بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 198

صفته - صلى الله عليه وسلم -
ليس في التاريخ العربي كله مَن جُمعَتْ صفاته وأحصيت شمائله وتواتر النقل بذلك جميعه من طرق مختلفة على توثق إسنادها - غير النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا أصل لا يُعْدَلُ به شيء في بيان حقائق
الأخلاق، والاستدلال على قوة الملكات، واستخرج الصفات النفسية التي حَصلَ من مجموعها أسلوبُ الكلام على هيئته وجهته، وانفراد بما عسى أن يكون منفرداً به، أو شارك فيما عسى أن
يكون مشاركاً فيه؛ وعلى هذه الجهة نأتي بطرف من صفته - صلى الله عليه وسلم -.
فعن الحسن بن علي (رضي الله عنهما) قال: سألت هندَ بن أبي هالة، عن حِلية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان وصَّافاً، وأنا أرجو أن يصف لي منها شيئاً أتعلقُ به، فقال:
" كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن انفرقت عقيصته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم كث اللحية سهل الخدين ضليع الفم أشنب مفلج الأسنان دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين،


صفحه 199

ضخم الكراديس أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة سبط القصب شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا زال زال قلعا يخطو تكفيا ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه يبدر من لقيه بالسلام» قال: قلت: صف لي منطقه، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، طويل الفكرة، ليس له راحة لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتح كلامه ويختمه بأشداقه يتكلم بجوامع الكلم، فضل لا فضول ولا تقصير، دمث ليس بالجافي ولا المهين يعظم النعمة، وإن دقت، لا يذم منها شيئا لا يذم ذواقا ولا يمدحه» ، وفي رواية غيره «لم يكن ذواقا، ولا مدحة ولا تغضبه الدنيا، وما كان لها وإذا تعوطى الحق، لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام» .
انتهى.
***
ولقد أفاضوا في تحقيق أوصافه - صلى الله عليه وسلم - بأكثر من ذلك ألفاظاً ومعانيَ ونقلوا الكثير الطيب من هذه الأوصاف الكريمة في كل باب من محاسن الأخلاق[1]، مما لا يتسع هذا الموضع لبسطه، فتأمل
[1]النص الجامع لأوصافه - صلى الله عليه وسلم - من دلائل النبوة للبيهقي:
236 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، لفظا وقراءة عليه وقال: حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب العقيقي صاحب كتاب النسب «ببغداد قال: حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو محمد، بالمدينة، سنة ثلاث وستين ومائتين، قال: حدثني علي بن جعفر بن محمد، عن أخيه موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن علي بن الحسين، قال: قال الحسن بن علي: سألت خالي هند بن أبي هالة عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان وصافا، وأنا أرجو أن يصف لي شيئا أتعلق به. ح وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، ببغداد قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان الفسوي، قال: حدثنا سعيد بن حماد الأنصاري المصري، وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، قالا: حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، قال: حدثني رجل بمكة، عن ابن لأبي هالة التميمي، عن الحسن بن علي، قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي، وكان وصافا، عن حلية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به، فقال:» كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة[1]، رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته فرق، وفي رواية العلوي: إن انفرقت عقيصته[2]فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة[3]أذنه إذا هو وفره، أزهر[4]اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم. كث[5]اللحية، سهل الخدين «وفي رواية العلوي:» المسربة[6]، كأن عنقه جيد دمية، في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا[7]متماسكا، سوي البطن والصدر، عريض الصدر «وفي رواية العلوي:» فسيح الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس[8]، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة[9]والسرة بشعر يجري كالخط. عاري الثديين والبطن، مما سوى ذلك. أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة «وفي رواية العلوي:» رحب الجبهة، سبط القصب، شثن[10]الكفين والقدمين «لم يذكر العلوي القدمين» سائل الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفيا ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى، كأنما ينحط[11]من صبب[12]، وإذا التفت التفت جمعا «وفي رواية العلوي:» جميعا «» خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء. جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه يبدر «وفي راوية العلوي:» يبدأ من لقي بالسلام «. قلت: صف لي منطقه، قال:» كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، متواصل الأحزان، دائم الفكرة «وفي رواية العلوي:» الفكر «» ليست له راحة، لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكتة «وفي رواية العلوي:» السكوت «» يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم «وفي رواية العلوي:» الكلام «» فصل[13]: لا فضول ولا تقصير. دمث: ليس بالجافي ولا المهين. يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا. لا يذم ذواقا ولا يمدحه «وفي رواية العلوي:» لم يكن ذواقا ولا مدحة «،» لا يقوم لغضبه إذا تعرض الحق شيء حتى ينتصر له «وفي الرواية الأخرى:» لا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، يضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى «وفي رواية العلوي» فيضرب بإبهامه اليمنى باطن راحته اليسرى «» وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه[14]، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام «. قال: فكتمتها الحسين بن علي» زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه. فسأله عما سألته عنه ووجدته قد سأل أباه عن مدخله، ومجلسه ومخرجه، وشكله، فلم يدع منه شيئا
[1]الهامة: الرأس
[2]العقيصة: الضفيرة
[3]الشحمة: ما لان من أسفل الأذن ويعلق فيه القرط
[4]الأزهر: الأبيض المستنير
[5]الكث: الغزير والكثيف
[6]المسربة: شعر دقيق من الصدر إلى السرة
[7]البادن: الضخم
[8]الكراديس: جمع كردوس، وهي رءوس العظام
[9]اللبة: موضع الذبح واللهزمة التي فوق الصدر
[10]الشثن: الغليظ الخشن
[11]ينحط: يسقط ويهوي
[12]الصبب: المنحدر من الأرض
[13]الفصل: البَيِّن الظاهر، الذي يَفْصِل بين الحقّ والباطل
[14]الطرف: النظر


