بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 126

لو ادعى مدع لمن تقدم من الفلاسفة. . . مثل دعواكم في القرآن فقال: الدليل على صدق بطليموس أو إقليدس، إن إقليدس ادعى أن الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه، أكانت نبوته تثبت؟
قلنا: فاعجب لهذا الجهل الذي يكون قياساً من أقيسة العلم. . . واعجب (للكلام) الذي يقال فيه: إن هذا كتاب وذلك كتاب فكلاهما كتاب؛ ولما كان كذلك فأحدهما مثل الآخر؛
ولما كان أحدهما معجزاً فالثاني معجز لا محالة.
وما ثبت لصاحب الأول يثبت بالطبع لصاحب الثاني.
وما دمنا نعرف أن صاحب الكتاب الثاني لم تثبت له نبوة
فنبوة صاحب الأول لا تثبت. . .
لعمري إن مثل هذه الأقيسة التي يحسبها ابن الراوندي
سبيلاً من الحجة وباباً من البرهان لهي في حقيقة العلم كأشد هذيان عرفه الأطباء قط؛ وإلا فأين كتابَ من كتاب؛ وأين
وضعَ من وضع؛ وأين قومَ من قوم؛ وأين رجل من رجل؛ ولو أن الإعجاز كان في ورق القرآن وفيما يخط عليه، لكان كل كتاب في الأرض ككل كتاب في الأرض ولاطَّرد ذلك القياس كله
على ما وصفه كما يطرد القياس عينه في قولنا: إن كل حمار يتنفس، وابن الراوندي يتنفس، فابن الراوندي يكون ماذا. . .؟
ولو أن مثل هذه السخافة تسمى علماً تقوم به الحجة فيما يُحتج
له ويبطل به البرهان فيما يُحتج عليه، لما بقيت في الأرض حقيقة صريحة ولا حق معروف ولا شيء يسمى باسمه، ولكان هذا اللسان المتكلم قد عبدته أمم كثيرة، لأن فيه قوة من قوى الخلق، ولأنك لا تجد سخيفاً من سخفاء المتكلمين الذين يعتدون من ذلك علماً - كابن الراوندي مثلاً - إلا وجدته قد أمعن في سخفه فلا تدري أجعل إلهه هواه، أم جعل إلهه في
فمه. .
وقد قيل إن هذا الرجل عارض القرآن بكتاب سماه (التاج) ولم نقف على شيء منه في كتاب من الكتب، مع أن أبا الفداء نقل في تاريخه أن العلماء قد أجابوا على كل ما قاله من معارضة القرآن وغيرها من (كفرياته) وبينوا وجه فساد ذلك بالحجج البالغة. والذي نظنه أن كتاب ابن
الراوندي إنما هو في الاعتراض على القرآن ومعارضته على هذا الوجه من المناقضة، كما صنع في سائر كتبه؛ كالفريد، والزمرّدة، وقضيب الذهب، والمرجان فإنها فيما وصفت به ظلمات بعضها


صفحه 127

فوق بعض، وكلها اعتراض على الشريعة والنبوة بمثل تلك السخافة التي لا يبعث عليها عقل صحيح، ولا يقيم وزنها علم راجح.
وقد ذكر المعري هذه الكتب في (رسالة الغفران) ، ووفى الرجل حسابه عليها، وبصق على كتبه مقدار دلوٍ من السجع! .
وناهيك من سجع المعري الذي يلعن باللفظ قبل أن يلعن بالمعنى! .
ومما قاله في " التاج "، وأما تاجه فلا يصلح أن يكون فعلاً. . . وهل تاجه إلا كما قالت الكاهنة: أف وتُف وجَورب وخف.
قيل: وما جورب وخف؟ قالت: واديان بجهنم!
وهذا يشير إلى أن الكتاب كذب واختلاق وصرفٌ لحقائق الكلام كما فعلت الكاهنة؛ وإلا - فلو كانت معارضته لنقض التحدي وقد زعم أنه جاء بمثله لما خلت كتب التاريخ والأدب والكلام
من الإشارة إلى بعض كلامه في المعارضة، كما أصبنا من ذلك لغيره.
(8) وشاعر الإسلام أبو الطيب المتنبي المتوفى قتيلاً سنة 354 هـ
فقد ادعى النبوة في حدثان أمره، وكان ذلك في بادية السمَّاوة (بين الكوفة والشام) ، وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم،
وكان يمخرق على الناس بأشياء وصف المعري بعضها في (رسالة الغفران) ، وقيل إنه تلا على البوادي كلاماً زعم أنه قرآناً أنزل عليه يحكمون منه سوراً كثيرة، قال علي بن حامد: نسخت واحدة منها فضاعت مني وبقي في حفظي من أولها: " والنجم السيار، والفلك الدوَّار، والليل


