الأحرف السَّبعة
وروى أهل الأثر حديثاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله: " أنزلَ القرآنُ على سبعة أحرف، لكل
منها ظَهرٌ وبَطن، ولكل حرف حَد، ولكل حد مطلَع " ثم اختلفوا في تأويله وفي تفسير هذا الأحرف ولكن الأكثرين على أنها سبعُ لغات من لغات قريش وألفافها من ظواهر مكة إلى قيس.
وقد سميناها آنفاً، وذلك قول لا تُخرجُ عليه إلا بعض ألفاظ الحديث ويبقى سائرها غير مُتجه.
وقال بعض العلماء: إني تدبرت الوجوه التي تختلف بها لغاتُ العرب فوجدتها على سبعة،
أنحاء لا تزيد ولا تنقص، وبجميع ذلك نزل القرآن: الوجه الأول إبدالُ لفظ بلفظ: كالحوت بالسمك وبالعكس، وكالعهن المنفوش قرأها ابن مسعود: كالصوف المنفوش، والثاني إبدال
حرف بحرف كالتابوت والتابوه - وقد مَر بك أنها كانت كتابة زيد بن ثابت حتى غيَّرها عثمان - رضي الله عنه.
- والثالث تقديم وتأخير، إما في الكلمة، نحو: سُلِبَ زيد ثَوبهُ وسُلِب ثوبُ زيد. وإما في الحرف، نحو: أفلم ييأس وأفلم يايس؛
والرابع زيادةُ حرف أو نقصانه، نحو: ماليه وسلطانيَه،
فلا تَكُ في مِريَة؛
والخامس اختلاف حركات البناء، نحو: فلا تحسبن (بفتح السين وكسرها) ،
والسادس اختلافُ الإعراب، نحو: " ما هذا بشراً "،
وقرأ ابن مسعود بالرفع،
والسابع التفخيم والإمالة، وهذا اختلاف في اللحن والتزيين لا في نفس اللغة، والتفخيم أعلى وأشهر عند فصحاء العرب، وقد مَرَّ معنى ذلك -
قال: فهذه الوجوه السبعة التي بها اختلفت لغاتُ العرب قد أنزل الله باختلافها القرآن متفرقاً فيه، ليعلم بذلك أن من زَل عن ظاهر التلاوة بمثله أو من تعذر عليه تركُ عادته (اللغوية) فخرج
إلى نحو مما قد نزلَ به فليسَ بمَلوم ولا معاقَب عليه؛ وكل هذا فيما إذا لم يختلف في المعانى. اهـ.
وهو قول حسن يحمل به الحديث على معنى القراءات التي هي في الأصل فروق لغوية،
وإن كان بعض الأحرف قد قرئ بسبعة أوجه وبعشرة، نحو: (مالك يوم الدين) و (عَبْدَ الطاغوت) .
والذي عندنا في معنى الحديث: أن المراد بالأحرف اللغات التي تختلف بها لهجات العرب، حتى يوسع على كل قوم أن يقرؤوه بلحنهم، وما كان العرب يفهمون من معنى الحرف
في الكلام إلا اللغة، وإنما جعلها سبعة رمزاً إلى ما ألفوه من معنى الكمال في هذا العدد،
وخاصة فيما يتعلق بالإلهيات: كالسموات السبع، والأرضين السبع، والسبعةِ الأيام التي بُرئت فيها
الخليقةُ وأبواب الجنة والجحيم، ونحوها، فهذه حدود تحتوي ما وراءها بالغاً ما بلغ؛ وهذا الرمزُ من ألطف المعاني وأدقها: إذ يجعل القرآن في لغته وتركيبه كأنه حدودٌ وأبوابٌ لكلام العرب
كله، على أنه مع ذلك لا يبلغ منه شيء في المعارضة والخلاف، وإن تمادّ العربُ في ذلك إلى الغاية، إذ هو لغات تنزل من أهلها منزلةَ السموات ممن ينظرونها، والأرضينَ ممن يضربون فيها،
وهلم إلى آخر هذا الباب، فذلك قولهم بأفواههم، وهذا قول الله الذي يكابرون فيه ويطمعون أن يسامِتُوه بأقوالهم، وما لهم منه إلا أن يهتدوا به وينتفعون بما فيه كما ينتفعون بالسماء والأرض دون
أن يكون لهم من أمرهما شيء. ثم أشار أفصح العرب - صلى الله عليه وسلم - بظهر كل حرف وبطنه وحده ومطلع كل
حد إلى حقيقة هذا الإعجاز، فإن ظاهر القرآن على أي لغة قرئ بها من لغات العرب إنما هو ظاهر تلك اللغة بعينها، ولكن باطنه صورة السماء في الماء، ومُسميات إلهية لا تنال وإن نيلت
الأسماء، ثم إن لكل لغة في امتزاجها بالقرآن حداً يقف عنده أهلها، وهو الحد الذي تبتدئ منه
الجنسية اللغوية، ولكل حد من هذه الحدود مطلع يصدر منه إلى مرتقى هذه الجنسية التي كان
القرآن أخص مقوماتها، وذلك في جملته إنما هو الإعجاز كله، والهدى كله، والكمال كله.
