ومَن للأمم بمثل هذا الاستعمار
اللغوي الذي لم يتهيأ إلا للقرآن، وهو بعد زمام السياسة مهما جمحت في الأرض.
ولقد ترى اليوم هذه التوراة وهذه الأناجيل وما يقرؤها بلغتها الأصلية إلا شرذمة قليلة من اليهود وغير اليهود الذين يعيشون على أحلام الذاكرة.
ولا نرين أن ذلك استبقاء فلولا أن الشذوذ
لا يتخلف كأنه قاعدة مطردة ما قرأها منهم أحد، ثم استبدلت الألسنة واللغات بهذه الكتب، فهي
شريعة ولا هي جنسية جامعة، وإنما نراها في كل أمة من الأمة نفسها، ولذا سهلَ على كثير منهم
أن ينبذوها، وصار أكثرهم لا يتدارسونها ولا يقرؤون فيها إلا إذا أرادوا الاستغراق في رؤيا تاريخية، والعارف عارف من يثبت فصولها ومعانيها، أو يعرف ذلك فضل معرفة.
وانظر كم ترى بين صنيع القبائل الجرمانية (الغوط) وبين صنيع العرب، فإن أولئك أغاروا
على إيطاليا في القرن الخامس للميلاد وانتقصوها من أطرافها ولم يكن إلا أن ملكوها حتى ملكتهم، إذ تركوا أهلها وعادتهم من اللغة - وغير اللغة - ثم أخذوا يتحضرون من بَداوة ويستأنسون
إلى الحضارة الرومانية، حتى رغبوا في العلم، فاستجادوا المهرَةَ من علماء الرومان، ونصبوهم
لوضع الكتب وتأليفها، فوضعها لهم هؤلاء باللغة اللاتينية، وهم قرأوها بها وأقروها عليها، فذهب
غوطتهم وذهبوا على أثرها، وأدالت اللغةُ الرومانية لأهلها منهم، فأخذتهم رجفة التاريخ فأصبحوا
في الرومانية جاثمين كأن لم يَغنوا في لغة قبلها! ألا فاقبِل أنت على هذا المعنى وتدبره حتى تُحكم ما وراءه، فلقد تركوها آية بينة!
وبعد، فهذا الذي أمسكه القرآن الكريم من العربية لم يتهيأ في لغة من لغات الأرض. . ولن تلاحق أسبابه في لغة بعد العربية. وهذه اللغة الجرمانية انشقت منها فروع كثيرة في زمن جاهليتها،
واستمرت ذاهبة كل مذهب، وهي تثمر في كل أرض بلونٍ من المنطق، وجنس من الكلم، حتى
القرن السادس عشر للميلاد، إذ تعلق الدين والسياسة معاً بفرع واحد من الفروع، هو الذي نقلت
إليه التوراة، فاهتزَ ورَبا وأورق من الكتب وأزهرَ من العقول وأثمر من القلوب، وبعد أن صار لغةَ
الدين صار دين التوحيد في تلك اللغات المتشابهة، وبقيت هي معه إلى زَيْغ حتى انطوت في ظله،
ثم ضحى بنوره فإذا هي في مستقرها من الماضي، ونسيت نسيانَ الميت.
وقد كان بسق من فروع الجرمانية فرعان: الإنكليزي، والهولاندي، وكلاهما استقل حتى
ضرب في الأرض بجذر، ثم أنافَ الإنكليزي حتى صار ما عداه من ظله، وهذا إلى فروع أخرى قد انشعبت في الأرض الجرماني، كالأسوجي والايسلندي وغيرهما.
واللاتينية، فقد استفاضت في أوروبا حتى خرجت منها الفرنسية والطليانية والإسبانية وغيرها، وكان منها علمي وعاميّ بلغة العلم ولغة اللسان، ثم أنت ترى اليوم بين تلك اللغات
جميعها وبين ما تخئف منها في مناطق هذا الجيل، ما لا تعرف له شبيهاً في المتباعدات المعنوية، حتى كان بين اللغةِ واللغة العدَمَ والوجود.
فالعربية قد وصلها القرآن بالعقل والشعور النفسي، حتى صارت جنسية فلو جُنَّ كل أهلها.
وسخوا بعقولهم على ما زَينت لهم أنفسهم من الإلحاد والسياسة كجنون بعض فتياننا. . لحفظها
الشعور النفسي وحده، وهو مادةُ العقل بل مادة الحياة؛ وقد يكون العقل في يد صاحبه يضمن ويسخو، ولكن ذلك النوع من الشعور في يد الله، وهذا من تأويل قوله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) .
