من عند الله إذا هو نظر فيه وأثبت حقيقته وقوي على تمييزها وكان ممن ينزلون على حكم النظم
والمعرفة، فإنه لا يجد مناصاً من رد التاريخ والتكذيب له، ثم الإقرار بان هذا القرآن إنما هو أثر
من لغة قوم جاوزوا في الحضارة حد أهلها من سائر الأجيال. وبلغوا من أحوال المدنية أرقى هذه الأحوال، وكانوا من العلوم في مقام معلوم، لأن هذا الماء الصافي الذي يترقرق في عبارته، وهذا
النظم الجيد الوثيق، وما اشتمل عليه من بدائع الأوصاف، وما فيه من روائع الحكمة ثم ما احتوى عليه من إشارات المماء إلى الأرض، وضراعة الأرض للسماء، إلى ما حله من معضلات
الاجتماع، وكشفه من وجوه السياستين النفسية والقومية، لا يكون ألبتة في لغة أمة قد أناخت بها أخلاق البداوة في ساقة الأمم حتى عبدت الأصنام، ولم تعرف من الشرائع غير شريعة الإلهام، وما
ملكها من ملوك الدهر غير سلطان الأهام.
فهو إذا قرأ قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَؤ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَؤلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَؤلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَؤلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَؤفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَؤفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) .
نقول: إذا هو قرأ هذه الآيات البينات ثم تدبرها وأحسن حَملها وتأويلها ولم يكن كدِرَ الحس ولا مريض الذوق، فإن أحرفها تسطع له من نور الأخلاق بما يرى فيه أمة تضجُّ في الحضارة وتختبط، ومدنية تضطرب في أهلها وتختلط، فلو أن أعضاء المجمع العلمي الفرنسي لعهدنا أرادوا مخاطبة أمتهم التي أوهاها الترف بلينه، وأخذت في ظن الإثم بيقينه.
ورقت فيها الأعراض وبدأ نسلها في الانقراض، وتغالت في وجوه المدح والذم، وسبح شرف أهلها يغتسل في الدم. وهبَّت فيها الرذائل بأنواعها، ورمتها كل أمة من أمم الأرض بدائها واسترسلت أخلاقَ
الفتنة بين جراثيمها، وأوشك أن يتصل ما بين تقيها وأثيمها.
واجتمعت فيها النقائض اجتماعَ
جوار، لا اجتماع نفار، من الإلحاد والإيمان، والصلة والحرمان، والحب الذي هو كالدين والعبادة إلى البغض الذي هو كالطبيعة والعادة، والائتلاف الذي ليس له تلاف، والإمساك الذي
ليس له مِساك، إلى غير مما هو ألوان صورتها الاجتماعية التي هرِمت وهي مع ذلك تتصابى،
وعلمت وهي على ذلك تتغابى، قلنا: لو أن أولئك النفر أرادوا مخاطبة هذه الأمة على أن يتخولوها بالموعظة، لما أصابوا في غرضهم أسدَّ ولا أحكم ولا أبلغ من تلك الآيات، يعرضونها
على القوم فيبصرونهم صورة مجموعهم في مرآتها، ويعرفونهم مبلغ سيئاتهم من حسناتها؛ وينفضون إليهم جملة الحال في شبه الإيجاز النظري من كلماتها فلو أن ذلك واقع ثم أثرت عن القوم هذه الموعظة ورواها التاريخ بعد الأمَدِ المتطاول، لما استطاع امرؤ ذو علم بالتاريخ وفلسفته
أن ينكر أن المراد بها الأمة الفرنسية بعينها في القرن العشرين بعينه، وانظر أين ما بدأت مما انتهيت؟
وما دام ذلك قد تحققَ في المعاني، وكانت هي سبيلاً إلى الاستدلال عليه، فالاستدلال
بالألفاظ ومسابقتها لتلك المعاني في الدقيق والجليل أيسر وأسهل.
