليس بقادح لأنه مقرون بالليث بن سعد، وروى عنهما عبد الله بن المبارك. وأخرجه أحمد من طريق ليث وحده (المسند 1/293) .
8 الفضل بن دكين، من كبار شيوخ البخاري، ثقة ثبت.
9 الثوري، الحجة، الفقيه، قال البخاري: ما أقل تدليسه. انظر (التبيين ص 27) .
10 ثقة، فقيه جليل، وصف بكثرة التدليل والإرسال. (المصدر السابق) .
11 الربعي، صدوق، كثير الإرسال، مات سنة ثلاث وثمانين.
الأحكام:
من الأحكام المستفادة من هذه الوصية:
1- وجوب الابتعاد عما حرم الله ظاهرا وباطنا.
2- مراقبة الله عز وجل في كل حال خير معين على اجتناب المحرمات.
المبحث اللغوي
...
البحث اللغوي:
أ- في النحو: قوله: (إلا بالحق) استثناء مفرع ولعله من أحد ثلاثة أمور:
1- من أعم الأحوال، أي لا تقتلوها في حال من الأحوال، إلا حال ملابستكم الحق، الذي هو أمر الشرع بقتلها.
2- أومن أعم الأسباب، أي لا تقتلوها بسبب منِ الأسباب إلا بسبب الحق.
3- أومن أعم المصادر، أي لا تقتلوها قتلاً إلا قتلاًَ كائناً بالحق.