يلقاها جوادٌ وبخيل.
أنت إذا أنعمت على تدبر هذا المعنى، وأطلت تقليب الرأي فيه، وكان لا يعتريك الخواطر إلا ما أحكمه العقل - فإنك واجدَ منه سبيلا إلى وجه من أبين وجوه الإعجاز اللغوي
القرآن الكريم، فهو قد سفه أحلام العرب، وخلع آلهتهم، وقمع طغيانهم، واشتد عليهم بالله محضاً بعد اللين ممزوجاً، حتى جعلت وإؤهم كأنما ترقرق في بعض آياته، ثم لم يهدأ عنهم،
ردد ذلك وكرره، وعمهم به، وأرسله في كل وجه، وقرع أنوفهم؛ وهاج منهم حمية الجاهل:
وجاراهم في مضمار المخاطرة، وإلى حد المقارعة على عزة العشيرة وكثرة الحصى؛ وهم الذين
كانت لهم كل هتفة كأن الأرواح هواة في صوتها، فلا يهتف بها حتى تنهض الأجسام لموتها، تسيرُ على الأرض بالرجال، حتى تطير إلى السماء بالآجال؛ ثم لم يمنعهم ذلك وما إلى ذلك أن ينقادوا ثم ينقادوا!
لا جرم أنها كانت الفطرة اللغوية لا غير؛ وإلا فما بال هؤلاء العرب قد خرجوا من تاريخهم
بعد الإسلام كأنما نزعوا جلدتهم نزعاً، على حين كانت لهم الأمور المطمئنة، والصفا المتوارثة؛ من أخلاقٍ شبُّوا عليها، وعادات ينازعون إليها، وطبائع هم بها أخص وهي بهم أملك
ولم يكونوا مقطوعين عن التاريخ، بل كان لهم ماضٍ أحسن ما تكلف به الأمم، وكانوا على
أحرص ما تكون أمة على ماضيها - كما نصفه في غير هذا الموضع - فلا الزمان تولاهم بعمله وهم
في أرضهم بمقدار ما بنى أو قريباً من ذلك، ولا هم ورثوا طباعاً من طباع وأخلاقاً من أخلاقٍ
وخرجوا من ماضيهم كما تخرج أمة من أمة في سلسلة طويلة الذرع من حلقات الأجيال التي هي
درجات للنشوء في تاريخ كل مجتمع، ولا رأيناهم فيما وراء ذلك كالشعوب التي تمخض الحوادث مخضاً شديداً، وتتعاورها بالحروب والفتن، فتهدمها أنقاضاً ولا تبدل منها إلا الشكل
الاجتماعي، وإلا هيئة الوضع، والأمة بعد ذلك هي هي كيف هُدِمت وكيف بنيت: لا تزال على
أعراقها وأخلاقها، وربما عصفت الثورة الكبرى بأمة من الأمم، وألحت عليها بالفتن دائبة.
تسكن العاصفة، وتقر الزلزلة، وتطمئن الأرض وأهلها، ولا يكون من جداء ذلك كله إلا اصطلاح
لغوي في تاريخ الأمة لا يغني من الحق شيئاً؛ كان تكون الأمة غريرة جاهلةَ مستبداً بها على وجه
من الاستبداد، ثم تصير بعد الثورة غريرة جاهلة أيضاً، ولكن في استبداد على وجه آخر!
فالقرآن الكريم بتمكنه من فطرة العرب على وجهه المعجز، قد نزل منهم منزلةَ الزمان في عمله وآثاره، لأن الذي أنزله بعلمه وقدره بحكمته إنما هو خالقُ الزمن نفسه، فهدم في نفوس
العرب، وكان هدمه بناء جديداً جعل الأمة نفسها قائمة على أطلال نفسها، وبذلك أحكم عمل
الوراثة الذي تعمله في الغرائز والطباع، إذ تبني بالهدم، وتقيم التاريخ من أنقاض التاريخ؛ وهذا
هو الفرق بين العمل الإنساني والعمل الإلهي. وبين شيء يسمى ممكناً وشيء يسمى معجزاً.
بلى، ولقد يخيل إليَّ أن ألفاظ القرآن كانت تلبس العرب حتى تتركهم كالمعاني السائرة التي
لا تزال تطيف بالرؤوس.