صفحه 200

أنت هذه الصفات واعتبر بعضها ببعض في جملتها وتفصيلها، فإنك متوسم منها أروعَ ما عسى أن تدل عليه دلائل الحكمة، وسمةُ الفضيلة، وشدةُ النفس وبُعد الهمة، ونفاذ العزيمة، وإحكام خطةِ
الرأي، وإحراز جانب الخلق الإنساني الكريم.
وانظر كيف يكون الإنسان الذي تسع نفسه ما بين الأرض وسمائها وتجمع الإنسانيةَ بمعانيها وأسمائها، فهو في صلته بالسماء كأنه مَلك من الأملاك، وفي صلته بالأرض كأنه فلكَ من الأفلاك، وما خص بتلك الصفات إلا ليملأ بها الكونَ ويعمَّه، ولا كان فرداً في أخلاقه إلا لتكون
من أخلاقه روح الأمة.
وإذا رَجعتَ النظر في تلك الصفات الكريمة واعتبرتها بآثارها ومعانيها رأيت كيف يكون الأساس الذي تُبنى عليه فراسةُ الكمال في نوع الإنسان من دلالة الظاهر على الباطل، وتحصيل الحقيقة النفسية التي هي بطبيعتها روحُ الإنسان في أعماله، أو أثرُ هذه الروح، أو بقيةُ هذا الأثر،
فإذا تأملتها متسقة وتمثلتها قائمة في جملة النفس، وأنعمتَ على تأمل صورها الكلامية التي تبعث الكلام ونزِنه وتنظمه وتعطيه الأسلوبَ وتجمله بالرأي وتزينه بالمعنى، فإنك ستجد من ذلك أبلغَ ما
أنت واجده من الأساليب العصبية في هذه اللغة وأشدها وأحكمها، مما لا يضطرب به الضعف، ولا تزايله الحكمة ولا تخذله الروية، ولا يباينه الصواب، بل يخرج رصيناً غير متهافت، متسقاً غيرَ
متفاوت، لا يغلب على النفس التي خرج منها، بل تغلب عليه، ولا تسترسل به المخيلة، بل يَضبطه العقل، ولا يتوثب به الهاجس بل يحكمه الرأي، ولا يتدافع من جهاته، ولا يتعارض من
جوانبه بل تراه على استواء واحدٍ في شدة وقوة واندماح وتوفيق.
وهذا هو الأسلوب العصبي الممتلئ الذي قفما يتفق منه إلا القليل لأبلغ الناس وأفصحهم.
وقلما يكون أبلغ الناس وأفصحهم في كل دهر إلا عصبياً على تفاوت في نوع المزاج وحالته؛ فإن من الأمزجة العصبي البحتَ، والمنحرفَ إلى مزاج آخر ولكل من النوعين حالة قائمة بالكلام،
وصفة خاصة بالأسلوب.
وبالجملة، فإن الندرة في الأساليب العصبية: أن تجد منها ما إذا أصبته موثق السردِ متدامج الفقرة محبوك الألفاظ جيد النحت بالغ السبك - أن تجده مع ذلك رصيناً متثبتاً في نسقِ معانيه وألفاظِه، لا يتزيد بهذه ولا يتكثر بتلك: لا يخالطه من فنون الأقاويل ما تستطيع أن تنفيه، ولا يتولاه ما تتأتى إليه من وجه التخطئة؛ وأن تجده بحيث يمتنع أن تقول فيه قولا، أو تذهب فيه
مذهباً؛ وبحيث تراه من كل جهة مُتسايراً لا يتصادم ومُطرداً لا يتخلف.
ونحن فلسنا نعرف في هذه العربية أسلوباً يجتمع له من تلك الحالة العصبية هذه الصفة، ويكون سواء في الحدة والرصانة، مبنياً من الفكرة بناءَ الجسم من اللحم، متوازناً في أعصاب الألفاظ وأعصاب المعاني، يثور وعليه مَسْحة هادئة فكأنه في ثورته على استقرار: وتراه في ظاهره
وحقيقتِه كالنجم المتقِدِ: يكون في نفسك نوراً وهو في نفسه نار.