صفحه 128

والنهار، إن الكافر لفي أخطار. امض على سنتك، واقف أثر من قبلك من المرسلين؛ فإن الله قامع بك زيغَ من ألحد في دينه، وضل عن سبيل ".
ونحن لا نمنع أن يكون للرجل شيء من هذا ومثله، وإن لم يكن في طبقة شعره ولا في وزن ما يؤثر عنه من فصول النثر، كقوله وقد كتب به إلى صديق له في مصر كان يغشاه في علته حين مرض، فلما أبَل انقطع عنه فكتب إليه: " وصلتَني - وصلك الله - معتلاً؛ وقطعتني مُبِلا؛ فإن
رأيت أن لا تحببَ العلةَ إليَّ ولا تكدر الصحة على، فعلتَ إن شاء الله "
فإن هذا وشبهه إنما هو بعض شعره منثوراً، وهي المعاني التي تقع في خواطر الشعراء قبل النظم، وما من شاعر بليغ إلا
هو يحسن أن يقول هذا وأحسن منه، وإن كان فيما وراء ذلك من صناعة الترسل ودواوين الكتابة لا يغني قليلاً ولا كثيراً.
ولم يكن المتنبي كاتباً، ولا بصيراً بأساليب الكتابة وصناعتها ووجوهها، ولا هو عربي قُح من فصحاء البادية، وإن كان في حفظ اللغة ما هو؛ فليس يمنع سقوط ذلك الكلام الذي نسبَ إليه
من أن تكون نسبته إليه صحيحة لأنه لو أراده في معارضة القرآن ما جاء بابلغ منه؛ وما المتنبي بأفصح عربية من العنسي ولا مسيلمة، وقد كان في قوم أجلاف من أهل البادية، اجتمعت لهم رخاوة الطباع، واضطراب الألسنة، فلا تعرفهم من صميم الفصحاء بطبيعة أرضهما ولا تعرفهم
في زمن الفصاحة الخالصة، لأنهم في القرن الرابع، وإذا كانت حماقات مسيلمة قد جازت على أهل اليمامة والقرآنُ لم يزل غضاً طرياً ونور الوحي مشرق على الأرض بعد، فكيف بالمتنبي في بادية السماوة وقويم من بني كلب! وهل عرف الناس نبياً بغير وحي ولا قرآن؛
(9) وأبو العلاء المعري المتوفى سنة 449 هـ، فقد زعم بعضهم أنه عارَض القرآن بكتاب سماه (الفصول والغايات، في مجاراة السور والآيات) وأنه قيل له: ما هذا إلا جيد، غير أنه ليس عليه طلاوة القرآن! فقال: حتى تصقله الألسن في المحاريب أربعمائة سنة، وعند ذلك انظروا
كيف يكون. . .
وقيل: إن من كتابه هذا قوله: " أقسم بخالق الخيل، والريح الهابَّة بلَيل، بين الشرط مطلع سُهَيل، إن الكافر لطويل الويل وإن العمر لمكفوف الذيل؛ تَعَذ مدارج السيل؛ وطالع التوبة من قبَيل، تنج وما إخالك بناج ".
فلفظة (ناج) هي الغاية، وما قبلها فصل مسجوع، فيبتدئ بالفصل ثم ينتهي إلى الغاية،
وهذا كما ترى عكس الفواصل في القرآن الكريم، لأنها تأتي خواتم لآياته، فكأن المعارضة نقضٌ للوضع ومجاراة للموضوع، وكأنها صنعة وطبع.


