بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 227

ولا مبلغ الفطرة في شدتها واضطرابها، ولا حالة البليغ في احتفاله ومهاونته، بل هو أمر فوق ذلك أجمع، وليست هذه الهمة وهذه الفطرة وهذه الحالة مما توجد في نفس الإنسان غير صفاتها
الإنسانية بالغة ما بلغت ونازلة حيث تنزل، فإن كل أمر لا يوَطأ له بأسبابه لا تحدثه غيرُ أسبابه،
وما عرف الناس يوماً من الدهر أن قوة الخلق ظهرت في مخلوق، ولا أن إنساناً أخرج من نفسه غير ما في نفسه.
ومن خواص القرآن العجيبة، أن كل فصيح يحتفل في معارضته لا يزيده الاحتفال إلا نقصاً من طبيعته، وذَهاباً عن قصده وسَنتِه، فكلما اندفع إلى ذلك ارتد بمقدار ما يندفع، وكلما كد طبعهُ رأى من تبلده على حساب ما يَكده فإذا ترك ذلك حيناً فعفا من تعبه وتراجع إليه
الطبع ثم عاد، كانت الثانية أشد عليه من الأولى؛ لأنه كلما طمع أسرع به ذلك أن يتحقق اليأس وهكذا حتى يكون هو أولَ من يتهم نفسه بالعجز، ويرمي طبعَه بالاختيال، ويصفُ كلامه
بالنقص، فإنه إنما يطمح في تلك المعارضة إلى شيء من غير طبعه، فلا يرضى لها بشيء من طبعه ومتى كان ذلك منه، لم يترك نفسه وشأنها، بل يمنعها مما تُنازعُ العملَ عليه، ويردها عن وجهها ويشق عليها في النزوع، ويُكدرُ بها تكديراً يُفسد عليها كل ما هي فيه من ذلك العمل،
فليست تجد منه أبداً إلا طريقة معروفة وقوة محدودة وإلا ما صُنِعَت عليه ونشأت فيه.
فإذا طال ذلك به وبها، أمات حركتها ونشاطها، وترامى بها إلى العجز وضربها باليأس والقنوط، فذهب منه ما كان في طوقه وقوته من البلاغة في سبيل ما ليس في طوقه وقوته، وأكدَى طبعه فيما كان ينجحُ فيه، وتبدل من شأنه الأل شأناً ثانياً كيفما أداره رآه سواء غير مختلف.
وذلك كله من غير أن يكون هناك إلا قوة القرآن المعجزة، وقوة نفسه العاجزة، وهذا معنى قد وقع تفصيله في موضعه ومر في بابه، فلا حاجة بنا إلى الزيادة منه بأكثر مما سلف.
وضربٌ آخر من الأوضاع التركيبية في بلاغة النبي - صلى الله عليه وسلم - غيرَ ما مرت مُثلُهُ من ذلك النحو الذي يكون مُجتمعاً بنفسه منفرداً في الكلم القليلة، وهذا الضرب يتفق في بعض الكلام المبسوط، فتقوم
اللمحَة منه في دلالتها بأوسع ما تأتي به الإطالةُ، وتكفي من مرادفة المعاني وتوكيدها ومقابلتها بعضها ببعض، فيكون السكوت عليها كلاماً طويلاً، والوقوف عندها شأواً بعيداً وهو القليل في
كلام البلغاء إلى حد النذرة التي لا يُبنى عليها حكم، ولكنه كثير رائع في البلاغة النبوية، لما عرفْتَ من أسباب قلة كلامه - صلى الله عليه وسلم -، فإن هذه القلة إن لم تنطو على مثل هذا الضرب الغريب، لا تفي
بالكثرة من غيره، ولا تُعَد في باب التمكين والاستطاعة، ولا يكون فضلها في الكلام فضلاً، ولا يعرفُ أمرها في البلاغة أمراً.
فمن ذلك حديث الحدَيبية، حين جاءه بُدَيل بن ورقاء يتهدده ويحذره فقال له، إني تركت


صفحه 228

كعبَ بن لؤَي بن عامر بن لؤي، معهم العوذ المطافيل وهمُ مُقاتلوكَ وصادوك عن البيت.
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"إن قريشاً قد نهكتْهم الحرب فإن شاءوا ماددناهم مُدة ويدَعوا ما بيني وبين الناس فإن أظهر عليهم وأحبوا أن يدخلوا فيما دخلَ فيه الناس. . وإلا كانوا قد جفوا، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفَتي هذه، وليُتفِذَن الله أمره".
فتأمل قوله عليه الصلاة والسلام: "حتى تنفرد سالفتي هذه"
وكيف تصور معنى الانفراد الذي لا يستوحش منه لأن الثقة فيه بالله، والقلة التي لا يخاف منها لأن الكثرة فيها من الله، والاستماتة
التي لا تردد معها لأن الأمر فيها إلى الله، وانظر كيف يصف العزيمة الحذاء، وكيف تقرع بالوعيد والتهديد، وكيف تغني في جواب القوم ما لا تغنيه الرسائل الطوال، حتى لتقطع الشهادة عليها
قطعاً بما في نية صاحب الجواب من عزم أمره ووثاقة عقده، فكأنها صورة واضحة لما استقر في نفسه من كل ما عسى أن يَرجعه جواباً، وما عسى أن يتهيأ له في باب الحزم، وإنَّها لكلمة بمعركة!
ومن هذا الباب قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"من هم بحسنةٍ ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عمِلها كتبت له
عشراً، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، ولا يهلك على الله إلا هالك "
فتأمل هذا التذييل العجيب، فإنك لا تقضي منه عجباً، ولَن يعجز إنسان أن
يهم بالخير، يفعله أو يفعله، وأن ينزع إلى الشر فيمسك عنه، فإن عجز حتى عن هذا فما فيه آدمية، ورحمة الله تنال الإنسان بأسباب من خيره، ومن شره إذا كان فيه الضمير الإنساني، وهذا في الغاية كما ترى.
***


