بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 46

الوصية الرابعة
المناسبة
...
الوصية الرابعة
قوله تعالى {ولا تقربوا الفواحش ماظهر منها وما بطن}


صفحه 47

المباحث النحوية
...
البحث اللغوي:
أ- النحو: (ما ظهر) منصوب على البدل من الفواحش.
(ما بطن) عطف عليه.
ب- المفردات: الفواحش: جمع فاحشة. وكل شيء جاوز حده فهو فاحش1. والفحشاء والفاحشة، ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال2. والفاحشة، الزنا. وكل ما يشتد قبحه من الذنوب وكل ما نهى الله عز وجل عنه3.
وقد جاء في معنى الفواحش في هذه الآية خمسة أقوال:
1- أن ما ظهر: هو نكاح المحرمات والخمر، وما بطن الزنا. قاله سعيد بن جبير ومجاهد.
2- وقال الضحاك: ما ظهر الخمر، وما بطن الزنا.
3- وقال ابن عباس والحسن والسدي: إن الفواحش الزنا، وما ظهر منه الإعلان به، وما بطن الإستسرار به.
4- قال قتادة إنه عام في الفواحش، وظاهرها علانيتها، وباطنها سرها4.
5- ذكر الماوردي في تفسير هذه الآية أن ما ظهر، أفعال الجوارح، وما بطن اعتقاد
1 الصحاح 2/ 225، وانظر اللسان 6/ 325.
2 الراغب ص 374.
3 ترتيب القاموس 3/ 425.
4 الزاد 3/ 148.


صفحه 48

الإيضاح:
قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ} .
إن المتأمل لهذا النهي يجد أنه وقع بين نهين:
النهي الأول: قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} .
والنهي الثاني: قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} وهو نهي عن القتل مطلقاً. وقد حاول بعض المفسرين أن يجد علة لذلك، لأننا إذا اعتبرنا المراد بالفواحش الزنا، فإنها بهذا المعنى جناية عظيمة وهي جناية على النسل، وقتل جميع الحقوق المرتبة عليه، فكأن ذلك في حكم قتل الأولاد، وأولاد الزنا في حكم الأموات لاسيما في الحقوق المتعلقة بالنسل، وإذا كان قول النبي صلى الله عليه وسلم في العزل: "ذلك الوأد الخفي" منفراً عن هذه الصفة فلا ريب أن عقوبة الزاني ربما تكون مضاعفة بهذا الاعتبار والله أعلم. وهذا المعنى تلمسه بعض المفسرين5.
أما إذا اعتبرنا العموم وهو ما نراه في هذا الموضوع فلا تظهر علة للتوسط المذكور وإنما هي محرمات أوصى الله عباده باجتنابها، وإذا كانت الفواحش ما عظم قبحه من الأقوال والأعمال. ولاشك أن تجاوز ما حرم الله من الفواحش وأعظمها الشرك بالله. والخطر كامن في تجاوز الحدود وانتهاك الحرمات أعاذنا الله من ذلك. ولعل التحذير من الاقتراب من الفواحش مبالغة في الزجر عنها لقوة الدواعي إليها، ومعلوم أن الاقتراب من الشهوة المحرمة يدعوا إلى اقترافها ومباشرة ما نهى الله عنه، وكم من إنسان ضعفت نفسه أمام شهوته، وحام حول الحمى فوقع فيه.
1 الماوردي 1/576.
2 الآية (23) من الأعراف.
3 الآية (120) من الأنعام.
4 وممن ذهب إلى القول بالعموم الطبري 8/ 61 والرازي 13/233.
5 انظر (الإرشاد 3/ 199) .