فلا مذهبَ لمن يفهم الكتاب الكريم، ويقف على دفائن الحكمة فيه إلا أن يَدفعَ به المذهب إلى إحدى اثنتين: إما أن يعتقد أنه أنزله الذي يعلم الغيب في السموات والأرض، فجاء كما يراه:
أمراً من أمر الله، وإما أن ينكر هذا ويعتقد أن القرآن الذي بعث به النبي الأمي في أولئك الأميين
إنما وضع في زمن كانت فيه الأمة العربية غيرَ نفسها، وكانت بالغة ما شاء الله من علم وجهل،
وحضارة وبداوة، وصلاح وفساد؛ إذ يجد ما يصف كل ذلك على حقيقته الصريحة في القرآن.
وأيهما أنكر وأيهما أقرَّ، فإنه سبيل الحجة إليه ينحوها، وهو يظن أنه يمحوها. ويكشفها، ويحسب أنه يكسفها (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) . . . .
ومن المعلوم بالضرورة أن القرآن قد جمع أولئك العربَ على لغة واحدة، بما استجمع فيها من محاسن هذه الفطرة اللغوية التي جعلت أهلَ كل لسان يأخذون بها ولا يجدون لهم عنها مَرغَباً، إذ يرونها كمالاً لما في أنفسهم من أصول تلك الفطرة البيانية، مما وقفوا على حد الرغبة
فيه من مذاهبها دون أن يقفوا على سبيل القدرة عليه. ومن شأن الكمال المطلوب إذا هو اتفق في شيء من الأشياء - كهذا الكمال البياني في القرآن - أن يَجمع عليه طالبيه مهما فرقت بينهم الأسبابُ المتباينة، والصفات المتعادية؛ ولولا ذلك ما سهل أن تنقاد الجماعات في أصل تكوينها منذ البدء
انقياداً يكون عنه هذا الأثر الوراثي في طاعة الأمم لشرائعها؛ ثم لملوكها وأمرائها، مع ما تُسام
الأمة لذلك في باب من أبواب الإمرَةِ والحكم والتسلط، كما أن من شأن النقصِ إذا تمثل في شيء
أن يزيد في تفريق من يفترقون عنه إذا توهموه، حتى تتسعَ بينه وبينهم الغاية.
وقد كان العرب على حال يتوهم فيها كل قبيل منهم أنه أسلمُ فطرة في اللغة وأبينُ مذهباً في البيان، لأنهم لا يجدون من ذلك إلا أمثلة ترجع إلى الفطرة وتختلف باختلافها، ولا يجدون
المثال الفطري الكامل الذي تُقاس إليه القدرةُ والعجزُ في ذلك قياساً لا يلتاث ولا يختلف، ولا يحط من صنف حَقه أن يزاد فيه، ولا يزيد في صنف حَقه أن يحط منه.
ومن أعضل الأمور وأشدها التباساً أن يكون امرؤ من الناس قادراً على أن يقيس ببيانه، أو علمه بمذاهب البيان - قدرة أقوام وعجزهم في أمر معنوي كاللغة، متى كانت مذاهبهم إلى أنواع
من الاختلاف في القدرة والعجز، وخاصة إذا كان أمر اللغة فيهم إلى السليقة والفطرة، فإن من ينتصب لذلك وإن أرادَ أن يَسقط، وحاول أن لا يحول - فهو لا بد مخطىء تعيين المراتِب في
المقدار الفاضل، وتعيين ما يقابلها في المقدار المفضول، ثم مخطىء في تمييل الحكم بين المقدارين، ولا يجيء من رأيه إلا بما تعرض فيه الخصومة أو تطول، لأن قياس مثل ذلك من الفطرة لا يتهيأ إلا بعمل يحتوي كل دقائقها وما يمكن أن تبلغ إليه من الكمال المطلق الذي هو
الحدّ الأعلى في طبيعة تركيبها، ومثل هذا لا يكون ألبتة من إنسان ينزل على حكم هذه الفطرة
نفسها، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأن قابل الكمال لا يكون في نفسه حداً للكمال، ومن أجل
هذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أنه أفصح ذي لسان وأبلغُ ذي لبٍّ، لا يقاس كلامه بالقرآن، ولا يقع
منه إلا كما يقع سائر الكلام، مع أنه بين كلام الناس الغاية التي ليس بعدها ما يقال فيه إنه بعدها،
كما ستقف عليه في موضعه.