صفحه 229

(فصل)
الخلوص والقصد والاستيفاء
أما فيما عدا هذين النوعين من الأوضاع التركيبية، فإن نسق البلاغة النبوية يمتاز في جملته بأنه ليس من شيء أنت واجده في كلام الفصحاء وهو معدود من ضروب الفصاحة ومتعلقاتها - إلا وجدته في هذا النسق على مقدار من الاعتبار يفرِدهُ بالميزةِ، ويخصه بالفضيلة، لأن كلامه - صلى الله عليه وسلم - في باب التمكين لا يَعدِله شيء من كلام الفصحاء، فلا تلمح في جهة من جهاته ثلمة يقتحم عليه الرأيُ منها وتنساب فيها الكلمات التي هي من لغة النقد والتزييف أو بعض هذه الكلمات، أو أضعف ما يكون من بعضها، إذ هو مبني على ثلاثة الخلوص، والقصد، والاستيفاء.
(1) أما الأول فهو في اللغة ما علمت وفي الأسلوب ما عرفت مما وقفناك عليه وهو منفرد فيهما جميعاً، لأنه لم يكن في العرب ولن يكون فيمن بعدهم أبدَ الدهر من ينفذُ في اللغة وأسرارها وضعاً وتركيباً، ويستعبدُ اللفظ الحر، ويحيط بالعتيق من الكلام، ويبلغ من ذلك إلى الصميم على ما كان من شأنه - صلى الله عليه وسلم -، ولا نعرف في الناس من يتهيأ له الأسلوب العصبى الجامعُ المجتمعُ على توثق السرد وكمال الملاءمة، كما تراه في الكلام النبوي، وما من فصيح أو بليغ إلا وهو في إحدى هاتين المنزلتين دون ما يكون في الأخرى على ما يلحقه من النقص فيهما جميعاً إذا
تصفحتَ وجوهَ كلامه وضروب الفصاحة فيه، واعتبرت ذلك بما سلف؛ وأبلغُ الناس من وفق أن يكون في المنزلة الوسطى بين منزلتيه - صلى الله عليه وسلم -.
(2) وأما القصدُ والإيجاز والاقتصار على ما هو من طبيعة المعنى في ألفاظه ومن طبيعة الألفاظ في معانيها.
ومن طبيعة النفس في حظها من الكلام وجهتيهِ (اللفظية والمعنوية) -
فذلك مما امتازت به البلاغة النبوية حتى كان الكلام لا يعدو فيها حركةَ النفس، وكان الجملة تخلق في منطقه - صلى الله عليه وسلم - خَلقاً سوياً، أو هي تنزع من نفسه انتزاعاً، وهذا عجيب حتى ما يمكن أن يعطيهُ امرؤ حظه من التأمل إلا أعطاه حظ نفسه من العجب، وإنَّما تتم في بلاغته - صلى الله عليه وسلم - بالأمر الثالث.
(3) وهو الاستيفاء، الذي يخرج به الكلام - على حذف فضوله وإحكامه ووجازَته - مبسوط المعنى باجزائه ليس فيها خداج ولا إحالة ولا اضطراب حتى كان تلك الألفاظ القليلة إنما ركبت تركيباً على وجه تقتضيه طبيعة المعنى في نفسه، وطبيعته في النفس، فمتى وعاها السامع