فما بين العقل وبين أن تلجه هوَادة، ولا بين الوهم وبين أن تصدعه
منزلة، وكل ما يجيء من قبل الطبع وعلى حكم الفطرة لا يراه أهله نظراً يقبلونه أو يردونه،
ولكنهم يرونه ضرورةَ مقضِية ليس لهم على حالٍ بد من قبولها. وإلا فأي قوم كان هؤلاء الجفاة
وهم لم يستصلحوا أنفسهم إلا بما يفسد جماعتهم، ولم يأبوا أن يرأموا لذل غيرهم إلا ليضرب
بعضهم الذلة على بعض؛ ولم يتخذوا السيف ناباً إلا ليأكلهم، ولا الحرب ضرساً إلا لتمضغهم. .
وكانا أهل جزيرة واحدة وكأنهم في تناكرهم أهل الأرض كلها من قاصية إلى قاصية.
ثم ما عسى أن يكون أمرهم إذا هم قرعوا صفاة الأرض والحال فيهم ما علمت، إلا ما يكون من أمر الحصاة يقرع بها الطود الأشم ثم تنحدر عنه بصوت كالأنين، إن يكن منها فهو
لَعَمرُك استخذاء، وإن كان من الجبل فهو لعمري استهزاء. . .
ولقد كان من إعجاز القرآن أن يجمع هؤلاء الذين قطعوا الدهر بالتقاطع على صفة من الجنسية لا عصبية فيها إلا عصبية الروح، إذ أخذهم بالفطرة حتى ألف بين قلوبهم، وساوى
بين نفوسهم، وأجرأهم على المعدلة في أمورهم، فجعل منهم أمة تسع الأمم بوجهها كيف أقبلت، لأنها لا توجهه إلا لله، فكان بينها وبين الله كل ما تحت السماء.
ومن هذا المعنى نشأت الجنسية العربية، فإن القرآن بدأ كما علمت بالتأليف بين مذاهب الفطرة اللغوية في الألسنة، ثم
ألَف بين القلوب على مذهب واحد، وفرغ من أمر العرب فجعلهم سبيلاً إلى التأليف بين ألسنة
الأمم ومذاهب قلوبها، على تلك الطريقة الحكيمة التي لا يأتي علم التربية في الأمم بأبدع منها.
فأما التوفيق بين مذاهب قلوبهم؛ فبالدين الطبيعي الذي جاء به القرآن ولو نزعت الطبيعة الإنسانية إلى غير معانيه لكانت طبيعة شر وإن ظنت منزعها إلى الخير، وأما التأليف بين ألسنتهم
فيما ذهب إليه من المعنى العربي الذي حفظه القرآن على الدهر، ببقائه على وجهه العربي الفصيح
لفظاً وحفظاً وأداء، لا يجد إليه التبديل سبيلاً، ولا يأتيه الباطل موجهاً أو محيلا، ولا يدخله التحريف كثيراً أو قليلاً، بحيث كأنه عقدة لغوية لا تحلل منها الألسنة المختلفة أبداً؛ وهذا من
أرقى معاني السياسة، فإن الأمم إن لم تكن لها جامعة لسانية، لا يجمعها الدين ولا غير الدين إلا جمع تفريق؛ وجمع التفريق هذا هو الذي يشبه الاجتماع في الأسواق على البياعات وعروض التجارة ونحوها، فإن سوق الأمم تتاجر فيها الأديان والأهواء وتكدح فيها المصالح والمفاسد،
وفيها كذلك التغرير والخطار، والكذب والخداع، ولكل من أهلها شرعة ومنهاج.
فبقاء القرآن على وجهه العربي، مما يجعل المسلمين جميعاً على اختلاف ألوانهم، من الأسود، إلى الأحمر، كأنهم في الاعتبار الاجتماعي وفي اعتبار أنفسهم جسمٌ واحد ينطق في لغة
التاريخ بلسان واحد، فمن ثم يكون كل مذهب من مذاهب الجنسية الوطنية فيهم قد زال عن
حئزه، وانتفى من صفته الطبيعية، لأن الجنسية الطبيعية التي تقدر بها فروض الاجتماع ونوافلها
إنما هي في الحقيقة لون القلب لا سَحْنَةَ الوجه.