فيلزم من ذلك أن يكونَ القياس الذي أشرنا إليه أمراً فوق الطبيعة وليس فوقها الا أمر الله، وهو القائل عز وجل:
(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) .
وينبغي لك أن تطيل النظر في قوله تعالى: (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) وتقف على موقع هذا الفصل من الآية، وتتأمل لفظة (العِوَج) فضل تأمل، فإنك لا تثير دفائنها البيانية إلا إذا حملتها على ما ذهبنا إليه.
فتراها تصف القرآن بأنه فطرةُ هذه الفطرة العربية نفسها. وإنها لكلمة من الوصف الإلهي ترجح في موقعها بالكلام الإنساني كله.
فقد وضح لك أنه لولا القرآن وأسراره البيانية ما اجتمع العرب على لغته، ولو لم يجتمعوا لتبدَّلت لغاتهم بالاختلاط الذي وقع ولم يكن منه بد، حتى تنتقض الفطرة وتختبل الطباع، ثم يكون مصير هذه اللغات إلى العفاء لا محالة، إذ لا يخلفهم عليها إلا من هو أشد منهم اختلاطاً
وأكثرُ فساداً، وهكذا يتسلسل الأمر حتى تستبهِم العربية فلا تبِين - وهي أفصح اللغات - إلا بضرب
من إشارة الآثار، وتنزل منزلة هذا (الهير غليف) الذي قبره المصريون في الأحجارِ وأحيَته هذه الأحجار.
وذلك، معنى من أبين معاني الإعجاز، إذ لا تجده اتفق في لغة من لغات الأرض غير العربية، وهو لم يتفق لها إلا بالقرآن، ولقد كان أسلوبه البياني الذي جمع له العرب هو الذي
اقتضى ما أحدثه العلماء بعد ذلك من تتبع اللغات وتدوينها ورواية شواهدها، والتحفُلِ لها؛ فكان صنيعهم صلة بين اللغة وبين العلوم التي أفرغت عليها من بعد، لأن لغة من اللغات لا تحيا ولا
تموت إلا بحسب اتصالها بمادة العلم الذي به حياة أهلها وموتهم، وهي لا يلبسها العلم إلا إذا كانت قشيبة محكمة، لا تضيق عن أنواعه وفروعه ولا يخلقها الاستعمال.
وإنما شباب هذه الحياة اللغوية أن تكون اللغة لينة شديدة كما يكون كمال الإنسان بقوة الخلق والخلق: وهذا وجه لو لم يقمها عليه القرآن لما استقامت أبداً، ولا وقفت على طريقه، ولا
تلاقى فيه آخرها باولها، لما أومأنا إليه.
وسنزيد هذا لمعنى بياناً إن شاء الله.
ويبقى وجه آخر من تأثير القرآن في اللغة، وهو إقامة أدائها على الوجه الذي نطقوا به،
وتيسير ذلك لأهلها في كل عصر، وإن ضعفت الأصول واضطربت الفروع، بحيث لولا هذا الكتاب الكريم لما وجد على الأرض أسود ولا أحمر يعرف اليوم ولا قبل اليوم كيف كانت تنطق
العرب بألسنتها وكيف تقيم أحرفها وتحقق مخارجها.
وهذا أمر يكون في ذهابه ذهاب البيان العربي جملتِه أو عامته، لأن مبناه على أجراس الحروف واتساقها، ومداره على الوجه الذي تؤدى به الألفاظ، وأنت قد ترى الضعفاء الذين لا يحكِمون منطقَهم وما يصنعون بالأساليب المدمَجة والفِقر المتوثقة إذا هم تعاطوها فنطقوا بها،
حتى ليصير معهم أجود الكلام في جزالته وقوة أسرِه وصلابة معجمِهِ إلى الفسولة والضعفِ، وإلى البرد والغثاثةِ، كأنما يموت في ألسنتهم موتاً لا رحمة فيه. .
لا جَرَم أن اللغة التي يذهب منها ذلك لا ينطق بها إلا على الحكاية السقيمة، ولا جرم أن بعض السقم يدفع إلى بعضه، وأن جملة ذلك تفضي إلى الموت.