ولسنا ننكر أن هذا التأويل قد يكون بعيداً بدقائقه عن مُتناول أذهان العرب، ولا أن فيه شبه من الكد، ولكنه على كل حال قريب ممن ورثوا العرب في لغتهم وقصروا عنهم في فهم حقائق
الإعجاز بتقصير الفطرة فيهم، ثم لا بد أن يكون العربُ قد فهموا الحديثَ على نحو مما يؤدي تفسيرنا الذي ذهبنا إليه، إذ لا يعرفون من الحرف وظهره وبطنه؛ والحد والمطلع غير الصفاتِ التي
تتعلق باللغة، ولأمرٍ ما كان كلامُ النبوة خالداً كأنه قيل في كل عصر لأهله وقبيله.
وكأن هذا الزمان إنما هو شاهدٌ يجيء بالبينة على صحة تأويله.
ولو أن هذا الحديث قد جاء تأويله نص على النبي - صلى الله عليه وسلم - يعين المراد منه، لما اختلفت أقوال
العلماء فيه، وما داموا قد اختلفوا فدعنا نختلف معهم ونأخذ بالأشبه والأمثل مما يوافق القرآن نفسه، وقد أنزله الله الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم: فإن ذهبتَ
مذهبنا؛ وإلا فخذ مما أحببتَ أو دَعْ! .
***
مفردات القرآن
وفي القرآن ألفاظ اصطلح العلماء على تسميتها بالغرائب؛ وليس المراد بغرابتها أنها مُنكرة أو نافِرة أو شاذة، فإن القرآن منزه عن هذا جميعه، وإنما اللفظة الغريبة ههنا هي التي تكون حسنة
مستغربَة في التأويل؛ بحيث لا يتساوى في العلم بها أهلها وسائر الناس.
وجملة ما عدوه من ذلك في القرآن كله: سبعمائة لفظة أو تزيد قليلاً؛ جميعها روي تفسيره بالسند الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو ذلك المعجم اللغوي الحي الذي كانوا
يرجعون إليه، كان رحمه الله يقول: الشعر ديوانُ العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي
أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه.
ولقد كان رضي الله عنه يجلس بفناء الكعبة ثم يكتنفه الناس يسألونه عن التفسير وثبته من
كلام العرب، وأسئلة نافع بن الأزرق التي ألقاها عليه وأومأنا إليها في باب الرواية من تاريخ آداب العرب - مشهورة، وقد أجابه عليها ابن عباس، واستشهد لجوابه بنيف وتسعين بيتاً من الشعر
العربي الفصيح، فلا نطيل بسردها؛ فإن الكلام يتسع بما لا فائدة منه إلا معرفة الألفاظ وتفسيرها.
ومنشأ الغرابة فيما عدوه من الغريب أن يكون ذلك من لغات متفرقة، أو تكون مستعملة على وجه من وجوه الوضع يخرجها مُخرَجَ الغريب: كالظلم، والكفر، والإيمان، ونحوها مما نقل عن
مدلوله في لغة العرب إلى المعاني الإسلامية المحدَثة، أو يكون سياق الألفاظ، قد دل بالقرينة على معنى معين غير الذي يُفهم من ذات الألفاظ، كقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) .
أي فإذا بيناه فاعمل به.
وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يسمون فهم هذا الغريب (إعراب القرآن) لأنهم يستبينون معانيه ويخلصونها؛ وقد روى أبو هريرة في ذلك:
" أعربوا القرآن والتمسوا غرائبهُ "
وبهذا الأثر ونحوه مما تأتي فيه لفظة (الإعراب) زعم طائفة من أبناء الطيالسة وطائفة من قومنا الذين في
قلوبهم مرض، أن اللحن - أي الزيغ عن الإعراب - كان يقع من الصحابة في القرآن لعهد النبي - صلى الله عليه وسلم -،
ضلة من القائلين، وذهاباً إلى معنى (الإعراب) النحوي، ثم غفلة عن لغة الإصطلاح، والاصطلاحُ في أهله ضربَ من الوضع: لا يحمل على كلامهم غير ما حملوه عليه.
وكذلك عد العلماء في القرآن من غير لغات العرب أكثر من مائة لفظة، ترجع إلى لغات الفرس والروم والنبط والحبشة والبربر والسريان والعبران والقِبط، وهي كلمات أخرجتها العرب
على أوزان لغتها وأجرتها في فصيحها فصارت بذلك عربية، وإنما وردت في القرآن لأنه لا يسد مسدها إلا أن توضع لمعانيها ألفاظ جديدة على طريقة الأول، فيكون قد خاطب العرب بما لم
يوقفهم عليه، وما لا يدركون بفطرتهم اللغوية وجه التصرف فيه، وليس ذلك مما يستقيم به أمر
ولا هو عند العرب من معاني الإعجاز في شيء، لأن الوضع يعجز أهله، وهم كانوا أهل اللغة.
ولذا قال العلماء في تلك الألفاظ المعربة التي اختلطت بالقرآن: إن بلاغتها في نفسها أنه لا يوجد غيرها يغني عنها في مواقعها من نظم الآيات، لا إفراداً ولا تركيباً، وهو قول يحسن بعد الذي بيناه.
ومن ألفاظه ما يسميه أهل اللغة بالوجوه والنظائر، والأفراد.
أما الوجوه والنظائر فهي الألفاظ التي وردت فيه بمعان مختلفة: كلفظ الهدى، فإنه فيه على سبعة عشر وجهاً، بمعنى: الثبات، والدين، والدعاء، ونحوها. ومن هذه الألفاظ: الصلاة، والرحمة، والسوء، والفتنة، والروح، وغيرها.
وكلها مما يتبسط في استعماله بوجوه من القرائن
وسياسة القرينة في العربية شريعة من شرائع الألفاظ.
وأما الأفراد فهي ألفاظ تجيء بمعنى مفرد غير المعنى الذي تستعمل فيه عادة، ولابن فارس في إحصاء هذا النوع كتاب قال فيه: كل ما في القرآن من ذكر الأسف فمعناه الحزن، إلا قوله:
(فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) فمعناه: أغضبونا.
وكل ما فيه من ذكر البروج فهي الكواكب، إلا قوله:
(وَلَؤ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) فهي القصور الطوال الحصينة.
وكل ما فيه من ذكر البر والبحر؛ فالمراد بالبحر: الماء، وبالبر: التراب، إلا قوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) فالمراد به البرية والعمران.
وعد من مثل ذلك هو وغيره أشياء؛ فهذا ما يسمونه في لغة القرآن بالأفراد.
***
تأثير القرآن في اللغة
لا نتكلم في هذا الفصل عن الوجوه اللغوية التي ابتدعها القرآن في الكلام فصارت من بعده نهج الألسنة والأقلام، ولا عن وجوه تأثيره باللغة: فإن لكل من ذلك موضعاً هو أملك به، وإنما
نقص لك طرفاً من القول في هذه اللغة كيف ظهرت في آياته للزمان حتى لا يظن أنها لغة عصرها،
وكيف بهرت بغاياته في البيان حتى ليقال إنها لغة دهرها، وكيف جاوز بها قدرها الطبيعي بعد أن صار هو من قدرها.
نزل القرآن الكريم بهذه اللغة على نمط يعجز قليله وكثيره معاً، فكان أشبه شيء بالنور في جملة نسقه، إذ النور جملة واحدة وإنما يتجزأ باعتبار لا يخرجه من طبيعته، وهو في كل جزء من
أجزائه وفي أجزائه جملة لا يعارض بشيء إلا إذا خلقت سماء غير السماء، وبدلت الأرض غير
الأرض، وإنما كان ذلك لأنه صفى اللغة من أكدارها، وأجزاها في ظاهرها على بواطن أسرارها.