صفحه 49

ومعنى الآية الكريمة: أن ما وصى الله به عباده عدم الاقتراب من الأعمال المؤدية إلى ما حرم الله والابتعاد عن الخصال السيئة التي منها الزنا، واللواط، وقذف المحصنات، ونكاح أزواج الآباء، وكل ما سماه الله عز وجل فاحشة، وجب الابتعاد عنه، فهو مما ثبتت شدة قبحه شرعاً وعقلاً، وقد كان الجاهليون يستقبحون الزنا، ويعدونه أكبر العار، ولاسيما إذا وقع من الحراير1، وكان وقوعه منهن نادرا، وإذا كان الأمر كذلك، فمن شرفهم الله عز وجل بالشرع المحمدي أولى بالعفة والنزاهة، بيد أن ذلك لم يحدث في الجاهلية علناً إلا في الإماء والجواري، فقد كانت المجاهرة منهن، في حوانيت ومواخير تمتاز بأعلام حمر، فيختلف إليَها الأرذلون منهم، أما الأشراف فلا يعلنون ذلك وقد يتخذون الأخدان سراً، قال الإمام الطبري رحمه الله: حدثني المثنى2 قال: ثنا عبد الله بن صالح3، ثنى معاوية4، عن على بن أبي طلحة5، عن ابن عباسِ قوله: {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} قال: "كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساًَ في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله الزنا في السر والعلانية"6. قوله تعالى: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} يفهم من هذا القول الكريم أن العبد لابد أن يراقب الله عز وجل ويحذر المحرمات في جميع أحواله وهذا معنى التقوى في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك" الحديث7 وأصرح من هذا ما أخرجه الدارمي حيث قال: حدثنا أبو نعيم8، ثنا سفيان9، عن حبيب بن أبي ثابت10، عن ميمون بن أبي شبيب11، عن أبي ذر قال: قال رسول الله
1 ولذلك أنكرت هند بنت عتبة أن تزني في الحرة حين طلب منها المبايعة على غرار ما جاء في آية الأحزاب (ابن كثير4/354) .
2 المثنى بن إبراهيم الآملي. صرح باسمه كاملاً في الأثر رقم 594 (1/437 النسخة المحققة) ولم أقف عليه مترجما.
3 كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
4 الحضرمي، قاضي الأندلس، صدوق له أوهام، مات سنة ثمان وخمسين ومائة.
5 مولى بن العباس. أرسل عن ابن عباس ولم يره، صدوق يخطئ، وهو من رجال مسلم. مات في سنة ثلاث وأربعين ومائة وانظر (ابن معين ص هـ 8) والمصادر التي أحيل عليها.
6 الطبري 8/ 61 وأخرجه بسنده موقوفاً على الضحاك، ومن طريق أخرى موقوفاً على قتادة.
7 أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح 4/667، وفي السند ابن لهيعة وليس بقادح لأنه مقرون بالليث بن سعد، وروى عنهما عبد الله بن المبارك. وأخرجه أحمد من طريق ليث وحده (المسند 1/293) .
8 الفضل بن دكين، من كبار شيوخ البخاري، ثقة ثبت.
9 الثوري، الحجة، الفقيه، قال البخاري: ما أقل تدليسه. انظر (التبيين ص 27) .
10 ثقة، فقيه جليل، وصف بكثرة التدليل والإرسال. (المصدر السابق) .
11 الربعي، صدوق، كثير الإرسال، مات سنة ثلاث وثمانين.


صفحه 50

الأحكام:
من الأحكام المستفادة من هذه الوصية:
1- وجوب الابتعاد عما حرم الله ظاهرا وباطنا.
2- مراقبة الله عز وجل في كل حال خير معين على اجتناب المحرمات.


صفحه 51

المبحث اللغوي
...
البحث اللغوي:
أ- في النحو: قوله: (إلا بالحق) استثناء مفرع ولعله من أحد ثلاثة أمور:
1- من أعم الأحوال، أي لا تقتلوها في حال من الأحوال، إلا حال ملابستكم الحق، الذي هو أمر الشرع بقتلها.
2- أومن أعم الأسباب، أي لا تقتلوها بسبب منِ الأسباب إلا بسبب الحق.
3- أومن أعم المصادر، أي لا تقتلوها قتلاً إلا قتلاًَ كائناً بالحق.