صفحه 129

وتلك لا ريب فرية على المعري أراده بها عدو حاذق، لأن الرجل أبصر بنفسه وبطبقة الكلام الذي يعارضه، وما نراه إلا أعرف الناس باضطراب أسلوبه والتواء مذهبه، وأن البلاغة لا تكون مراغمة للغة، واغتصاباً لألفاظها، وتوطيناً لغرائبها كما يصنع؛ وأن الفصاحة شيء غير صلابة
الحنجرة، وإفاضة الإملاء، ودفع الكلمة في قفا الكلمة حتى يخرج الأسلوب متعثراً يسقط بعضه في جهة وينهض بعضه في جهة، ويستقيم من ناحية ويلتوي من ناحية؛ وأنه عسى أن لا يكون في
اضطراب النسق وتوعر اللفظ واستهلاك المعنى فساد المذهب الكتابي وضعف الطريقة البيانية شر من هذا كله، وما أسلوب المعري إلا من هذا كله.
على أن المعري - رحمه الله - قد أثبت إعجاز القرآن فيما أنكر من رسالته على ابن الراوندي،
فقال: " وأجمعُ ملحد ومهتدي، وناكب عن المحجة ومقتدي.
أن هذا الكتاب الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - كتاب بَهرَ بالإعجاز، ولقي عدوه بالإرجاز، ما حذيَ على مثال، ولا أشبه غريبَ
الأمثال، ما هو من القصيد الموزون، ولا في الرجز من سَهَل وحُزون، ولا شاكل خطابة العرب ولا سجع الكهنة ذوي الأرب. . . وإن الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه
المخلوقون فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق، والزهرة البادية في جدوب ذات نسق " اهـ.
ولا يعقل أن يكون الرجل قد أسز في نفسه غير ما أبدى من هذا القول ولم يضطره شيء إليه، ولا أعجله أمر عن نفسه ولا كان خلو رسالته منه تضييعاً ولا ضعفاً، ولا نشك في أنه كان يستسر بهنات مما يضعف اعتقاده ولكن أمرَ القرآن أمر على حدة؛ فما هو عند البرهان عليه وراء
القبر ولا وراء الطبيعة.
وبعد، فهذا الذي وقفناك عليه هو كل ما صدقوا وكذبوا فيه من خبر المعارضة؛ أما إن القرآن الكريم لا يعارض بمثل فصاحته وتركيبه، وبمثل ما احتواه، ولو اجتمعت الإنس بما يعرفونه، وأمدهم الجن بما لا يعرفونه، وكان بعضهم لبعض ظهيراً فهو ما نبسطه فيما يلي، وذلك
هو الحق الذي لا جمجمة فيه، ولا يستعجم على كل بليغ له بصر بمذاهب العرب في لغتها وحكمة مذاهبها في أساليب هذه اللغة، وقد تفقه بالبحث في ذلك والكشف عن دقائقه، وكان
يجري من هذه الصناعة البيانية على أصل ويرجع فيها إلى طبع.
وإن شعور أبلغ الناس بضعفه عن أسلوب القرآن ليكون على مقدار شعوره من نفسه بقوة الطبع واستفاضة المادة وتمكنه من فنون القول وتقدمه في مذاهب البيان؛ فكلما تناهى في علمه


صفحه 130

تناهى كذلك في علمه بالعجز وما أهل الأرض جميعاً في ذلك إلا كنفس واحدة (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) .
***


صفحه 131

أسلوبُ القرآن
وهذا الأسلوب فإنما هو مادة الإعجاز العربي في كلام العرب كله، ليس من ذلك شيء إلا وهو معجز، وليس من هذا شيء يمكن أن يكون معجزاً وهو الذي قطع العرب دون المعارضة،
واعتقلهم عن الكلام فيها، وضربهم بالحجة من أنفسهم وتركهم على ذلك يتلكأون.
ثم هو الذي مثل لهم اليأس قائماً لا يتصل به الطمع، وصور لهم العجز غالباً لا تنال منه القدرة، فأحرزَ طباعهم في ناحية من الضعف والاستكانة، حتى كأنها غيرُ طباعهم في تثلمها بعد انتضائها
وتراجعها بعد مضائها، وقد كانوا يتساجلون الكلام ويتقارضون الشعر ويتناقضون في أغراضه ومعانيه، حين لم يكن من الفرق عند فصحائهم بين فن وفن من القول إلا ما يكون من تفاوت
المعاني واختلاف الأغراض وسعة التصرف، وكان أسلوب الكلام قبيلاً واحداً وجنساً معروفاً،
ليس إلا الحرُّ من المنطق والجزل من الخطاب، وإلا اطراد النسق وتوثيق السرد وفصاحة العبارة وحسن ائتلافها، لا يغتصبون لفظة، ولا يطردون كلمة، ولا يتكلفون لتركيب، ولا يتلوَّمون
على صنعة، وإنما تؤاتيهم الفطرة وتمدهم الطبيعة؛ فنسق الألفاظ إلى ألسنتهم، وتتوارد على خواطرهم، وتجري مع أوهامهم، وتستجيب فيهم لكل حركة من النفس لفظة المعنى الذي هو
أصل هذه الحركة، ثم لا تكون هذه اللفظة إلا كأنها خلقت لذلك المعنى خلقاً، وأفرِغت عليه إفراغاً، حتى لا يناسبه غيرها فيما يلتئم على لسان المتكلم، ولا يكون في موضعها أليق منها في مذهبه ولحن قومه وطريقة لغته.
فلما ورد عليهم أسلوب القرآن رأوا ألفاظهم باعيانها متساوقة فيما ألفوه من طرق الخطاب وألوان المنطق.
ليس في ذلك إعناتَ ولا معاياة، غير أنهم ورد عليهم من طرق نظمه، ووجوه تركيبه، ونسق حروفه في كلماتها، وكلماته في جملها، ونسق هذه الجمل في جملته - ما أذهلهم عن أنفسهم، من هيبة رائعة وروعة مخوفة، وخوف تقشعر منه الجلود؛ حتى أحسُّوا بضعف
الفطرة القوية، وتخلف الملكة المستحكمة؛ ورأى بلغاؤهم أنه جنس من الكلام غير ما هم فيه،
وأن هذا التركيب هو روح الفطرة اللغوية فيهم، وأنه لا سبيل إلى صرفه عن نفس أحد العرب أو اعتراض مساغه إلى هذه النفس، إذ هو وجه الكمال اللغوي الذي عرف أرواحهم واطلع على
قلوبهم، بل هو السر الذي يفشي بينهم نفسَه، وإن كتموه، ويظهر على ألسنتهم ويتبين في وجوههم وينتهي إلى حيث ينتهي الشعور والحس، فليس للخلابة أو المؤاربة وجة في نقض تأثيره
وإزالته عن موضعه، ومن استقبل ذلك بكلامه أو أراده بأي حيلة، فقد استقبل رد النفوس عن أهوائها، ورَدعَ القلوبُ عن محبتها، وحاول معارضه أقوى ما في النفس بأضعف ما فيها؛ وهذا