وقد ورث المسلمون عن أوليتهم هذا المعنى: فلا يعلم في الأرض قوم غيرهم يعتصمون بحبل دينهم وأيديهم في الأغلال، ويجنحون إليه بأعناقهم وهي في ربَق الملوك من الإذلال
ويخصونه بقلوبهم حتى يكون أملك بها وأغلب عليها ولا يحتملون فيه سخطة، ولا يؤثرون عليه
رضى، ولا يعدلون به عدلاً، ويتبرمون بكل ضيق إلا ما كان من أجله، ويرضون المحنة في كل
شيء إلا فيه، ثم هم لا يرون أنفسهم المؤمنة في إحساس الفطرة، ومذهب الطبيعة إلا أنها بقايا
سماوية في الأرض تباين كل ما فيها (أي الأرض) ويشبه بعضها بعضاً بالصفة والخاصة أني وجدت:
وكيف اتفقت وعلى أي حالة كانت، وهذا كله مشاهد فيهم على أتمه وأبلغه، بعد كل ما رهقهم.
بالعجز عن مداولة الأيام، وصدمهم من أهل الاستبداد بكل محنة من الآلام، وتوردهم من الزمان
بكل سفه يعد في السياسة من الأحلام.
على أنهم لا يعرفون أصل ما يحسونه، ولا يتصلون إلى سببه، وكأنما تقطع ما بينهم وبين
أسلافهم، وقد بقي القرآن على ذلك معروفاً مجهولاً، ينفعهم بما عرفوا منه ولا يضرونه بما يجهلون (فَإِنْ تَوَلَّؤا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) .
وإن من أعجب ما يروعنا من أمر الجنسية العربية فىِ القرآن: أنها تأبى إلا أن تحفظ على: أهلها تلك الصفات العربية؛ من الأنفة والعزة والصوت والغَلَب: وما يكون من هذا الباعث الاجتماعي الذي لا يزال يفتح للشعوب عن مقاصير الأرض.
كما أنها تستبقي طاعة المغلوبين الذين أعطوا للفاتحين عن أيديهم، وانطرحوا في غمرهم
وكانوا أهل ذمتهم: لانتحالهم العربية طوعاً أو كرهاً، ثم بقائها في ألسنتهم على نسبة بينة من
الفصيح مهما ركت ومهما رذلت؛ ولولا القرآن وأنه على وجه واحد وهيئة ثابتة، ما بقيت العرب، ولا تبينت النسبة بين فروعها العامية، بل لذهب كل فرع بما أحدث من الألفاظ، وما استجد من
ضروب العبارة وأساليبها، حتى يتسلل كل قوم من هذه الجنسية إن كانوا من أهلها أو من أهل
ذمتها، ثم لا تستحكم لهم بعد ذلك ناحية من الائتلاف ولا يستمر لهم سبب من الارتباط.
ويوشك أن لا يستقبلوا بعد من قادة الأمم وحيتان الأرض إلا مَن يستدبرهم راعياً أو ملتهماً. ثم يمكَّن لهم من دينهم، ثم لا يثبتون عليه إلا ريثما يتحولون في استحاقهم بالأمة التي وثبت بهم وما
مضوا في ذلك على العزيمة والتشدد، فإنه لا عزيمة لقلب خذله اللسان، ولا تشدد للسان خذله القلب، ولا استقلال لشعب تخاذلت ألسنتهم وقلوبُهم، وتلك سنة من السنن (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا) .
ومَن للأمم بمثل هذا الاستعمار
اللغوي الذي لم يتهيأ إلا للقرآن، وهو بعد زمام السياسة مهما جمحت في الأرض.
ولقد ترى اليوم هذه التوراة وهذه الأناجيل وما يقرؤها بلغتها الأصلية إلا شرذمة قليلة من اليهود وغير اليهود الذين يعيشون على أحلام الذاكرة.