صفحه 52

الإيضاح:
إن المتأمل للآية الكريمة يجد أن قتل النفس المحرمة من جملة الفواحش، وقد أفرده رب العزة فهو من باب ذكر الخاص بعد العام، وقد أجاب العلماء رحمهم الله عن هذا منهم الإمام الرازي رحمه الله قال: اعلم أن هذا داخل في جملة الفواحش، إلا أنه أفرده تعالى بالذكر، لفائدتين:
1- أن الإفراد بالذكر يدل على التعظيم، والتفخيم كقوله تعالى: {وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} 5.
2- أن الفواحش لا يستثنى منها فلا يقال: لا تقربوا الفواحش إلا بالحق. وهو وارد في القتل فجاء إفراده لفرض الاستثناء أيضا6 وإذا تدبر الإنسان كتاب الله عز وجل يجد
1 انظر (ترتيب القاموس 3/ 277. والمفردات ص 341)
2 الرازي 13/233.


صفحه 53

بكثرة ورود النهي عن هذه المنكرات الثلاث متتابعاً، النهي عن الشرك، والنهي عن الزنا، والنهي عن قتل النفس ولعل في هذا توجيهاً للأنظار إلى أن هذه الأمور الثلاثة تشترك في صفة القتل، فإذا نظرنا إلى جريمة الشرك نجد أنها قتل للقلوب وإماتة للفطرة التي فطر الله الناس عليها. فالقلوب التي لا تعيش على التوحيد قلوب ميتة، قد قضي على ما فيها من فطرة يؤيد هذا الفهم قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} 1 الآية. فليس المراد موت الأجساد بخروج الأرواح منها، بل المراد موت القلوب بخلوها من نور الحق، وبرهان الشرع، والشرع لا يقوم إلا على اعتقاد سليم وبرهان قويم. وجريمة الزنا قتل للجماعة حساً ومعنىً، فالجماعة التي تشيع فيها الفاحش جماعة ميتة معنوياً من حيث عدم وجود الغيرة التي من أعظم الأسباب في حماية المجتمع من هذا الوباء القاتل ولذلك وصف بها النبي ربه عز وجل فقال: "ما من أحد أغير من الله عز وجل" 2 فإذا قتلت الغيرة في الجماعة استشرى الخطر، وعم البلاء، أما قتلها حساً فإن مصيرها إلى الفناء والدمار لا محالة لاندفاعها خلف هذه الشهوة المحرمة حتى بلغت مستوى الدواب بل هم أضل سبيلا. وقد جاء في بلاغات الإمام مالك عن ابن عباس أنه قال: "… ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم المَوت ... "3 قال ابن عبد البر: "قد رويناه متصلاً عنه، ومثله لا يقال بالرأي"4. ويؤيد قوله هذا أن ابن ماجة قال: حدثنا محمود بن خالد الدمشقي5، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب6، عن ابن أبي مالك7 عن أبيه8 عن عطاء بن أبي رباح9، عن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع، التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ... " 10 الحديث. وله شاهد من حديث ميمونة أخرجه الإمام أحمد رحمه الله11. وفي نظري أن هذا الخبر لا يقل
1 الآية (122) من الأنعام.
2 الصحيح مع الفتح 13/383، وصحيح مسلم 4/2113.
3 الموطأ 2/460.
4 قاله محمد فؤاد تعليقاً على المصدر السابق. ولا أراه إلا في التمهيد. ولم أقف عليه.
5 ثقة، مات سنة سبع وأربعين ومائتين.
6 صدوق يخطئ من رجال البخاري مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
7 خالد بن يزيد بن عبد الرحمن ضعيف، مع كونه فقيهاً، قد اتهمه ابن معين، مات سنة خمس وثمانين.
8 يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، صدوق ربما وهم، مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها.
9 ثقة، كثير الإرسال، مات سنة أربع عشرة ومائة.
10 ابن ماجه 2/ 1332.
11 المسند 6/ 333.