فهذه معافي سامية غريبة انفردت بها العربية، ولولا القرآن ما كانت فيها وما ينبغي لها بكلام غيره؛ إذ ليس في غيره ما يبلغ أن يكون حداً للكمال اللغوي في الفطرة، فيتعلق بمثل أثره في العرب وأحوالهم وتاريخهم، أو يقع من ذلك على مقدار مقسوم، أو يكون له فيه حق معلوم.
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَؤ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) .
صدق الله العظيم، ومن أصدق من اللهِ قيلا؟!! .
الجنسيَّة العربية في القرآن
لك بعض ما تناصرت عليه الأدلة واجتمعت على صحته، من تأثير القرآن في اللغة وما أصلح الله لأهلها في هذه البقية، حفظاً لكتابه، وإظهاراً لوجه من وجوه إعجازه الخالدة؛ ولكن
هذا القرآن يهدي للتي هي أقومُ. وحسبه معجزة ما تقول فيه من صفة الجنسية العربية التي جعل
الأمم أحجاراً في بنائها والدهرَ على تقادُمه كأنه أحد أبنائها، وأقام منها مغضلة سياسية، في
الأرض وضعها ونقدها، وفي السماء حلها وعقدها، وشَد بها المسلمين فهم إذا ائتلفوا انضموا
كالبنيان المرصوص، وإذا تفرقوا سطعوا في تيجان الممالك كالفصوص، وما إن يزالوا في التاريخ
مرةَ أضوله، ومرة فصوله، وإن لم يقوموا أحياناً بالدين، قام بهم هذا الدينُ إلى حين، وكيف وقد
جمعهم الكتاب الذي أُنزل من السماء فكان مثال آدابها، وانتشر في الأرض فكان خلعة شبابها،
ودعا إليه الناس على اختلافهم فكأنما (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) .
ونحن فقد نعلم أن هذه المعجزة ليست إلى اللغة في مَرَدها من الفائدة، فإنما هي ترمي إلى وحدة سياسية تكون كالنبض لقلب هذا العالم كما سيأتيك. بيَد أن سبيل ذلك من اللغة، فإن
القرآن تنزلَ من العرب منزلة الفطرة اللغوية التي يساهم فيها كل عربي بمقدار ما تهيأ له من أسبابها الطبيعية، إذ كان بما احتواه من الأساليب، وما تناوله من أصول الكمال اللغوي، وما دار عليه من
وجوه الوضع البياني - قد هَتَك الحوائل ومحا الفرق التي تبين قرائح العرب اللغوية بعضها من
بعض، فاجتمعت منه على الكمال الذي كانت تتخيله ولا تألو عما يدنيها إليه معالجة واكتساباً؛
ولو أنهم تمالأوا طوالَ الدهر على أن يهذبوا من لغتهم ليبلغوا بها مبلغ الكمال الوضعي، على النحو الذي جاء به القرآن، لما ازدادوا إلا تعادياً في الرأي؛ وتباعداً عما يجنحون إليه إذ تنزع كل
فطرة إلى منزعها في كل قبيل، فيزيد الناقص منهم نقصاً فطرياً وهو يحسبه كمالاً، ويبعد الكامل
عن حقيقة ما يلتمسه من الكمال بعد أن يرى غيره قد حسبه نقصاً، لأن الفطرة لا تنقاد إلا بالإذعان، ولا تذعن إلا لما يكون في حد كمالها المطلق، وليس في تاريخ العرب اللغوي من
ذلك بالتحقيق قبلَ القرآن ولا بعده غير القرآن.
تلك سياسة هذا القرآن: جمع العرب لمذهب الأقدار وتصاريف التاريخ. رأى ألسنتهم تقود أرواحهم، فقادهم من ألسنتهم وبذلك نزل منهم منزلة الفطرة الغالبة التي تستبد بالتكوين العقلي في كل أمة.