ولا نرين أن ذلك استبقاء فلولا أن الشذوذ
لا يتخلف كأنه قاعدة مطردة ما قرأها منهم أحد، ثم استبدلت الألسنة واللغات بهذه الكتب، فهي
شريعة ولا هي جنسية جامعة، وإنما نراها في كل أمة من الأمة نفسها، ولذا سهلَ على كثير منهم
أن ينبذوها، وصار أكثرهم لا يتدارسونها ولا يقرؤون فيها إلا إذا أرادوا الاستغراق في رؤيا تاريخية، والعارف عارف من يثبت فصولها ومعانيها، أو يعرف ذلك فضل معرفة.
وانظر كم ترى بين صنيع القبائل الجرمانية (الغوط) وبين صنيع العرب، فإن أولئك أغاروا
على إيطاليا في القرن الخامس للميلاد وانتقصوها من أطرافها ولم يكن إلا أن ملكوها حتى ملكتهم، إذ تركوا أهلها وعادتهم من اللغة - وغير اللغة - ثم أخذوا يتحضرون من بَداوة ويستأنسون
إلى الحضارة الرومانية، حتى رغبوا في العلم، فاستجادوا المهرَةَ من علماء الرومان، ونصبوهم
لوضع الكتب وتأليفها، فوضعها لهم هؤلاء باللغة اللاتينية، وهم قرأوها بها وأقروها عليها، فذهب
غوطتهم وذهبوا على أثرها، وأدالت اللغةُ الرومانية لأهلها منهم، فأخذتهم رجفة التاريخ فأصبحوا
في الرومانية جاثمين كأن لم يَغنوا في لغة قبلها! ألا فاقبِل أنت على هذا المعنى وتدبره حتى تُحكم ما وراءه، فلقد تركوها آية بينة!
وبعد، فهذا الذي أمسكه القرآن الكريم من العربية لم يتهيأ في لغة من لغات الأرض. . ولن تلاحق أسبابه في لغة بعد العربية. وهذه اللغة الجرمانية انشقت منها فروع كثيرة في زمن جاهليتها،
واستمرت ذاهبة كل مذهب، وهي تثمر في كل أرض بلونٍ من المنطق، وجنس من الكلم، حتى
القرن السادس عشر للميلاد، إذ تعلق الدين والسياسة معاً بفرع واحد من الفروع، هو الذي نقلت
إليه التوراة، فاهتزَ ورَبا وأورق من الكتب وأزهرَ من العقول وأثمر من القلوب، وبعد أن صار لغةَ
الدين صار دين التوحيد في تلك اللغات المتشابهة، وبقيت هي معه إلى زَيْغ حتى انطوت في ظله،
ثم ضحى بنوره فإذا هي في مستقرها من الماضي، ونسيت نسيانَ الميت.
وقد كان بسق من فروع الجرمانية فرعان: الإنكليزي، والهولاندي، وكلاهما استقل حتى
ضرب في الأرض بجذر، ثم أنافَ الإنكليزي حتى صار ما عداه من ظله، وهذا إلى فروع أخرى قد انشعبت في الأرض الجرماني، كالأسوجي والايسلندي وغيرهما.
واللاتينية، فقد استفاضت في أوروبا حتى خرجت منها الفرنسية والطليانية والإسبانية وغيرها، وكان منها علمي وعاميّ بلغة العلم ولغة اللسان، ثم أنت ترى اليوم بين تلك اللغات
جميعها وبين ما تخئف منها في مناطق هذا الجيل، ما لا تعرف له شبيهاً في المتباعدات المعنوية، حتى كان بين اللغةِ واللغة العدَمَ والوجود.
فالعربية قد وصلها القرآن بالعقل والشعور النفسي، حتى صارت جنسية فلو جُنَّ كل أهلها.
وسخوا بعقولهم على ما زَينت لهم أنفسهم من الإلحاد والسياسة كجنون بعض فتياننا. . لحفظها
الشعور النفسي وحده، وهو مادةُ العقل بل مادة الحياة؛ وقد يكون العقل في يد صاحبه يضمن ويسخو، ولكن ذلك النوع من الشعور في يد الله، وهذا من تأويل قوله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) .
ولولا هذا الشعور الذي أومأنا إليه لدونت العامية في أقطار العربية زمناً بعد زمن، ولخرجت بها الكتب، ولكان من جهلة الملوك والأمراء وأشباههم ممن تتابعوا في التاريخ العربي. .