صفحه 201

لسنا نعرف أسلوباً لأحد البلغاء هذه صفته، على كثرة ما قرأنا وتدبرنا واستخرجنا، وعلى أنه لم يَفُتنا من أقوال الفصحاء قولَ مأثور، أو كلام مشهور إلا ما يمكن أن يجزئ بعضه من بعضه
في هذه الدلالة، فإنا لم نقرأ كل ما كتب عبدُ الحميد، وابن المقفع، والجاحظ، وهذه الطبقة العصبية، ولكنا قرأنا لهم كثيراً أو قليلاً، وبعض ذلك في حكم سائره، لأن الأسلوب واحد
والطريقة واحدة، ومذهب الموجود هو مذهب المفقود - ولم نجد ألبتة في هذا الباب غير أسلوب أفصح العرب - صلى الله عليه وسلم - فإن هذا الكلام النبوي لا يعتريه شيء مما سمينا لك آنفاً، بل تجده قصداً
محكماً متسايراً يشدُّ بعضه بعضاً وكأنه صورة روحية لأشد خلق الله طبيعة، وأقواهم نفساً وأصوبهم رأياً، وأبلغهِم معنى، وأبعدِهم نظراً، وأكرمهم خلقاً؛ وهذا وشبهُه لا يتأتى إلا بعناية من الله تأخذ
على النفس مذاهبها الطبيعية، وتتصرف بشدتها على غير ما يبعث عليها الطبعُ الحديد والخلق الشديد، ويخرجها من كل أمر متكافئة متوازنة، بحيث يظهر أثر النفس في كل عمل، فيأتي وكأنه
من ذلك نفس على حدة. . . ومن أولى بهذه العناية ممن يخاطبه الله تعالى بقوله: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) .
وعلى هذه الجهة، لا على غيرها، يحمَل قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر حين قال له رضي الله عنه: لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم فما سمعت أفصح منك فمن أدبك (أي علمك) ؟
فقال عليه الصلاة والسلام:، ادبني ربي فأحسنَ تأديبي"
وقوله مثلَ ذلك لعلى أيضاً، كما سيأتي في موضعه؛
ثم قوله: " أنا أفصح العرب " وما كان من هذا المعنى؛ لأنه يستحيل أن يكون مع أحد من ذلك الذي بيناه ما خصَّ الله به نبيه عليه الصلاة والسلام؛ إذ الاستحالة راجعة إلى الطبع والجِبلة وخلق الفطرة، مما لا يتغير في الناس إلا أن يخرق الله به العادة على وجه المعجزة ليقضي أمراً من أمره،
وأنى لامرئ بذلك من العرب غير النبي - صلى الله عليه وسلم -؛
وهذا الذي أشرنا إليه آنفاً، إنما هو الأصل في أن الكلام النبوي جامع مجتمع، لا يذهب في الأعم الأغلب إلى الإطالة بل كالتمثال: يأتي مقدراً في مادته ومعانيه وأسلوب الجمع بينها وربط الصورة بالمعنى كما ستأتي عليه بعد.
وأما الآن فإنا نقول قول أديبنا الجاحظ رحمه الله، فإنه بعد أن وصف هذا الكلام السري بما نقلناه عنه في موضعه خشي أن يظن بعض الناس أنه أفرط على ذلك الوصف، وبالغَ في الحمل عليه مما حمَل، فقال: ولعل من لم يتسع في العلم، ولم يعرف مقاديرَ الكلام، يظن أننا تكلفنا له
من الامتداح والتشريف، ومن التزيين والتجويد، ما ليس عنده ولا يبلغه قدره.
" وكلا والذي حرَّم التزيُّدَ عند العلماء. وقبَّحَ التكلفَ عند الحكماء. وبهرج الكذابين عند الفقهاء - لا يظن هذا إلا من ضل سعيه ".
(وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) .
***


