شارك مع مجموعة من الشباب الحسيني في انتفاضة صفر 1397 ه/ 1977 م المتوجهة إلى كربلاء مشياً على الأقدام، رغم الإجراءات الأمنية المشدّدة، والتي حاصرتهم بالطائرات والدبابات والمدرعات والآليات العسكرية لمنعهم من المسير إلى كربلاء لزيارة الأربعين.
وقد كان الشهيد السيّد مصطفى الهاشمي متأثّراً جدّاً بأفكار ونظريات السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره ومن المواظبين على زيارته وحضور مجالسه لا سيما في ليالي الخميس والجمعة، يغتنم أدنى فرصة لزيارته والتحدّث معه عن قرب، والإمام الشهيد الصدر بدوره كان يتوسّم فيه خيراً ويحبّه كثيراً ويأنس به. كما كان الشهيد السيّد مصطفى من المعجبين بشخصية الإمام الخميني، وبعد نجاح الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني ازداد حبّاً وتعلّقاً واندفاعاً نحو تأييد الثورة بكل الوسائل المتاحة لديه، من خلال توزيع النشرات وصور الإمام، وأشرطة صوتية من خطب وبيانات الإمام الخميني.
وبمناسبة إعلان البيعة والولاء للإمام الشهيد الصدر كان الشهيد السيد مصطفى من ضمن وفود البيعة، وعندما خرج من بيت الشهيد الصدر اعتقلته أجهزة الأمن في النجف ونقلته إلى مديرية الأمن العامة في بغداد، فلاقى أشد أنواع التعذيب من جلاوزة الأمن، لكنه ظلّ صامداً صلباً كالطود الشامخ لا تنال
منه عواصف المجرمين القتلة. وقد أشرف على تعذيبه المجرم المقدّم (سعدون صبري، أبو أسماء، والسفّاح المجرم رائد عامر- منعم نصيف- جلاد من الطراز الأوّل، مات بين يديه العشرات من المؤمنين)، ثمّ نقل إلى سجن أبو غريب (قسم الأحكام الخاصّة- ق 2- غرفة 20)، وبعد مدّة حضر مجموعة من ضباط الأمن العامّة برفقة المجرم (النقيب غالب الدوري، ابن اخت عزّة الدوري- على ما قيل- في ساعة متأخرة من الليل) وأمر بنقله إلى جهة مجهولة وذلك بتاريخ 7/ 9/ 1980 م، وانقطعت أخباره منذ ذلك الحين، ولم يُعرف عنه شيء حتى الساعة رغم سقوط النظام الصدامي المجرم. طوبى لهم من إخوة بررة فازوا واللَّه بمغفرة وأجر عظيم، ألا لعنة اللَّه على ظالميهم، وعلى زاهقي أرواحهم الطهارة النقية إلى يوم الدين.
زوجته:
وهي العلوية المحترمة كريمة آية اللَّه السيّد علي الشاهرودي نجل آية اللَّه العظمى السيّد محمود الحسيني الشاهرودي قدس سره الذي كان من كبار مراجع الطائفة في النجف الأشرف.
وقد شاركته زوجته الفاضلة مختلف مراحل حياته الجهادية والدينية؛ لتكون الزوجة الصالحة والامّ الفاضلة لُاسرته وأبنائه.
هذا، وقد أنجبت له خمسة أولاد ذكور وستة إناث.
- دراسته-
درس الابتدائية والثانوية في المدرسة العلوية في النجف الأشرف، وكان إلى جانب ذلك يتلقّى دروس العلوم الدينية عند حجة الإسلام والمسلمين الشيخ هادي السيستاني رحمه الله، ثمّ التحق بمدرسة منتدى النشر، وكان موضع اهتمام من قبل الأساتذة والمعلّمين؛ لما كان يتمتّع به من ذكاء واستعداد ونبوغ، وقدرة ذهنية عالية، بعد ذلك قرّر الدخول في الحوزة العلمية، وتلقّي علوم أهل البيت عليهم السلام، وهو طريق العلم وحمل الرسالة الإلهية، طريقٌ اختاره وحده لنفسه في وقت عارضه الجميع من أرحامه باستثناء جدّه المرحوم السيّد علي أكبر الهاشمي؛ إذ وقف إلى جانبه في قراره مشجّعاً ومباركاً له، ودعاء والدته له لهذا الخيار الصعب الذي يعبّر عن شجاعة وإرادة قويّة. وكان عمره حين ذاك ست عشرة سنة، وذلك عام 1381 ه.
ويذكر المرحوم الشيخ هادي السيستاني قائلًا:
«أخذت السيّد محمود الهاشمي إلى مسجد الخضراء مكان درس آية اللَّه العظمى السيّد الخوئي ليزينه بتاج رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم ويلبسه
العمامة، وبينما هو يلبسه العمامة ذرفت عيناه بالدموع ثمّ ابتسم، فبادرته بالسؤال، سيدنا ممّا دمعت عيناك ثمّ لحقت دموعك ابتسامة؟ فأجاب السيّد الخوئي قدس سره نعم، تذكرت والده والآمال التي كنت أطمح لها، ليصبح منبر الدرس له (وأشار إلى المنبر حيث كان يجلس عليه)، لكن بعدها قلت في نفسي سيكون منبر الدرس لولده إن شاء اللَّه، فابتسمت».
وكان ذلك أمام جمع كبير من تلامذته وحضّار درسه، وقد نقل هذه القصّة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمود بياني أحد علماء مدينة (زابل) حيث كان حاضراً آنذاك.
أساتذته:
تلمّذ سماحته على يد كبار علماء الفقه والاصول ومراجع الطائفة في النجف الأشرف التي تربى ونشأ وترعرع في أحضانها ونهل من معينها، ومنهم:
1- آية اللَّه العظمى السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره.