فتجعل الأمة كأنما تحمل من هذا العقل مفتاحَ الباب الذي تلج منه إلى مستقبلها؛ فإن كل
أمة تستفيد عقلها الحاضر من ماضيها، لتفيد مستقبلها من هذا العقل بعينه، فلما استقاموا له أقامهم
على طريق التاريخ التي مرَّت فيها الأمم، وطرحت عليها نقائصها فكانت غبارَها، وأقامت فضائلها فكانت آثارها؛ فجعلوا يبنون عند كل مرحلة على أنقاض دولة دولة، ويرفعون على أطلال كل
مذلة صولة، ويخيطون جوانب العالم الممزق بإبر من الأسنة، وراءها خيوط من الأعنَّة؛ حتى
أصبح تاريخ الأرض عربياً، وصار بعدَ الذلة والمسكنة أبيا، واستوسَقَ لهم من الأمر ما لم تروِ
الأيام مثل خبره لغير هؤلاء العرب، حتى كأنما زويت لهم جوانب الأرض، وكأنما كانوا حاسبين يمسحونها؛ لا غزاة يفتحونها؛ فلا يبتدئ السيف حسابَ جهة من جهاتها حتى تراه قد بلغ
بالتحقيق آخره. ولا يكاد يشير إلى (قطر) من أقطارها إلا أراك كيف تَدور عليه (الدائرة) .
وإن هذا الأمر لحقيقَ أن تذهب من تعليله نفوس الحكماء في ألوان من المعاني متشابهِ وغير متشابه، فإنما هو أمر إلهي كيفما أدرته رأيت في جانبه الذي يليك ضوءاً كضوء الصواعق، وحركة
كحركة الزلازل، وقوة كالتي تتسلط بها السماء على الأرض، فكأنك تتأمل منه صورة الطبيعة، أو الطبيعة المعنوية في عالم التاريخ.
ولو أن رمال الدهناء نفضت على الأرض جنوداً عربية لما
عَدَت أن تكون آفة اجتماعية تهلك الحرث والنسل، وتدع الشعوب متناثرةَ كبقايا البناء الخرِب، ثم لا تكون إلا أيام يتداولونها بينهم حتى تتنفس الأرض من بعدهم فتذهب آثارهم الظالمة في حر
أنفاسها، وتنقضي أعمالهم فتنطوي من الزمن في أرماسها، إذ كان لا يهجم على الأرض منهم أكثر
من أمر البطون الجائعة وما إليها. . . ولعمرك ما العرب وما غير العرب من الشعوب البادية إلا بطونهم، حتى لأحسبهم إذا اجتمعوا كانوا معدة الأرض. وكان أهل السَّرف في فنون الملاذ من
الحضريين أمعاءها.
وما أظن مرجع ذلك إلى غير القرآن، بل أنا مستبصر في صحة هذا المعنى، مستيقن أنه مذهب التعليل إلى الحقيقة بعينها؛ لأن القرآن هو صفي تلك الطباع، وصقل جوانب الروح
العربية، حتى صارت المعاني الإلهية تتراءى فيها وكأنها عن معاينة. فكأنما كان العرب يقطعون الأرض في فتوحهم ليبلغوا طرفاً من أطراف السماء فينفذوا إلى ما وعدهم الله ويتصلوا بما أعد لهم.
ولو لم يكن القرآن قد سلك إلى ذلك مسلكه من الفطرة اللغوية في نفوسهم حتى استبد بها في مستقرها، وصرفها في وجوه معانيه - ما بلغ من القوم رأياً ولا نيةَ، ولأوشك أن يكون في
مقاماتِ البيان عندهم وما يَهتف به شعراؤهم وخطباؤهم - ما يذهب به جملة ويمسح أثره في القلوب، ولا يدع له مَساغاً إلى ما وراء السمع، لأن هؤلاء تنفث عليهم ألسنتهم بأفصح الفصيح
وأبين البيان في رأي العرب، وإن لم يكن كلامهم بتلك المنزلة، ولكن الحمية والعصبية واللحمة ومؤاتاة الهوى، كلها فصيح وكلها بيان، وليس الشأن في اللغة وألفاظها ومعانيها، وإنما الشأن فيما
يمكن أن تفهمه النفس من كل ذلك؛ وهي لا تفهم إلا ما يكشف عن طبائعها ويبين عن أخلاقها وعاداتها.