صفحه 202

إحكام منطقه - صلى الله عليه وسلم -
قد رأيت فيما مر من صفته عليه الصلاة والسلام أنه ضليع الفم، يفتح الكلام ويختمه بأشداقه، وعلمت من معنى ذلك أنه كان يستعمل جميع فمه إذا تكلم، لا يقتصر على تحريك الشفتين فحسب. ولقد كانت العرب تتمادَح بسعة الفم وتذم بصغره، لأن السعة أدل على امتلاء
الكلام، وتحقيق الحروف وجهارةِ الأداء وإشباع ذلك في الجملة، ولأن طبيعة لغتهم ومخارج حروفها تقتضي هذا كله ولا تحسُنُ في النطق إلا به، ولا تبلُغ تمامها إلا أن يبلغ فيها، وهو بعد
مزيتها الظاهرة في أفصح أساليبها، إذ كانت الفصاحة راحة إلى حسن الملاءمة بين الحروف باعتبار أصواتها ومخارجها، حتى تستوي في تأليفها على مذاهب الإيقاع اللغوي، كما بسطناه في كل موضع اقتضاه من هذا الكتاب.
وذلك أمر لم يكن علم أولئك القوم به على الهاجس والظن. أو المقاربةِ والتقدير إنما هو أساس منطقهم، وعتاد لغتهم، فكانوا سواء بالمعرفة به وفي الحاجة إليه، من استوفاه منهم اتسقت
له الفضيلة البينة، ومن قصر فيه أخملهُ تقصيره حتى كأنما انطوت حقيقته العربية في فمه، أو كأنما أكل نفسه. . ولهم في كل ذلك من البيان والصوت أخبار وأشعار لا حاجة بنا إلى تمثلها وقصها.
وهذا الذي أومأنا إليه من أمرهم، هو السبب في أن كل من يتصافح في هذه العربية لا يعدو في جملة وسائله التي يستعين بها أن ينتحل سعة الشدق.
وتهدُّل الشفة، ويبالغ في استعمال جميع فمه على كل وجه، يلتمس بذلك تحقيق الحروف، وجهارة البيان، وتفخيم الأداء، ووزنَ
المخارج، إذ كانت هذه هي الدلائل الطبيعية على الفصاحة، وهو أمر لا يستقيم له إلا إذا مط الكلام ومضغ الحروفَ وتفيهقَ وكد حنجرته، وجعل كل شدق من شدقيه كأنه فم وحده،
وذلك تكلف قد ذمه العرب وكرهوه، وذمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحذر منه لأنه غير طبيعي فيمن يتكلفه، وهو كذلك مبالغة تأباها طبيعة اللغة، ولا تتفق مع أسبابها وعللها، إذ تحيل هذه اللغة إلى
السماحة وتستغرقِها بصناعة الصوت، وتنفي عنها طبيعة اللين والعذوبة، وتجمع عليها تعقيد الصوت، واستكراههُ، وجسأته؛ وذلك كله في الذم والكراهة عندهم بسبيل من الصفات التي
يعتدونها في عيوب المنطق، خلقة كالتمتمة والفأفأة والرتَّةِ ونحوها، مما أحصيناه في موضعه من الجزء الأول من تاريخ آداب العرب، أو تخلفاً، كالتنطع، والتمطق، والتفيهق، وما إليها.