من يضطلع من ذلك بعمل، إن لم يكن مفسدة فمصلحة يزعمها، كالذي فعله بعض ملوك الرومان
وبعض شعرائهم في تدوين العامية من اللاتينية، حتى خرج منها اللسان الطلياني، وكما فعل اليونان
في استخراج اللسان الرومي، وهو العامي من اليونانية. ولولا أن أحداً استقبل من ذلك شيئاً وأراد
أن يحمل الناس عليه لاستقبل أمراً بعض ما فيه العنت كله والضياع بجملته، ولشق على نفسه في
بلوغ إرادة لها من شعور كل نفس عدو، حتى يستفرغ ما عنده وكأنه لما يبدأ مع الناس في بدء لأن
له مدة نفسه وحدها وللناس عمر التاريخ كله؛ ومتى لم يقع على فرق ما بين الاثنين، وأراد أن يتولى عمل التاريخ، فليس بدعاً أن يجعله التاريخ بعض عمله؛ (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) .
آدابُ القرآن
ونحن الآن تلقاء نوع آخر من الإعجاز الأدبي، وهو ضريب تلك المعجزة السياسية التي أومأنا إليها في الفصل المتقدم، وسنقولُ فيه على وجه من الإيجاز والتحصيل؛ فإن آداب هذا
الكتاب الكريم إنما هي آداب الإنسانية المحضة في هذا النوع أنى وجدت وحيث تكون. إذا لم يراوغ الناسُ معنى الإنسانية في أنفسهم، ولم يتمنوا فيها الأماني الباطلة، ولم يصدموها بالعنت بين
كل رغبة ورغبة وبين كل رأي ورأي؛ لا ترى أن أمة تفضل حتى تضيق هذه الآداب عنها، أو قبيلاً
يلتوي حتى تكون منه بمقصر، أو قوماً يصلحون حتى لا تصلح لهم، فإنها بعد آداب الفطرة التي لا تتغير في هذا الخلق، على ما بين طوائفه من التباين، وعلى الضروب المختلفة من أساب هذا
التباين وعلله، مما ترجع جملته إلى تنوع الصور النفسية العامة التي تنشأ من الأفكار والعادات وما
إليها من الأجزاء التاريخية التي تجتمع منها الأمم، وتنشأ منها قواعد الحكم وضوابط الاجتماع
ونحوها من الكليات التي يتألف تاريخ الأمة من آثارها.
ولا شيء يثبه نظام هذه الفطرة في تسويتها بين الناس على ما وصفنا من أمرهم، إلا نظام الجاذبية في تأليفه بين الأجرام المتفاوتة وإمساك جملتها على اختلاف ما بينها وتباعدها فيما وراء
ذلك؛ وليس نظام الجاذبية في التسبب لإصلاح العالم الكبير إلا شبهاً من الفطرة النفسية، ولا نظام
هذه الفطرة في الإنسان الذي هو العالم الصغير إلا شبهاً من تلك الجاذبية. وكلاهما يغني شأناً أراده الله من خلق السموات والأرض، وهو الذي يمسك السموات والأرضَ أن تزُولا.
وقد خرج الناس من أصل واحد ولا تزال طبيعةُ الحياة فيهم واحدة، فكل ما أمكن أن يرجع
إلى النفس الإنسانية ونظامها فهو في أصله وطبيعته شيء واحد وجنس متميز، وإنما الذي يتغير في الإنسان مظاهر فكره، إذ هو يستمدُّ هذا الفكر مما يتقلب عليه من الحوادث، ومما يُريغه من الأمور؛
وذلك شيء ليس في الناس على قدر واحد ولا صفة معئنة ولا أمر مستقر، لا يُغادِرُ الدهرُ أن يزيدَ بسبب وينقص بسبب، والناس بعد ذلك متفاوتون فيه بالزيادة والنقص جميعاً.
فما كان من الآداب الاجتماعية ناشئاً من العادة التي هي بعضُ مظاهر الفكر، فهو كالعادة نفسها: يدور معها ويتغير بحسبها؛ وما كان منها راجعاً إلى طبيعة النفس التي هي مصدرُ الفكر، فهو يشبه أن يكون طبيعة
للاجتماع الإنساني وعلى مقدار ما فيه من قوة المُلاءَمة لطبيعة النفس أو ضعف هذه الملاءمة يكون ضعف الحياة الأدبية فيه أو قوتها.