ولولا هذا الشعور الذي أومأنا إليه لدونت العامية في أقطار العربية زمناً بعد زمن، ولخرجت بها الكتب، ولكان من جهلة الملوك والأمراء وأشباههم ممن تتابعوا في التاريخ العربي. .
من يضطلع من ذلك بعمل، إن لم يكن مفسدة فمصلحة يزعمها، كالذي فعله بعض ملوك الرومان
وبعض شعرائهم في تدوين العامية من اللاتينية، حتى خرج منها اللسان الطلياني، وكما فعل اليونان
في استخراج اللسان الرومي، وهو العامي من اليونانية. ولولا أن أحداً استقبل من ذلك شيئاً وأراد
أن يحمل الناس عليه لاستقبل أمراً بعض ما فيه العنت كله والضياع بجملته، ولشق على نفسه في
بلوغ إرادة لها من شعور كل نفس عدو، حتى يستفرغ ما عنده وكأنه لما يبدأ مع الناس في بدء لأن
له مدة نفسه وحدها وللناس عمر التاريخ كله؛ ومتى لم يقع على فرق ما بين الاثنين، وأراد أن يتولى عمل التاريخ، فليس بدعاً أن يجعله التاريخ بعض عمله؛ (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) .
آدابُ القرآن
ونحن الآن تلقاء نوع آخر من الإعجاز الأدبي، وهو ضريب تلك المعجزة السياسية التي أومأنا إليها في الفصل المتقدم، وسنقولُ فيه على وجه من الإيجاز والتحصيل؛ فإن آداب هذا
الكتاب الكريم إنما هي آداب الإنسانية المحضة في هذا النوع أنى وجدت وحيث تكون. إذا لم يراوغ الناسُ معنى الإنسانية في أنفسهم، ولم يتمنوا فيها الأماني الباطلة، ولم يصدموها بالعنت بين
كل رغبة ورغبة وبين كل رأي ورأي؛ لا ترى أن أمة تفضل حتى تضيق هذه الآداب عنها، أو قبيلاً
يلتوي حتى تكون منه بمقصر، أو قوماً يصلحون حتى لا تصلح لهم، فإنها بعد آداب الفطرة التي لا تتغير في هذا الخلق، على ما بين طوائفه من التباين، وعلى الضروب المختلفة من أساب هذا
التباين وعلله، مما ترجع جملته إلى تنوع الصور النفسية العامة التي تنشأ من الأفكار والعادات وما
إليها من الأجزاء التاريخية التي تجتمع منها الأمم، وتنشأ منها قواعد الحكم وضوابط الاجتماع
ونحوها من الكليات التي يتألف تاريخ الأمة من آثارها.
ولا شيء يثبه نظام هذه الفطرة في تسويتها بين الناس على ما وصفنا من أمرهم، إلا نظام الجاذبية في تأليفه بين الأجرام المتفاوتة وإمساك جملتها على اختلاف ما بينها وتباعدها فيما وراء
ذلك؛ وليس نظام الجاذبية في التسبب لإصلاح العالم الكبير إلا شبهاً من الفطرة النفسية، ولا نظام
هذه الفطرة في الإنسان الذي هو العالم الصغير إلا شبهاً من تلك الجاذبية. وكلاهما يغني شأناً أراده الله من خلق السموات والأرض، وهو الذي يمسك السموات والأرضَ أن تزُولا.
وقد خرج الناس من أصل واحد ولا تزال طبيعةُ الحياة فيهم واحدة، فكل ما أمكن أن يرجع
إلى النفس الإنسانية ونظامها فهو في أصله وطبيعته شيء واحد وجنس متميز، وإنما الذي يتغير في الإنسان مظاهر فكره، إذ هو يستمدُّ هذا الفكر مما يتقلب عليه من الحوادث، ومما يُريغه من الأمور؛
وذلك شيء ليس في الناس على قدر واحد ولا صفة معئنة ولا أمر مستقر، لا يُغادِرُ الدهرُ أن يزيدَ بسبب وينقص بسبب، والناس بعد ذلك متفاوتون فيه بالزيادة والنقص جميعاً.
فما كان من الآداب الاجتماعية ناشئاً من العادة التي هي بعضُ مظاهر الفكر، فهو كالعادة نفسها: يدور معها ويتغير بحسبها؛ وما كان منها راجعاً إلى طبيعة النفس التي هي مصدرُ الفكر، فهو يشبه أن يكون طبيعة
للاجتماع الإنساني وعلى مقدار ما فيه من قوة المُلاءَمة لطبيعة النفس أو ضعف هذه الملاءمة يكون ضعف الحياة الأدبية فيه أو قوتها.