صفحه 132

شيء - فيما يعرفونه - لا يستقيم لامرئ من الناس ببيان ولا عصبية ولا هوى ولا شيء من هذه الفروع النفسية، وليس إلا أن ينقض الفطرة فيستقيم له، وما في نقض هذه الفطرة إلا أن يبدأ
الخلق فيكون إلهاً، وهذا كما ترى فوق أن يسمَّى أو يعقل.
وقد استيقن بلغاء العرب كل ذلك فاستيأسوا من حق المعارضة، إذ وجدوا من القرآن ما يغمر القوة ويحيل الطبع ويخاذل النفس مصادَمة لا حيلة ولا خدعة، وإنما سبيل المعارضة الممكنة التي يطمع فيها أن يكون لصاحبها جهة من جهات الكلام لم تؤخذ عليه، وفن من فنون المعنى لم
يستوف قبله، وباب من أبواب الصنعة لم يصفق من دونه، وأن تكون وجوه البيان له معرَضة يأخذ في هذا ويعدل عن ذلك؛ حتى يستطيع أن يعارض الحسنة بالحسنة، ويضع الكلمة بإزاء الكلمة،
ويقابل الجملة بالجملة، ثم يصير الأمر بعد ذلك إلى مقدار التأثير الذي يكون لكلامه، وإلى مبلغه في نفوس القوم؛ من تأثير الكلام الذي يعارضه.
ومذهب الحيلة على التأثير مذهب واسع لا يضيق بالبلغاء كلهم إذا هم تكافاوا في الصناعة والبصر بأسبابها؛ لأن كل واحد منهم ينتحي بكلامه جهة من جهات النفس، ويأخذ في سبيل من
طباعها وعاداتها، وهو لا بد واحد في كلام غيره موضع فترة من الطبع أو غفلبة من النفس، أو أثراً من الاستكراه يبعث عليه باعث من أمور كثيرة تعتري البلغاء في صناعتهم، فيضطرب لها بعض
كلامهم، ويضعف بعض معانيهم، ويقع التفاوت في الأسلوب الواحد ضعفاً وقوة. فإذا هو أصاب ذلك فعسى أن يقابله من نفسه بطبع قوي ونفس مجتمعة، ووزن راجح، أو شيء من أشباهها،
فيكون قد ظفر بمدخل يسلك منه إلى المعارضة، ويظهر به فضل كلام على كلام، ومقدار طبع من طبع، وقوة نفس من نفس، ولولا ذلك وأنه من طباع البلغاء؛ ومما لا يسلم منه ذو طبع، لما أمكن أن يتناقض شاعران أو يتساجل راجزان، أو يتراسل كاتبان، أو يتقارض خطيبان، أو يواجه
كلام كلاماً في معرض المقابلة، أو يرجح به في ميزان المعادلة.
فأما أن يكون الكلام الذي يقصد إليه بالمعارضة كهذا القرآن: أحكم دقيقه وجليله، وامتنع كثيره وقليله، وأخذ منافذ الصنعة كلها، واستبرأ المعنى الذي هو فيه إلى غايته، وقطع على صاحبه
أمر الخيار في الوجه الذي يعارض منه، وكان من وراء ذلك باباً واحداً في امتناعه، لا موضع فيه للتصفح، ولا مغمز للثقاف، ولا مورد للمقالة؛ وقد توثقت علائقه، وترادفت حقائقه، وتواردت
على ذلك دقائقه: ثم كانت جملته قد أحرزت عناصر الفطرة البيانية وجمعت فنونها، واحتوت من الكمال الفني ما كان إحساساً صرفاً في نفوس أهله، يشعرون به وجداناً، ولا يقدرون على إظهاره
بياناً - فلذلك مما لا سبيل للنفس إلى المكابرة في بحال من الأحوال، أو ابتغائه بالمعارضة ومطاولته بالقدرة على مثله، إذ هو بطبيعته المعجزة لا ترى فيه النفس إلا مثالاً للعلم تعرف به مقدار ما انتهت إليه من إحكام العمل.
وهذا هو سبيل آثار النوابغ المُلهمين الذين انفرد كل منهم بحيزه من الفن؛ فإن المعجز من هذه الآثار - إذا بلغ أن يتجوّز في العبارة عنه بهذا الوصف - لا يكون إعجازه إلا على قدر ما