فجاء بها في ماء الجمال أملاً من السحاب، وفي طراءة الخلق أجمل من الشباب، ثم هو بما تناول بها من المعاني الدقيقة التي أبرزها في جلال الإعجاز، وصوَّرها الحقيقة وأنطقها بالمجاز، وما ركبها به من المطاوعة في تقلب الأساليب، وتحول التراكيب إلى التراكيب، قد أظهرها مظهراً لا
يقضى العجب منه، لأنه جلاها على التاريخ كله لا على جيل العرب بخاصته، ولهذا بهتوا لها حتى لم يتبينوا أكانوا يسمعون بها صوت الحاضر أم صوت المستقبل أم صوت الخلود؛ لأنها هي
لغتهم التي يعرفونها، ولكن في جزالة لم يمضغ لها شيح ولا قيصوم، ورقة غير ما انتهى إليهم من أمر الحاضرة.
وهذا معنى ليس أظهر منه في إعجاز القرآن، فإن اللغة لا تشب عن أطوار أهلها متى كانت من غرائزهم، وإنما تكون على مقدارهم ضعفاً وقوة لأنها صورتهم المتكلمة وهم صورتها المفكرة، فهي ألفاظ معانيهم وهم في الحقيقة معاني ألفاظها؛ ولذلك لا تزيد عليهم
ولا ينقصون عنها ما دام رسمهم لم يتغير وما دامت عادتهم لم تنتقل، فإن سنح لامرئ من أهل النظر أن يستدل في لغة من اللغات على آثار أمتها بنوع من القيافة المعنوية؛ كما يستدل صاحب القيافة
النظرية من الأثر في الطريق على مذهب صاحبه لا يخطئه، وعلى بعض صفاته لا يتعداها - فذلك
ممكن لا تهن فيه القوة ولا يبلغ به الإعياء، متى هو تقدم فيه بالذهن الثاقب وتعاطاه بالقريحة النافذة، لأنه يستظهر من اللغة الصفات على الموصوف، ويجعل المعروف قياساً لغير المعروف.
وأنت إذا صبغت يدك بهذا الفن من القيافة اللغوية، وحاولت أن تستخرج من لغة القرآن ما
يصف لك العرب على أخلاقهم وطباعهم ومبلغهم من العلم؛ فإنك تحاول محالاً، وتكابر فيما يأبى عليك وما ليس في الحيلة إليه غير المكابرة، حتى إن الذي لا يعتقد مستبصراً أن هذا القرآن
من عند الله إذا هو نظر فيه وأثبت حقيقته وقوي على تمييزها وكان ممن ينزلون على حكم النظم
والمعرفة، فإنه لا يجد مناصاً من رد التاريخ والتكذيب له، ثم الإقرار بان هذا القرآن إنما هو أثر
من لغة قوم جاوزوا في الحضارة حد أهلها من سائر الأجيال. وبلغوا من أحوال المدنية أرقى هذه الأحوال، وكانوا من العلوم في مقام معلوم، لأن هذا الماء الصافي الذي يترقرق في عبارته، وهذا
النظم الجيد الوثيق، وما اشتمل عليه من بدائع الأوصاف، وما فيه من روائع الحكمة ثم ما احتوى عليه من إشارات المماء إلى الأرض، وضراعة الأرض للسماء، إلى ما حله من معضلات
الاجتماع، وكشفه من وجوه السياستين النفسية والقومية، لا يكون ألبتة في لغة أمة قد أناخت بها أخلاق البداوة في ساقة الأمم حتى عبدت الأصنام، ولم تعرف من الشرائع غير شريعة الإلهام، وما
ملكها من ملوك الدهر غير سلطان الأهام.
فهو إذا قرأ قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَؤ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَؤلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَؤلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَؤلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَؤفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَؤفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) .
نقول: إذا هو قرأ هذه الآيات البينات ثم تدبرها وأحسن حَملها وتأويلها ولم يكن كدِرَ الحس ولا مريض الذوق، فإن أحرفها تسطع له من نور الأخلاق بما يرى فيه أمة تضجُّ في الحضارة وتختبط، ومدنية تضطرب في أهلها وتختلط، فلو أن أعضاء المجمع العلمي الفرنسي لعهدنا أرادوا مخاطبة أمتهم التي أوهاها الترف بلينه، وأخذت في ظن الإثم بيقينه.