صفحه 203

فكانت محاسن هذا الباب في النبي - صلى الله عليه وسلم - طبيعة كما رأيت، لأنها عن أسباب طبيعية، وقد وصفوه مع ذلك بحسن الصوت وهو تمامها وحليتُها، فإن هذه اللغة خاصة تجمُلُ بذلك ما لا تجمل به سائر اللغات.
لما فيها من معاني الأوضاع الموسيقية في خفة الوزن، وصحة
الاعتدال، وتمام التساوي، وحسن الملاءمة، فلا جرمَ كان منطقه - صلى الله عليه وسلم - على أتم ما يتفق في طبيعة
اللغة ويتهيأ لها إحكام الضبط وإتقان الأداء: لفظَ مشبعَ، ولسانَ بليلَ، وتجويد فخمَ، ومنطق عذبَ، وفصاحة متأدية، ونظم متساوقَ وطبع يجمع ذلك كله، مع تثبت وتحفظ وتبيين وترسل وترتيل.
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَسرُدُ كسردِكم هذا، ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من جلس إليه.
وفي رواية أخرى عنها أيضاً: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه.
فأنت ترى أن هذا هو المنطق الذي يمر بالفكر قبل أن ينطق إلى الفم وأن العقل فيه من وراء اللسان فهو غالب عليه مُصرفَ له، حتى لا يعتريه لبس، ولا يتخونه نقص، وليس إحكامُ الأداء ورَوعة الفصاحة وعذوبة المنطق وسلاسة النظم إلا صفات كانت فيه - صلى الله عليه وسلم - عند أسبابها الطبيعية. كما مر آنفاً. لم يتكلف لها عملاً. ولا ارتاض من أجلها رياضة بل خُلق مستكملَ الأداة فيها، ونشأ مُوَفر الأسباب عليها.
كأنه صورة تامة من الطبيعة العربية.
ولا تمنع أن يكون من فصحاء العرب من يشاركه فيها أو في بعضها: فإنها مظاهر للكلام لا غير؛ وإنَّما الشأن الذي انفرد به - صلى الله عليه وسلم - أنه مُنزه عن النقص الذي يعتري الفصحاء من جهتها أحياناً
كثيرة وقليلة: لأنها طبيعية فيه؛ ولأن من ورائها تلك النفسَ العظيمة الكاملةَ التي غلبت على كل أثر إنساني يصدر عنها، حتى قرت أعمالُها على نظام لا تُعذ فيه الفلتَةُ، ولا يؤخذ عليه مأخذَ،
وحتى كأن كل عمل منها هو كذلك في أصل التركيب وطبع الخلقة وهذه خصوصية ينفرد بها الأنبياء صلوات الله عليهم، إذ هم أمثلة الكمال الإنساني في هذه الخليقة، تنصبهم يدُ الله على طريق الحياة لتنتهي فيهم عصور وتبتدئ بهم عصور وليسددوا خُطا العقل في تاريخه وهي من
الجهة اللغوية مما انفرد به نبينا - صلى الله عليه وسلم - في عربيته، وما يمنعه منها وإنَّما أنزل القرآن بلسانه لسان عربي مبين.
فهذا وجهُ الأمر وسبيله. وهذا فرقُ ما بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين الفصحاء، من جهة إحكام المنطق وامتلائه، فإن أحدهم يكون مهيأ لذلك من أصل الخلقة؛ وبطبيعة النشأة بَيدَ أن طباعه لا تتوافى
إليه في كل منطق وفي كل عبارة؛ بل ربما غلبت خَصلةَ على أختها، وربما تخاذلت طبيعة من