صفحه 133

يحتوي من كمال الفطرة الفنية، فتتمثل أنت منه ما كان في النفس إحساساً صنرفاً، وأملاً محضاً، ثم يتصفحه من يريد معارضته فيراه بعينه ماثلاً مصوراً حتى لا يشك في إمكأنه ومطاوعته، ويبتغيه
حين يبتغيه فإذا هو قد عاد في نفسه إحساساً وأملاً لا سبيل عليهما للقدرة الفنية.
وهذا هو معنى العجز، وذلك هو معنى الإعجاز، ولا يزال يتفق منه في أعمال الناس على حساب ما يكون من اختلاف درجاتهم ومبلغ طاقتهم؛ وما من ذي فن نابغ إلا وأنت واجد حُسن
عمله دون أمله هو في هذا الحسن، ودون إحساسه بهذا الأمل؛ حتى إنك لتعجب بما ظهر من قدرته الفنية في عمل الذي تراه أحسن شيء، على حين أنه لا يعجب إلا بالأصل الكامل الذي
توهمه في نفسه، ووجد بيانه في خاطره، والذي لم يستطع أن يخرجه كاملاً، لأن من طبيعة الإحساس أن يظهر فيه كمال النفس ما دام في النفس، فإذا هو انقلب في الحواس عملاً ظهر فيه نقص الحواس! .
ولما كان مرجِع تقدير الكلام في بلاغته وفصاحته إلى الإحساس وحده - وخاصة في أولئك العرب الذين من أين تأملتَهم ورأيتهم كأنما خلقوا خلقاً لغوياً، وكان القرآن الكريم قد جمع في
أسلوبه أرقى ما تحس به الفطرة اللغوية من أوضاع البيان ومذاهب النفس إليه - فقد أحسوا بعجزهم عما امتنع مما قبله، وكان كل امرئ منهم كأنما يحمل في قرارة نفسه برهان الإعجاز، وإن حمل كل إفك وزُور على طرف لسانه!
ولهذا انقطعوا عن المعارضة، مع تحديهم إليها على طول المدة وانفساح الأمر وعلى كثرة التقريع، والتأنيب، وعلى تصغير شأنهم وتحقيرهم، وذلك بالنزول عن التحدي بمثل القرآن كله،
إلى عشر سوَر مثله، إلى عشرِ مُفتريات لا حقيقة فيها، إلى سورة واحدة من مثله، ولو هم أرادوا هذه السورة الواحدة ما استطاعوها، لأن إحساسهم منصرف إلى أصل الكمال اللغوي في القرآن،
مستغرق فيه، فلا يرون المعارضة تكون إلا على هذا الأصل، أو تتحقق إلا به: وهو شيء لا تناله القدرة، ولا تيسره القوة؛ لأنه على ظهوره في أسلوب القرآن، باطن في أنفسهم، تقف عليه
المعرفة ولا تبلغه الصفة: كالروائح والطعوم والألوان وما إليها.