ورقت فيها الأعراض وبدأ نسلها في الانقراض، وتغالت في وجوه المدح والذم، وسبح شرف أهلها يغتسل في الدم. وهبَّت فيها الرذائل بأنواعها، ورمتها كل أمة من أمم الأرض بدائها واسترسلت أخلاقَ
الفتنة بين جراثيمها، وأوشك أن يتصل ما بين تقيها وأثيمها.
واجتمعت فيها النقائض اجتماعَ
جوار، لا اجتماع نفار، من الإلحاد والإيمان، والصلة والحرمان، والحب الذي هو كالدين والعبادة إلى البغض الذي هو كالطبيعة والعادة، والائتلاف الذي ليس له تلاف، والإمساك الذي
ليس له مِساك، إلى غير مما هو ألوان صورتها الاجتماعية التي هرِمت وهي مع ذلك تتصابى،
وعلمت وهي على ذلك تتغابى، قلنا: لو أن أولئك النفر أرادوا مخاطبة هذه الأمة على أن يتخولوها بالموعظة، لما أصابوا في غرضهم أسدَّ ولا أحكم ولا أبلغ من تلك الآيات، يعرضونها
على القوم فيبصرونهم صورة مجموعهم في مرآتها، ويعرفونهم مبلغ سيئاتهم من حسناتها؛ وينفضون إليهم جملة الحال في شبه الإيجاز النظري من كلماتها فلو أن ذلك واقع ثم أثرت عن القوم هذه الموعظة ورواها التاريخ بعد الأمَدِ المتطاول، لما استطاع امرؤ ذو علم بالتاريخ وفلسفته
أن ينكر أن المراد بها الأمة الفرنسية بعينها في القرن العشرين بعينه، وانظر أين ما بدأت مما انتهيت؟
وما دام ذلك قد تحققَ في المعاني، وكانت هي سبيلاً إلى الاستدلال عليه، فالاستدلال
بالألفاظ ومسابقتها لتلك المعاني في الدقيق والجليل أيسر وأسهل.
فلا مذهبَ لمن يفهم الكتاب الكريم، ويقف على دفائن الحكمة فيه إلا أن يَدفعَ به المذهب إلى إحدى اثنتين: إما أن يعتقد أنه أنزله الذي يعلم الغيب في السموات والأرض، فجاء كما يراه:
أمراً من أمر الله، وإما أن ينكر هذا ويعتقد أن القرآن الذي بعث به النبي الأمي في أولئك الأميين
إنما وضع في زمن كانت فيه الأمة العربية غيرَ نفسها، وكانت بالغة ما شاء الله من علم وجهل،
وحضارة وبداوة، وصلاح وفساد؛ إذ يجد ما يصف كل ذلك على حقيقته الصريحة في القرآن.
وأيهما أنكر وأيهما أقرَّ، فإنه سبيل الحجة إليه ينحوها، وهو يظن أنه يمحوها. ويكشفها، ويحسب أنه يكسفها (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) . . . .
ومن المعلوم بالضرورة أن القرآن قد جمع أولئك العربَ على لغة واحدة، بما استجمع فيها من محاسن هذه الفطرة اللغوية التي جعلت أهلَ كل لسان يأخذون بها ولا يجدون لهم عنها مَرغَباً، إذ يرونها كمالاً لما في أنفسهم من أصول تلك الفطرة البيانية، مما وقفوا على حد الرغبة
فيه من مذاهبها دون أن يقفوا على سبيل القدرة عليه. ومن شأن الكمال المطلوب إذا هو اتفق في شيء من الأشياء - كهذا الكمال البياني في القرآن - أن يَجمع عليه طالبيه مهما فرقت بينهم الأسبابُ المتباينة، والصفات المتعادية؛ ولولا ذلك ما سهل أن تنقاد الجماعات في أصل تكوينها منذ البدء
انقياداً يكون عنه هذا الأثر الوراثي في طاعة الأمم لشرائعها؛ ثم لملوكها وأمرائها، مع ما تُسام