ولولا اختلاف النفوس في هذا الفهم ما رأيت اللغة اللواحدة عند أهلها كأنها في المعنى لغات متباينة؛ فرب كلمة من لغة رجلين وإذا سمعاها رأيتها كأنما هي ليست من لغة أحدهما، فلا تبلغ منه ولا تمسه، كأن تكون كلمةَ من باب الحفاظ يسمعها عزيز وذليل، أو لفظة من الكرم
يلقاها جوادٌ وبخيل.
أنت إذا أنعمت على تدبر هذا المعنى، وأطلت تقليب الرأي فيه، وكان لا يعتريك الخواطر إلا ما أحكمه العقل - فإنك واجدَ منه سبيلا إلى وجه من أبين وجوه الإعجاز اللغوي
القرآن الكريم، فهو قد سفه أحلام العرب، وخلع آلهتهم، وقمع طغيانهم، واشتد عليهم بالله محضاً بعد اللين ممزوجاً، حتى جعلت وإؤهم كأنما ترقرق في بعض آياته، ثم لم يهدأ عنهم،
ردد ذلك وكرره، وعمهم به، وأرسله في كل وجه، وقرع أنوفهم؛ وهاج منهم حمية الجاهل:
وجاراهم في مضمار المخاطرة، وإلى حد المقارعة على عزة العشيرة وكثرة الحصى؛ وهم الذين
كانت لهم كل هتفة كأن الأرواح هواة في صوتها، فلا يهتف بها حتى تنهض الأجسام لموتها، تسيرُ على الأرض بالرجال، حتى تطير إلى السماء بالآجال؛ ثم لم يمنعهم ذلك وما إلى ذلك أن ينقادوا ثم ينقادوا!
لا جرم أنها كانت الفطرة اللغوية لا غير؛ وإلا فما بال هؤلاء العرب قد خرجوا من تاريخهم
بعد الإسلام كأنما نزعوا جلدتهم نزعاً، على حين كانت لهم الأمور المطمئنة، والصفا المتوارثة؛ من أخلاقٍ شبُّوا عليها، وعادات ينازعون إليها، وطبائع هم بها أخص وهي بهم أملك
ولم يكونوا مقطوعين عن التاريخ، بل كان لهم ماضٍ أحسن ما تكلف به الأمم، وكانوا على
أحرص ما تكون أمة على ماضيها - كما نصفه في غير هذا الموضع - فلا الزمان تولاهم بعمله وهم
في أرضهم بمقدار ما بنى أو قريباً من ذلك، ولا هم ورثوا طباعاً من طباع وأخلاقاً من أخلاقٍ
وخرجوا من ماضيهم كما تخرج أمة من أمة في سلسلة طويلة الذرع من حلقات الأجيال التي هي
درجات للنشوء في تاريخ كل مجتمع، ولا رأيناهم فيما وراء ذلك كالشعوب التي تمخض الحوادث مخضاً شديداً، وتتعاورها بالحروب والفتن، فتهدمها أنقاضاً ولا تبدل منها إلا الشكل
الاجتماعي، وإلا هيئة الوضع، والأمة بعد ذلك هي هي كيف هُدِمت وكيف بنيت: لا تزال على
أعراقها وأخلاقها، وربما عصفت الثورة الكبرى بأمة من الأمم، وألحت عليها بالفتن دائبة.
تسكن العاصفة، وتقر الزلزلة، وتطمئن الأرض وأهلها، ولا يكون من جداء ذلك كله إلا اصطلاح
لغوي في تاريخ الأمة لا يغني من الحق شيئاً؛ كان تكون الأمة غريرة جاهلةَ مستبداً بها على وجه
من الاستبداد، ثم تصير بعد الثورة غريرة جاهلة أيضاً، ولكن في استبداد على وجه آخر!
فالقرآن الكريم بتمكنه من فطرة العرب على وجهه المعجز، قد نزل منهم منزلةَ الزمان في عمله وآثاره، لأن الذي أنزله بعلمه وقدره بحكمته إنما هو خالقُ الزمن نفسه، فهدم في نفوس
العرب، وكان هدمه بناء جديداً جعل الأمة نفسها قائمة على أطلال نفسها، وبذلك أحكم عمل
الوراثة الذي تعمله في الغرائز والطباع، إذ تبني بالهدم، وتقيم التاريخ من أنقاض التاريخ؛ وهذا
هو الفرق بين العمل الإنساني والعمل الإلهي. وبين شيء يسمى ممكناً وشيء يسمى معجزاً.
