إلى العراق قاصداً النجف الأشرف، وكان ذلك يوم سقوط البصرة بأيدي الثوّار في عام 1920 م، واستقرّ به المقام في النجف الأشرف، وأخذ يمارس صلاة الجماعة في محلّة الحويش، ثمّ التحق بأبحاث السيّد اليزدي، وآغا ضياء الدين العراقي، وشيخ الشريعة، والميرزا النائيني.
اجيز في الاجتهاد من العلمين الأخيرين، وفي الرواية من الشيخ محمّد باقر البيرجندي، والشيخ عباس القمي، والسيد محسن الأمين، والسيد أبي تراب الخوانساري، والسيّد عبد الحسين شرف الدين.
ثمّ عاد إلى مشهد الرضا عليه السلام سنة 1956 م وتصدّى للبحث والتدريس وإقامة صلاة الجماعة في الحرم الرضوي الشريف.
بعد مدّة عاد إلى النجف الأشرف زائراً وكان في أواخر عمره، فمرض واشتدّ به المرض، حتى توفاه اللَّه هناك، ودفن في الصحن العلوي الشريف في الحجرة رقم 29 من جهة باب القبلة طرف المشرق، وذلك سنة 1384 ه. ق[1].
[1]. نقباء البشر في أعلام القرن الرابع عشر: ص 1626، رقم الترجمة 2173.
(الشهداء السعداء البررة من إخوته)
1- الشهيد السيّد هادي الهاشمي
ولد الشهيد السيّد هادي الهاشمي في مدينة النجف الأشرف لسنة 1944 م. أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في المدرسة العلوية في النجف الأشرف، ثمّ انتقل إلى كلّية اصول الدين في بغداد، وأنهى كل هذه المراحل بتفوّق وامتياز. ثمّ بعدها دخل معهد اللغات. فكان الشهيد السيّد هادي يتقن أربع لغات:
العربية، والفارسية، والانكليزية، والفرنسية. وبعد طيّ كل هذه المراحل مارس العمل التجاري في بغداد.
لقد كان الشهيد ذو نفس طيّبة شديد الحياء هادئاً، خجولًا، لا يتكلّم إلّاعند الضرورة، وإذا تكلّم أوجز في الكلام، فكان رضوان اللَّه تعالى عليه حنوناً شديد العطف على إخوانه وأرحامه وخصوصاً على والدته، إذ كان يعظّم من شأنها ويكرمها عملًا بقوله تعالى:
«وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً»،
ناهيك عن أخلاقه وسعة صدره والتزامه بالعبادات والواجبات الشرعية.
متزوّج من العلوية الصبورة ابنة عمّه السيّد حسين الهاشمي رحمه الله.
أثناء حملة الاعتقالات الوحشية الشرسة التي عمّت أبناء العراق، تعرّض الشهيد هادي الهاشمي في أوائل عام 1980 م للاعتقال من محلّ عمله في بغداد، ونقل إلى مديرية الأمن العامّة، ولاقى فيها أشدّ أنواع التعذيب البدني والنفسي وبشتى الأساليب الوحشية من أزلام النظام الصدامي وجلاوزته أمثال المجرم (سعدون صبري، أبو أسماء) والسفّاح رائد عامر (منعم نصيف) ونال وسام الشهادة الرفيع.
ومنذ اعتقاله وإلى يومنا هذا لم يعثر على أثر له. فسلام عليه في علّيين مع محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
2- الشهيد السيّد محسن الهاشمي
ولد الشهيد السيّد محسن الهاشمي في مدينة النجف الأشرف سنة 1951 م، نشأ وترعرع في ظلّ اسرة كريمة ملتزمة مؤمنة على خط آل البيت عليهم السلام.
أتمّ دراسته الابتدائية والثانوية في المدرسة العلوية، ثمّ منتدى النشر في النجف الأشرف بتفوّق ليدخل بعدها كلّية الفقه قسم الآداب والتي أتمّها بنجاح باهر.