وما يزال أمرُ الآداب الصحيحة في كل جيل من الناس يرمي إلى غاية بعينها من الإنسانية المطلقة التي لا تحدّ بألوان المصوّرات كما تفصل حدود الأمصار والممالك، فإن الله لم يلون
الناسَ تلويناً جغرافياً. . وذلك مما يدل على أن نوعاً من الإنسان لا تجزِئه شرائع أرضه وعاداتها
عن الآداب النفسية التي تجعل الفردَ إنساناً من الناس قبل أن تجعله تلك الشرائع وتلك العادات
فرداً من أمة، فإن فصلَ ما بين حق الأمة على الفرد من أبنائها، وبين حق الآداب عليه؛ وهو أن
كل أمة تريد أفرادها على أن يكونوا أبداً مع الحال التي تتفق بها مصلحة على وجه أمرها، وان كان
في ذلك المفسدةُ وكان فيه معنَتة ومأثم، وكان فيه كل ظلم للإنسانية ومراء في الحق وإصرار على
الباطل؛ وأن لا يدعوا لها سبيلاً إلا ركبوه، ولا هوى إلا حَطوا فيه، ولا منفعة إلا هدموا دُور
جيرانهم ليفتحوا بابها، ولا حاجة إلا قطعوا أسبابَ حُلفائهم ليعترضوا أسبابها، فإن هذه الإنسانية
وهذا الحق وذلك الباطل ليست غير أدوات سياسية تعمل في تحريك كل مجموع سياسي يسمونه
الأمة؛ وتلما تتخذ السياسة لها فعلاً إذا أرادت أن تضرب في الأرض، إلا من " جلود " القوانين الممزقة.
غير أن الآداب تحتمُ على الفرد أن يكون أبداً مع الحق، لا مع الحالة التي تسقى حقاً في لسان من تنفعه وباطلاً في لسان من تضره، إذا الحن في اعتبار الآداب ما كانت فيه مصلحة
الإنسانية نفسها باعتبار النظام الذي يعفها، لا مصلحةُ جزء منها باعتبار النظام الذي يخصه؛ ومبدأ
الإنسانية قائم على أن الله لم يخلق إلا صنفاً واحداً من الناس، ولكن مبدأ كل أمة سياسية أنها هي ذلك الصنف الواحد.
فلولا الآدابُ النفسية في طبائع الإنسان، وما تمكنه من صلات الناس بعضهم ببعض، وما تعطف منهم جماعة على جماعة، وما تُطلِقُ من حد المساواة، وما تحد من معنى الجزية، لكانَ وجهُ الأرض قد تغير بما يشملها من الفوضى الإنسانية، ولانتقض أمرها، ثم لكانت الشرائعُ نفسُها
أشد في إفسادها من الفساد كله، ثم لصارت كل أمة كأنها جنس من الحيوان: في قيامه بنفسه،
وانفراده بنوعه، وتميزه بالعداوة لغيره، فههنا آكل وهههنا مأكول؛ فإذا العالَم قد أودى وقطع دابر القوم الذين ظَلموا.
والشريعة في الجملة لا تعدو أن تنزل من كل مجموع من الناس منزلة المرشد المصرف للأفعال على جهةِ بينة من الحكمة، وطريقة لائحة من المنفعة؛ فهي في الحقيقة عقلُ هذا المجموع الذي يعقل به وينقاد لأمره، ثم هي بعد ذلك من المنزلة في نفسها بحسب ما تبلغه من
الوفاء بأسباب السعادة، والكفاية بحاجات الاجتماع، إلى سائر ما تشبه فيه العقلُ الإنساني شَبهاً تاما ونعتا محققاً. ولكن الآداب تتنزلُ من المجموع منزلة النفس الإنسانية التي بها الحياة، والتي
هي الكفيلة دائماً بتحقيق النسبة بين العقل وبين أغراضه المعقولة وبين الأشياء التي هي مادةُ هذه الأغراض.