صفحه 230

واستوعبها القارئ، تمثل المعنى وأتمه في نفسه، في حسب ذلك التركيب، فوقع إليه تاماً مبسوط الأجزاء، وأصاب هو من الكلام معنى جموماً لا ينقطع به ولا يكبو دون الغاية، كأنما هذا الكلام قد انقلب في نفسه إحساساً لنظر معنوي.
وهذا ضرب من التصرف بالكلام في أخلاق النفوس الباطنة التي تذعن لها النفوس وتتصرف معها، وقلما يستحكم لامرئ إلا بتأييد من الله وتمكين من اليقين والحجة فهو على حقيقته مما لا تعين عليه الدُّربة والمزاولة إلا شيئاً يسيراً لا يستوفي هذه الحقيقة، ولا يمكن أن تجعله المزاولة
فيمن ليس من أهله كما هو في أهله، ولأمر ما قال أفصح العرب - صلى الله عليه وسلم -
" أعطيت جوامعَ الكلم "
وفي رواية " أوتيت " وكان يتحدث في ذلك بنعمة الله عليه، فما هو اكثساب ولا تمرين، ولا هو أثر من أئرهما في التفكير والاعتبار، ولا هو غاية من غايات هذين في الصنعة والوضع، إنما هو (إعطاء وإيتاء)
فمن لم يعطَ لم يأخذ، ومن لم يأخذ لم يكن له من ذلك كائن ولم تنفعه منه نافعة.
ولاجتماع تلك الثلاثة في كلامه - صلى الله عليه وسلم - وبناء بعضها على بعض، سَلم هذا الكلام العظيم من التعقيد والعِي والخطل والانتشارِ وسلمت وجوهه من الاستعانة بما لا حقيقة له من أصول البلاغة:
كالمجاز البعيد الذي يغوص إلى الأعماق الخيالية، وضروب الإحالة، وفساد الوضع المعنوي، وفنون الصنعة، وما إليها مما هو فاش في كلام البلغاء، يعين جفاء البداوة على بعضه، ورقة الحضارة على بعضه، وهو في الجهتين باب واحد.
ولذلك السبب عينه كثر في البلاغة النبوية هذا النوع من الكلم الجامعة التي هي حكمة البلاغة، وهو غير ذلك النوع الذي قلنا فيه، مما تكون غرابته من تركيب وضعه في البيان، ثم هو أكثر كلامه - صلى الله عليه وسلم -
كقوله:
" إنما الأعمال بالنئات ".
" الدين النصيحة ".
" الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمورٌ متشابهات ".
" المضعف أمير الرَّكب ".
وقوله في معنى الإحسان:
". . . أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".


صفحه 231

وقوله:
" لا تجن يمينك عن شمالك ".
" خير المال عين ساهرة لعين نائمة ".
" آفة العلم النسيان. وإضاعته أن تحدْث به غير أهله ".
" المرء مع من أحب ".
" الصبر عند الصدمة الأولى ".
وقوله في التوديع:
" أستوع الله دينَك وأمانتك وخواتيم عملك ".
إلى ما لا يحصيه العدُّ من كلامه - صلى الله عليه وسلم -،
ولو ذهبنا نشرحه لبنينا على كل كلمة مقالة، وهذا
الضرب هو الذي عَناه أكثم بن صيفي حكيم العرب في تعريف البلاغة، إذ عرفها بأنها: دنوُّ المأخذ، وقرع الحجة وقليل من كثير.
وهي صفات متى أصابها البليغ وأحكمها، وضَع عن نفسه
في البلاغة مؤونة ما سواها، ولكن إن أصابها وأحكمها.
وقد علمتَ ما تكون وجوه الإعجاز المطلق في هذا الكلام العربي، وذلك مما وصفناه لك من إعجاز القرآن الكريم، فاعلم أن نسق البلاغة النبوية إنما هو في أكثر الحد الإنساني من ذلك الإعجاز، يعلو كلامَ الناس من جهة وينزل عن القرآن من جهته الأخرى، فلا مطمع لأبلغ الناس
فيما وراءه، ولا مَعْجَزة عليه فيما دونه، وهو عنده أبداً بين القدرة على بعضه والعجز عن بعضه.
وقد بقيت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصاف جمة من محاسن البلاغة النبوية في عَقِبه من أهل البيت رضوان الله عليهم ومن اتصل منهم بسبب، أورثهم ذلك أفصح الخلق ولادة، وجادت لهم طباعَه الشريفة بهذه الإجادة، فما تعارضهم بمن يحسن البلاغة إلا كانت لهم في البلاغة
الحسنى وزيادة!
وبعد فإن القول ما قاله الحسين عليه السلام:
" لن يؤدِّيَ القائل وإن أطنب في صفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من جمعٍ جزءاً ".
وقد قلنا بمقدار ما فهمنا وما شهدنا - يعلم الله - إلا بما علمنا، وتلك نعمة على المسلمين


صفحه 232

لا يكتمها إلا البغيض، ولا ينكرها في الناس إلا ذو قلب مريض، ومن جعل أنفَه في قفاه فإنما السوءَة أن يفتح فاه. .!
على أننا إن كنا قد عجَزنا، ووعدنا الكلام أكثر مما أنجزنا، فلا ضيرَ أن نصف النجم في سرَاه، وإن لم نستقر في ذراه، ونستدل بما رأينا منه وإن لم نَنفذ فيما وراه.
وإذا خطر الفكر الضئيل في مثل هذه الحقيقة السامية، فقل إنا خطرَة طيف، وإذا اجتمع للقلم سوادٌ في تلك السماء العالية، فقل إنما هي سحابة صيف، ولعمر الله كيف نضرب بالغاية على تلك البلاغة التي لا تحدُّ، وكيف نمضي بعد أن كل حد الفكر ووقفنا عند هذا " الحدِّ "!
الحمد لله نهايةٌ لا تزال تبدأ، وبدءٌ لا ينتهي!

(تم)