2- آية اللَّه العظمى السيّد الإمام الخميني قدس سره.
3- آية اللَّه العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي قدس سره.
ورود السيّد الهاشمي إلى درس الإمام الشهيد الصدر:
عندما كان السيّد الهاشمي في مرحلة السطوح العالية تعرّف على السيّد الشهيد الصدر من خلال تلاميذه وتأليفاته المتنوّعة.
فأخذ يتردّد عليه، حيث كان للشهيد الصدر مجلس اسبوعي يستقبل فيه جمعاً كثيراً من زائريه من طلبة العلوم الدينية وغيرهم من داخل النجف وخارجها.
وكان السيّد الهاشمي من المعجبين بشخصية السيّد الشهيد الصدر، حيث يعتبرها شخصية استثنائية فريدة من نوعها، موسوعية في كل العلوم والمعارف الإنسانية، ناهيك عن أخلاقه وتواضعه وسعة صدره وحبّه للخير.
ثمّ أخذت هذه العلاقة تترسّخ وتتوثّق يوماً بعد يوم، وخصوصاً بعد أن ارتقى السيّد الهاشمي مدارج البحث الخارج، فحضر مجلس درس السيّد الشهيد الصدر قدس سره في الفقه والاصول، فوجد السيّد الهاشمي ضالّته المنشودة عند هذا العَلَم الكبير، فالتصق به حتى أصبح أحد أبرز تلامذته، وأبدى نبوغاً في دراسته بحيث أشار إلى ذلك استاذه الشهيد الصدر في إحدى رسائله الخطّية، حيث كتب لأحد طلّابه واصفاً نموّ السيّد الهاشمي العلمي بقوله:
«السيّد الهاشمي ينمو نموّاً علمياً رائعاً نابغاً»
ثمّ تطوّرت هذه العلاقة فأصبح السيّد الهاشمي لسانه وعمقه العلمي، حتى قال في حقّه الشهيد الصدر:
«السيّد الهاشمي عنوان وجودي»
واستمرّت هذه العلاقة من عام 1387 ه إلى زمان خروج السيّد الهاشمي من العراق قبيل استشهاد السيّد الصدر قدس سره.
كما وامتدح أيضاً الإمام الشهيد الصدر سماحة السيّد الهاشمي في حديث مع بعض تلامذته قائلًا:
«السيّد محمود الهاشمي أفضل من يمثّل توجهات المدرسة»
السيّد الهاشمي يصف استاذه آية اللَّه العظمى السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره:
«مدرسة الإمام الشهيد الصدر قدس سره تميّزت بالشمولية، حيث شملت آفاقاً متعددة ومتنوعة من المعرفة الإسلامية والإنسانية، فلم تقتصر على التطرق إلى حقل فكري واحد من حقول المعرفة، بل تطرقت إلى أبواب وحقول مختلفة كالفقه والاصول والفلسفة والاقتصاد والتفسير والتاريخ والقانون والمسائل المصرفية ومنهاج التعليم والتربية ومنهاج العمل الاجتماعي والسياسي.
وهذه الشمولية في مدرسة الشهيد الصدر نتيجة ما كان
يتمتع به الإمام الشهيد الصدر من ذهنية موسوعية عملاقة، ومن جهد عملي متواصل يمكن اعتباره فلتة من تاريخ العلم والنبوغ.
كان رحمه الله فريداً في تعامله مع الامّة، وفريداً في تربيته للُامّة.
أعطاه اللَّه سبحانه وتعالى حالة تشبه حالة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام من امتلاك قلوب الناس والغور إلى أعماق كل انسان يتصل به، وكل من يلتقي به ويتعامل معه من قريب أو بعيد يعشقه، وهذه هي الصفة الأساسية في القيادة».
السيّد الهاشمي يصف استاذه آية اللَّه العظمى السيّد الإمام الخميني قدس سره
: «فإنّ من منن اللَّه سبحانه وتعالى ونعمه الكبرى على العباد في هذا العصر أن قيّض لهم مرجعاً راشداً وفقيهاً ولياً وقائداً ملهماً آية اللَّه العظمى الإمام الخميني دام ظلّه الشريف، فهو زين المرجعية ومفخرة الإسلام وسفينة نجاة هذه الامّة عن أسر طواغيت الزمان وكيدهم.
ولقد قال شهيدنا واستاذنا الكبير الإمام الصدر قدس سره ولنعم ما قال في الإمام الأكبر: علينا أن نذوب في الإمام الخميني دام ظلّه كما ذاب هو في الإسلام».
وصية الإمام الخميني قدس سره لآية اللَّه السيد محمود الهاشمي:
في إحدى اللقاءات التي جمعت أعضاء المجلس الأعلى الإسلامي مع الإمام قدس سره، وبعد أن رحّب بهم، وتفقد أحوالهم وأوضاع العراق الداخلية التفت إلى السيّد محمود الهاشمي بناءً على المعرفة القديمة لسماحته به، قائلًا:
«عليك الاهتمام والتفرّغ للبحث والتدريس في
الحوزة العلمية بقم».
وذلك باعتباره أحد تلامذته في حوزة النجف الأشرف، ومعرفته الكاملة بإمكاناته وقدراته العلمية من خلال حضوره الفاعل في درسه قدس سره ومناقشاته خلال البحث. فكان محطّ رعاية واهتمام من لدن الإمام الخميني قدس سره بشكل خاص، حيث أوصى بعض المسؤولين عن الشهرية أن يجعل له مخصّصاً ضمن التقسيم الخاص لفضلاء الحوزة العلمية، والهدف تقوية عزيمة هؤلاء على التحصيل والمثابرة والاهتمام بالتدريس.