وما يزال أمرُ الآداب الصحيحة في كل جيل من الناس يرمي إلى غاية بعينها من الإنسانية المطلقة التي لا تحدّ بألوان المصوّرات كما تفصل حدود الأمصار والممالك، فإن الله لم يلون
الناسَ تلويناً جغرافياً. . وذلك مما يدل على أن نوعاً من الإنسان لا تجزِئه شرائع أرضه وعاداتها
عن الآداب النفسية التي تجعل الفردَ إنساناً من الناس قبل أن تجعله تلك الشرائع وتلك العادات
فرداً من أمة، فإن فصلَ ما بين حق الأمة على الفرد من أبنائها، وبين حق الآداب عليه؛ وهو أن
كل أمة تريد أفرادها على أن يكونوا أبداً مع الحال التي تتفق بها مصلحة على وجه أمرها، وان كان
في ذلك المفسدةُ وكان فيه معنَتة ومأثم، وكان فيه كل ظلم للإنسانية ومراء في الحق وإصرار على
الباطل؛ وأن لا يدعوا لها سبيلاً إلا ركبوه، ولا هوى إلا حَطوا فيه، ولا منفعة إلا هدموا دُور
جيرانهم ليفتحوا بابها، ولا حاجة إلا قطعوا أسبابَ حُلفائهم ليعترضوا أسبابها، فإن هذه الإنسانية
وهذا الحق وذلك الباطل ليست غير أدوات سياسية تعمل في تحريك كل مجموع سياسي يسمونه
الأمة؛ وتلما تتخذ السياسة لها فعلاً إذا أرادت أن تضرب في الأرض، إلا من " جلود " القوانين الممزقة.
غير أن الآداب تحتمُ على الفرد أن يكون أبداً مع الحق، لا مع الحالة التي تسقى حقاً في لسان من تنفعه وباطلاً في لسان من تضره، إذا الحن في اعتبار الآداب ما كانت فيه مصلحة
الإنسانية نفسها باعتبار النظام الذي يعفها، لا مصلحةُ جزء منها باعتبار النظام الذي يخصه؛ ومبدأ
الإنسانية قائم على أن الله لم يخلق إلا صنفاً واحداً من الناس، ولكن مبدأ كل أمة سياسية أنها هي ذلك الصنف الواحد.
فلولا الآدابُ النفسية في طبائع الإنسان، وما تمكنه من صلات الناس بعضهم ببعض، وما تعطف منهم جماعة على جماعة، وما تُطلِقُ من حد المساواة، وما تحد من معنى الجزية، لكانَ وجهُ الأرض قد تغير بما يشملها من الفوضى الإنسانية، ولانتقض أمرها، ثم لكانت الشرائعُ نفسُها
أشد في إفسادها من الفساد كله، ثم لصارت كل أمة كأنها جنس من الحيوان: في قيامه بنفسه،
وانفراده بنوعه، وتميزه بالعداوة لغيره، فههنا آكل وهههنا مأكول؛ فإذا العالَم قد أودى وقطع دابر القوم الذين ظَلموا.
والشريعة في الجملة لا تعدو أن تنزل من كل مجموع من الناس منزلة المرشد المصرف للأفعال على جهةِ بينة من الحكمة، وطريقة لائحة من المنفعة؛ فهي في الحقيقة عقلُ هذا المجموع الذي يعقل به وينقاد لأمره، ثم هي بعد ذلك من المنزلة في نفسها بحسب ما تبلغه من
الوفاء بأسباب السعادة، والكفاية بحاجات الاجتماع، إلى سائر ما تشبه فيه العقلُ الإنساني شَبهاً تاما ونعتا محققاً. ولكن الآداب تتنزلُ من المجموع منزلة النفس الإنسانية التي بها الحياة، والتي
هي الكفيلة دائماً بتحقيق النسبة بين العقل وبين أغراضه المعقولة وبين الأشياء التي هي مادةُ هذه الأغراض.