صفحه 204

طباعه وربما رَك لفظه لبعض الضعف في معناه فخرج من عادته في النطق به، وربما اضطربت نفسه في حالة من الأحوال، أو تراجَع طبعُه لسبب من الأسباب؛ فيضطرب كلامه، ويضطرب
كذلك منطقه، وربما نطق فأبان واستحكم؛ حتى إذا مر في الكلام أو استفرغت الإطالةُ مجهوده ونَزحت مادته، رأيته يتعثرُ ويتهافت، ورأيت منطقَه وقد صرِف عن وجهه واختلط وتهالكَ من
الضعف؛ وما على امرئ إلا أن ينظر في خاصة نفسه وداخلة طبيعته، فإنه ولا ريب مصيبَ فيها كل ذلك أو كثرَه أو كثيره.
وهذه كلها عيوبٌ تلحق الفصحاء وتقسم عليهم، لا يكاد يسلم منها أحد، وإنَّما يأتون من جهة النفس في ضعفها أو اضطرابها أو غفلتها، أو ما أشبه ذلك من حال تعتري وعرق يبزع،
وهي خصال لا تكون لأنفس الأنبياء صلوات الله عليهم، فإذا أضفت إلى ذلك أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - كان طويلَ السكوت، ولم يتكلم في غير حاجة، فإذا تكلم لم يَسردَ سَرداً، بل فصلَ ورتلَ وأبان
وأحكم، بحيث يخرج كل لفظة وعليها طابعها من النفس - علمت أن هذا المنطق النبوي لا يكون بطبيعة إلا على الوجه الذي بسطناه آنفاً، وأنه بذلك قد جمع خصالاً من إحكام الأداء، لا يشاركه فيها منطق أحد إلى حد، ولا تتوافى إلى غيره ولا تتساوى في سواه.
***


صفحه 205

اجتماع كلامه وقلته - صلى الله عليه وسلم -
ومن كمال تلك النفس العظيمة، وغلبَةِ فكره - صلى الله عليه وسلم - على لسانه قل كلامه وخرج قصداً في ألفاظه، محيطاً بمعانيه، تحسب النفس قد اجتمعت في الجملة القصيرة والكلمات المعدودة بكل
معانيها: فلا ترى من الكلام ألفاظاً ولكن حركات نفسية في ألفاظ، ولهذا كثرت الكلمات التي انفرد بها دون العرب، وكثرت جوامعُ كلِمه، كما ستعرفه، وخلص أسلوبه، فلم يقصر في شيء،
ولم يبلغ في شيء، واتسق له من هذا الأمر على كمال الفصاحة والبلاغة ما لو أراده مريد لعجز عنه، ولو هو استطاع بعضه لم تم له في كل كلامه، لأن مجرى الأسلوب على الطبع، والطبع
غالب مهما تشدد المرءُ وارتاض ومهما تثبت وبالغ في التحفظ.
هذا إلى أن اجتماع الكلام وقلة ألفاظه، مع اتساع معناه وإحكام أسلوبه في غير تعقيد ولا تكلف، ومع إبانة المعنى واستغراق أجزائه، وأن يكون ذلك عادة وخلقاً يجري عليه الكلام في معنى معنى وفي باب باب - شيء لم يعرف في هذه اللغة لغيره - صلى الله عليه وسلم - لأنه في ظاهر العادة يستهلك
الكلام ويستولي علية بالكلف، ولا يكون أكثر ما يكون إلا باستكراه وتعمل؛ كما يشهد به العيان والأثر، فكان تيسير ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - واستجابته على ما يريد وعلى النحو الذي خرج به - نوعاً من
الخصائص التي انفرد بها دون الفصحاء والبلغاء وذهب بمحاسنها في العرب جميعاً.
وهذا هو الذي كان يَعْجَب له أصحابه، ويرونه طبقة في هذا اللسان وطرازاً لا يحسنه إنسان، حتى إن أبا بكر رضي الله عنه قال له مرة: لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم، فما سمعت أفصح منك؛ فمن أدبك (أي علمك) ؛ قال: " أدبني ربي فأحسن تأديبي ".
وهذا خبر متظاهر، وقد مرَّ بك، وهيهات أن يكون في العرب فصيح تعرفه فصاحته ولا يكون قد سمعه أبو بكر، متكلماً أو خطيباً أو منشداً في سوق موسم أو حفل؛ فإنه - رضي الله عنه - في علم العرب وأنسابها وأخبارِها ولغاتها وآثارها - الغاية التي ينتهي إليها ويوقف عندها، حتى لا
يعدل به عدل؛ وحسبك أن أنسب العرب في صدر الإسلام، وهو جبير بن مطعم، إنما عنه أخذ ومنه تعلَّم، وإذا قالوا في المبالغة: أنسب من أبي بكر، فقد قالوا: أنسب الناس!
فهذا أبلغ ما ندلي به من حجة وما ندل به من خبر في هذا الباب لأنه خبر من أنسب