بلى، ولقد يخيل إليَّ أن ألفاظ القرآن كانت تلبس العرب حتى تتركهم كالمعاني السائرة التي
لا تزال تطيف بالرؤوس.
فما بين العقل وبين أن تلجه هوَادة، ولا بين الوهم وبين أن تصدعه
منزلة، وكل ما يجيء من قبل الطبع وعلى حكم الفطرة لا يراه أهله نظراً يقبلونه أو يردونه،
ولكنهم يرونه ضرورةَ مقضِية ليس لهم على حالٍ بد من قبولها. وإلا فأي قوم كان هؤلاء الجفاة
وهم لم يستصلحوا أنفسهم إلا بما يفسد جماعتهم، ولم يأبوا أن يرأموا لذل غيرهم إلا ليضرب
بعضهم الذلة على بعض؛ ولم يتخذوا السيف ناباً إلا ليأكلهم، ولا الحرب ضرساً إلا لتمضغهم. .
وكانا أهل جزيرة واحدة وكأنهم في تناكرهم أهل الأرض كلها من قاصية إلى قاصية.
ثم ما عسى أن يكون أمرهم إذا هم قرعوا صفاة الأرض والحال فيهم ما علمت، إلا ما يكون من أمر الحصاة يقرع بها الطود الأشم ثم تنحدر عنه بصوت كالأنين، إن يكن منها فهو
لَعَمرُك استخذاء، وإن كان من الجبل فهو لعمري استهزاء. . .
ولقد كان من إعجاز القرآن أن يجمع هؤلاء الذين قطعوا الدهر بالتقاطع على صفة من الجنسية لا عصبية فيها إلا عصبية الروح، إذ أخذهم بالفطرة حتى ألف بين قلوبهم، وساوى
بين نفوسهم، وأجرأهم على المعدلة في أمورهم، فجعل منهم أمة تسع الأمم بوجهها كيف أقبلت، لأنها لا توجهه إلا لله، فكان بينها وبين الله كل ما تحت السماء.
ومن هذا المعنى نشأت الجنسية العربية، فإن القرآن بدأ كما علمت بالتأليف بين مذاهب الفطرة اللغوية في الألسنة، ثم
ألَف بين القلوب على مذهب واحد، وفرغ من أمر العرب فجعلهم سبيلاً إلى التأليف بين ألسنة
الأمم ومذاهب قلوبها، على تلك الطريقة الحكيمة التي لا يأتي علم التربية في الأمم بأبدع منها.
فأما التوفيق بين مذاهب قلوبهم؛ فبالدين الطبيعي الذي جاء به القرآن ولو نزعت الطبيعة الإنسانية إلى غير معانيه لكانت طبيعة شر وإن ظنت منزعها إلى الخير، وأما التأليف بين ألسنتهم
فيما ذهب إليه من المعنى العربي الذي حفظه القرآن على الدهر، ببقائه على وجهه العربي الفصيح
لفظاً وحفظاً وأداء، لا يجد إليه التبديل سبيلاً، ولا يأتيه الباطل موجهاً أو محيلا، ولا يدخله التحريف كثيراً أو قليلاً، بحيث كأنه عقدة لغوية لا تحلل منها الألسنة المختلفة أبداً؛ وهذا من
أرقى معاني السياسة، فإن الأمم إن لم تكن لها جامعة لسانية، لا يجمعها الدين ولا غير الدين إلا جمع تفريق؛ وجمع التفريق هذا هو الذي يشبه الاجتماع في الأسواق على البياعات وعروض التجارة ونحوها، فإن سوق الأمم تتاجر فيها الأديان والأهواء وتكدح فيها المصالح والمفاسد،
وفيها كذلك التغرير والخطار، والكذب والخداع، ولكل من أهلها شرعة ومنهاج.
فبقاء القرآن على وجهه العربي، مما يجعل المسلمين جميعاً على اختلاف ألوانهم، من الأسود، إلى الأحمر، كأنهم في الاعتبار الاجتماعي وفي اعتبار أنفسهم جسمٌ واحد ينطق في لغة