فالآداب لا تكون في الإنسان إلا شرائع، ولكن الإنسان إذا عَرِيَ من الأدب النفسي، فربما شرع لنفسه ما لا يصنع الشيطانُ أخبثَ منه بل ما يَركضُ فيه الشيطانُ ركضاً؛ وقلما انتفعَ مَن لا أدب له بشريعة من الشرائع وإن كانت في الغاية التي لا مذهبَ وراءها في تهذيب النفس ودرء
المفسدة عنها بحَسم مادتها أو ما سبيلُها أن ترد به، من تقويم الطباع، وتثقيف الأخلاق، وتثبيت
الإرادة، وتعيين الحد النفسي لكل منزع إلى الخير وإلى الشر، حتى تستوضحَ للمرء مذاهبُ نفسه،
فيمضي إذا مضى على بينة، ويعدلُ إذا عدل عن بينة.
وانظر ما عسى أن يكون موقعُ الشريعة
من نفس ترى أن كل هذه الآداب التي توجب لها المنافع على الناس مجتمعين لا توجب عليها للناس منفعة.
من أجل ذلك كانت آداب القرآن ترمي في جملتها إلى تأسيس الخُلق الإنساني المحض الذي لا يضعفُ معه الضعيفُ دون ما يجبُ له، ولا يقوى معه القوي فوق ما يجب له، والذي يجعل
الأدبَ عقيدة لا فكراً إذ تبعث عليه البواعث من جانب الروح، ويجعل وازعَ كل امرئ في داخله، فيكون هو الحاكم والمحكوم، ويرى عينَ الله لا تنفك ناظرة إليه من ضميره.
وبينْ أن الاجتماع إنما هو شيء روحاني، وأن الأمة لا تجتمع إلا بقوة من قوى التجاذب الروحي، تبنى عليها الأغراض الاجتماعية التي هي المبادئ الأولى في الحياة.
وعلى حسب الصفة الروحانية التي يقوم بها الاجتماع، ثم قوة المادة الروحية فيها، يكون أمر هذا الاجتماع إلى
القوة أو الضعف، وإلى الثبات أو الاضطراب، وإلى أن يكون مستحصداً أو منتكثاً.
وعلى قدر ما يفقد من صفته يفقد من نفسه، فإذا زالت تلك الصفة وانسلخ منها، تَعاورته صفات المادة فصار
كالشيء المادي الذي تعمل فيه كل الأسباب الظاهرة تركيباً وتخليلاً، فلا يتصل الفرد بغيره من الأفراد اتصالاً ثابتاً لا تنفصم عروته، ثم لا يكون من الأفراد إلى مجموع فرد إلى فرد على هذه
الصفة عينها، وما من شعب منحط إلا وهو مثال لهذا لاجتماع المادي الذي يمتاز أكثرَ ما يمتاز
بالصفة العددية وما كان من أسبابها مما هو علة الضم، والضم وحده لا يغني في الاجتماع شيئاً.
وأنت إذا تدبرتَ هذه القوة الروحية في آداب القرآن الكريم، واعتبرتها بمأتاها في الطباع، ومَساغها إلى النفوس، واشتمالها على سنن الفطرة الإنسانية، فإنك تتبين من جملتها تفصيلَ تلك
المعجزة الاجتماعية التي نهض بها أولئك الجفاة من العرب فنفضوا رمال الصحراء على أشعة الشمس في هذا الشرق كله؛ فحيثما استقرت منها ذرة وقع وراءها عربي! بل نفضوا أقدامهم على
عروش الممالك، وهم كانوا بين داع للصنَم وراع للغنم، وعالِم على وهم، وجاهل على فهم،
وبين شيطان كأنه لخبثه مادة لوجود الشيطان، وإنسان كأنه لشره آلة لفناء الإنسان، فما زالوا يبسطون تلك الجزيرة حتى بلغت أضعافها، وما زالوا بالدنيا حتى جمعوا إليهم أطرافها.
وليس من دليل في التاريخ على أن هذه الأرض شهدت من خلق الله جيلاً اجتماعياً كذلك الجيل الأول في صدور الإسلام، حين كان القرآن غضاً طرياً، وكانت الفطرة الدينية مؤاتية،
وكانت النفوس مستجيبة، على أنه جيل ناقض طباعه، وخالف عاداته، وخرج مما ألف، وخلق
على الكبر خلقاً جديداً، ومع ذلك فإن الفلسفة كلها والتجارب جميعاً، والعلوم قاطبة،
تنشئ جيلاً من الناس ولا جماعة من الجيل ولا فئة من الجماعة كالذي أخرجته آداب القرآن وأخلاقه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: في علو النفس، وصفاء الطبع، ورقة الجانب، وبسط
الجناح، ورجاحةِ اليقين، وتمكُن الإيمان، إلى سلامة القلب، وانفساح الصدر، ونقاء الدخل
وانطواء الضمير على أطهر ما عسى أن يكون الإنسان من طهارة الخلق، ثم العفة في مذاهب.