فالآداب لا تكون في الإنسان إلا شرائع، ولكن الإنسان إذا عَرِيَ من الأدب النفسي، فربما شرع لنفسه ما لا يصنع الشيطانُ أخبثَ منه بل ما يَركضُ فيه الشيطانُ ركضاً؛ وقلما انتفعَ مَن لا أدب له بشريعة من الشرائع وإن كانت في الغاية التي لا مذهبَ وراءها في تهذيب النفس ودرء
المفسدة عنها بحَسم مادتها أو ما سبيلُها أن ترد به، من تقويم الطباع، وتثقيف الأخلاق، وتثبيت
الإرادة، وتعيين الحد النفسي لكل منزع إلى الخير وإلى الشر، حتى تستوضحَ للمرء مذاهبُ نفسه،
فيمضي إذا مضى على بينة، ويعدلُ إذا عدل عن بينة.
وانظر ما عسى أن يكون موقعُ الشريعة
من نفس ترى أن كل هذه الآداب التي توجب لها المنافع على الناس مجتمعين لا توجب عليها للناس منفعة.
من أجل ذلك كانت آداب القرآن ترمي في جملتها إلى تأسيس الخُلق الإنساني المحض الذي لا يضعفُ معه الضعيفُ دون ما يجبُ له، ولا يقوى معه القوي فوق ما يجب له، والذي يجعل
الأدبَ عقيدة لا فكراً إذ تبعث عليه البواعث من جانب الروح، ويجعل وازعَ كل امرئ في داخله، فيكون هو الحاكم والمحكوم، ويرى عينَ الله لا تنفك ناظرة إليه من ضميره.
وبينْ أن الاجتماع إنما هو شيء روحاني، وأن الأمة لا تجتمع إلا بقوة من قوى التجاذب الروحي، تبنى عليها الأغراض الاجتماعية التي هي المبادئ الأولى في الحياة.
وعلى حسب الصفة الروحانية التي يقوم بها الاجتماع، ثم قوة المادة الروحية فيها، يكون أمر هذا الاجتماع إلى
القوة أو الضعف، وإلى الثبات أو الاضطراب، وإلى أن يكون مستحصداً أو منتكثاً.
وعلى قدر ما يفقد من صفته يفقد من نفسه، فإذا زالت تلك الصفة وانسلخ منها، تَعاورته صفات المادة فصار
كالشيء المادي الذي تعمل فيه كل الأسباب الظاهرة تركيباً وتخليلاً، فلا يتصل الفرد بغيره من الأفراد اتصالاً ثابتاً لا تنفصم عروته، ثم لا يكون من الأفراد إلى مجموع فرد إلى فرد على هذه
الصفة عينها، وما من شعب منحط إلا وهو مثال لهذا لاجتماع المادي الذي يمتاز أكثرَ ما يمتاز
بالصفة العددية وما كان من أسبابها مما هو علة الضم، والضم وحده لا يغني في الاجتماع شيئاً.
وأنت إذا تدبرتَ هذه القوة الروحية في آداب القرآن الكريم، واعتبرتها بمأتاها في الطباع، ومَساغها إلى النفوس، واشتمالها على سنن الفطرة الإنسانية، فإنك تتبين من جملتها تفصيلَ تلك
المعجزة الاجتماعية التي نهض بها أولئك الجفاة من العرب فنفضوا رمال الصحراء على أشعة الشمس في هذا الشرق كله؛ فحيثما استقرت منها ذرة وقع وراءها عربي! بل نفضوا أقدامهم على
عروش الممالك، وهم كانوا بين داع للصنَم وراع للغنم، وعالِم على وهم، وجاهل على فهم،
وبين شيطان كأنه لخبثه مادة لوجود الشيطان، وإنسان كأنه لشره آلة لفناء الإنسان، فما زالوا يبسطون تلك الجزيرة حتى بلغت أضعافها، وما زالوا بالدنيا حتى جمعوا إليهم أطرافها.
وليس من دليل في التاريخ على أن هذه الأرض شهدت من خلق الله جيلاً اجتماعياً كذلك الجيل الأول في صدور الإسلام، حين كان القرآن غضاً طرياً، وكانت الفطرة الدينية مؤاتية،