متزوّج من العلوية الصبورة ابنة عمّه السيّد عباس الهاشمي، والتي أنجبت له طفلين. كان رحمه الله مثال المؤمن الملتزم المثابر على
أداء التكاليف والواجبات الشرعية، فضلًا عن أخلاقه السامية التي كان يتمتع بها.
كان من المواظبين على زيارة الإمام الحسين عليه السلام في مواسم مختلفة، لا سيّما في يوم العاشر من محرم، وزيارة الأربعين مشياً على الأقدام. وكان من المعجبين بفكر الإمام الخميني والإمام الشهيد الصدر.
بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وخروج التظاهرات المؤيّدة للثورة وقائدها الإمام الخميني بدعم وتأييد من الإمام الشهيد الصدر قام النظام الصدامي باعتقال الشهيد الصدر ومجموعة من العلماء وطلبة الحوزة العلمية وجملة من أبناء العراق الغيارى، وخلال هذه الحملة المسعورة قامت أجهزة الأمن باعتقال الشهيد البطل السيّد محسن الهاشمي من محلّ عمله في بغداد؛ وذلك في أوائل عام 1980 م ولاقى صنوف التعذيب الوحشي في أقبية المعتقلات البعثية في الأمن العامة إلى أن نال شرف الشهادة على يد المجرمين القتلة أمثال سعدون صبري (زهير)، والمجرم رائد عامر، ومنذ ذلك الحين لم يعرف عنه شيء.
فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.
3- الشهيد السيّد مصطفى الهاشمي:
ولد الشهيد المجاهد الدكتور السيّد مصطفى الهاشمي في مدينة النجف الأشرف في بيت ملؤه التقوى والورع والصلاح؛ وذلك عام 1957 م.
دخل المدرسة الابتدائية والمتوسطة في مدرسة الإمام علي عليه السلام، ثمّ انتقل إلى ثانوية الكندي في النجف الأشرف، ثمّ دخل كلية الطب البيطري في جامعة بغداد، ووصل في دراسته حتى المرحلة الرابعة في الكلية، وقد طوى كل هذه المراحل الدراسية بتفوّق وامتياز عالٍ.
كان رحمه الله فطناً ذكيّاً، جمع كل الصفات الخيّرة والجيّدة، مثالًا يحتذى به في النبل والوفاء والإخلاص والتضحية والشجاعة.
لم تكن الابتسامة تفارق شفتيه، يحبه كل من يلقاه أو يعايشه أو يتحدّث معه. وكان من أبرز سماته تفانيه في خدمة الإسلام، متطلّعاً لغدٍ مشرق إذ كان بيته مركزاً يجتمع فيه أصدقاؤه وزملاؤه في الجامعة، فيقوم بتوعيتهم وتثقيفهم وتوجيههم نحو طريق الحقّ ونشر الفكر الإسلامي الأصيل.
استطاع بأخلاقه العالية، وذكائه الفائق، وفطرته السليمة، وإيمانه الراسخ، وبيانه الساحر من التأثير على عدد كبير من الشباب بروح وثّابة مؤمنة لا تعرف الخوف والتردّد.
شارك مع مجموعة من الشباب الحسيني في انتفاضة صفر 1397 ه/ 1977 م المتوجهة إلى كربلاء مشياً على الأقدام، رغم الإجراءات الأمنية المشدّدة، والتي حاصرتهم بالطائرات والدبابات والمدرعات والآليات العسكرية لمنعهم من المسير إلى كربلاء لزيارة الأربعين.
وقد كان الشهيد السيّد مصطفى الهاشمي متأثّراً جدّاً بأفكار ونظريات السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره ومن المواظبين على زيارته وحضور مجالسه لا سيما في ليالي الخميس والجمعة، يغتنم أدنى فرصة لزيارته والتحدّث معه عن قرب، والإمام الشهيد الصدر بدوره كان يتوسّم فيه خيراً ويحبّه كثيراً ويأنس به. كما كان الشهيد السيّد مصطفى من المعجبين بشخصية الإمام الخميني، وبعد نجاح الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني ازداد حبّاً وتعلّقاً واندفاعاً نحو تأييد الثورة بكل الوسائل المتاحة لديه، من خلال توزيع النشرات وصور الإمام، وأشرطة صوتية من خطب وبيانات الإمام الخميني.
وبمناسبة إعلان البيعة والولاء للإمام الشهيد الصدر كان الشهيد السيد مصطفى من ضمن وفود البيعة، وعندما خرج من بيت الشهيد الصدر اعتقلته أجهزة الأمن في النجف ونقلته إلى مديرية الأمن العامة في بغداد، فلاقى أشد أنواع التعذيب من جلاوزة الأمن، لكنه ظلّ صامداً صلباً كالطود الشامخ لا تنال
منه عواصف المجرمين القتلة. وقد أشرف على تعذيبه المجرم المقدّم (سعدون صبري، أبو أسماء، والسفّاح المجرم رائد عامر- منعم نصيف- جلاد من الطراز الأوّل، مات بين يديه العشرات من المؤمنين)، ثمّ نقل إلى سجن أبو غريب (قسم الأحكام الخاصّة- ق 2- غرفة 20)، وبعد مدّة حضر مجموعة من ضباط الأمن العامّة برفقة المجرم (النقيب غالب الدوري، ابن اخت عزّة الدوري- على ما قيل- في ساعة متأخرة من الليل) وأمر بنقله إلى جهة مجهولة وذلك بتاريخ 7/ 9/ 1980 م، وانقطعت أخباره منذ ذلك الحين، ولم يُعرف عنه شيء حتى الساعة رغم سقوط النظام الصدامي المجرم. طوبى لهم من إخوة بررة فازوا واللَّه بمغفرة وأجر عظيم، ألا لعنة اللَّه على ظالميهم، وعلى زاهقي أرواحهم الطهارة النقية إلى يوم الدين.
زوجته:
وهي العلوية المحترمة كريمة آية اللَّه السيّد علي الشاهرودي نجل آية اللَّه العظمى السيّد محمود الحسيني الشاهرودي قدس سره الذي كان من كبار مراجع الطائفة في النجف الأشرف.
وقد شاركته زوجته الفاضلة مختلف مراحل حياته الجهادية والدينية؛ لتكون الزوجة الصالحة والامّ الفاضلة لُاسرته وأبنائه.
هذا، وقد أنجبت له خمسة أولاد ذكور وستة إناث.
- دراسته-
درس الابتدائية والثانوية في المدرسة العلوية في النجف الأشرف، وكان إلى جانب ذلك يتلقّى دروس العلوم الدينية عند حجة الإسلام والمسلمين الشيخ هادي السيستاني رحمه الله، ثمّ التحق بمدرسة منتدى النشر، وكان موضع اهتمام من قبل الأساتذة والمعلّمين؛ لما كان يتمتّع به من ذكاء واستعداد ونبوغ، وقدرة ذهنية عالية، بعد ذلك قرّر الدخول في الحوزة العلمية، وتلقّي علوم أهل البيت عليهم السلام، وهو طريق العلم وحمل الرسالة الإلهية، طريقٌ اختاره وحده لنفسه في وقت عارضه الجميع من أرحامه باستثناء جدّه المرحوم السيّد علي أكبر الهاشمي؛ إذ وقف إلى جانبه في قراره مشجّعاً ومباركاً له، ودعاء والدته له لهذا الخيار الصعب الذي يعبّر عن شجاعة وإرادة قويّة. وكان عمره حين ذاك ست عشرة سنة، وذلك عام 1381 ه.
ويذكر المرحوم الشيخ هادي السيستاني قائلًا:
«أخذت السيّد محمود الهاشمي إلى مسجد الخضراء مكان درس آية اللَّه العظمى السيّد الخوئي ليزينه بتاج رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم ويلبسه