الفضيلة، من حسن العصمة، وشدة الأمانة، وإقامة العدل، والذلة للحىَ، وهلم إلى أن تستوفي الباب كله.
وهذا على كثرة عديدهم، وترادُفِ تلك الآداب فيهم، وتظاهرها على جميعهم، واستقامت
لها بأنفسهم؛ وإنما يكون مثلُ الرجل الواحد منهم في الدهر الطويل، وفي الجيل بعد الجيل، وعلى ذلك ليكون في الأرض نادرة الفلك، بل يجعل هذه الأرضَ مثال السماء لأنه في نفسه مثال الملك.
وماذا تريد من علوم الأخلاق وعِبَر الاجتماع وفلسفةِ التربية وآداب السلوك وما إليها.
يُبتغى ذريعة في كل وجه من إصلاح الإنسانية. إذا كانت كل هذه إنما تَلتمس الناقصَ أو المعيب
أو الفاسدَ أو الضال، فتتمه وتقيمه وتصلحه وتتنصحُ إليه على طريق من الجدل والمدافعة، والبرهان، إن هي أغنت في قليل لم تُغن في كثير، وإن أقنعت العقل لم تبلغ من القلب مبلغاً،.
تؤخذ إلا على أنها ثِقاث ودُرْبة وتمكين، وما كل الناس يحسن أن يقوم على نفسه بنفسه هذا
القيام، وهي بعد وإن كانت علما غير أنها بسبيل ما عداها من العلوم التي تنقص منها التجربة
ويَشوبها الاجتماع ويُفسد عليها الظن والتأول. فكل كتاب من كتبها خيالُ رجل كامل على
الحقيقة؛ ولكنك إن ذهبت تلتمس ذلك الرجلَ في عالم الحس العلمي الذي يتأدب بتلك الكتب
ويكون في الواقع هو صورتها وتكون هي معناه - لم تقع على اسمه ولو سألت ملائكة (اليمين جميعاً؛ إلا أن تُصيب ذلك في الفرط والندرة.
وإنما كان ما علمتَ، لقصور هذه الآداب عن استبطان حقائق الفطرة الإنسانية، والكشف
عن دخائلها، واستنارةِ دفائنها، وتمثل مذاهبها النفسية على الوجوه التي تذهب إليها هي لا تلك
الوجوه التي يمضي فيها النظر والتأمل والحدسُ والقياس والتنظير ونحوها من وسائل العلماء إلى
الاستنباط والاستنتاج والى القطع والتقرير، حتى خرجت تلك الآداب من أن تكون آداباً إلى حيث
صارت قضايا متداخلاً بعضها في بعض، وأقيسة يُفضي بعضُها إلى بعض، فصارت كالشيء
المختلف الذي لا ينفك يَخذلُ بعضُه بعضاً؛ لحملها على العقل دون الخُلُق، واعتمادها على جنس
الفائدة دون الطريقة التي تنتهي إلى الفائدة، وبذا ضعفت آثارها في النشء من دون الطفولة، فضاقت
عن ذوي العُنفُوان من الأحداث ومن أغفالِ الرجال، إذ لم تمازج أنفسهم! ولا داخلت طبائعهم
المتطلعة التي إنما يكون الشر بها شراً، فلم تثبت ثبات العادة، ولا أغنت غناء الدين، وبقيت
التربية الطبيعية كما هي: للدين والعادة.
وإنما انفردت آدابُ القرآن الكريم في ذلك الجيل الذي عرفتَ من خبره بالأسلوب الذي تناولها فيه، مما يشبه في صفة البيان أن يكون وحياً يوحى إلى كل من يفهمه ويقفَ عنده متثبتاً
بحال من الرأي، وفحص من النظر وبإدمان التأمل، وأخذِ النفس بالتردد في أضيق ما بين الحرف والحرف من المسافة المعنى لدقة النظم وإبراع التركيب، إلى ما يبهر الفكرَ ويملأ الصدر عجباً؛
وهذا تفسير ما جاء في الأثر من أن " من قرأه فقد استدرَجَ النبوة بين جنبيه غير أنه لا يُوحى إليه،.
وذلك - أي ما وصفناه من شُبه الوحي - ظاهرُ التحقيق فيمن تدبر القرآن من أهل الذوق في اللغة
والبصر بأسرارها والمعرفة بوجوه الخطاب والحُنكة في سياسة المنطق، فكيف به في قوم كالمضرية من هذه العرباء: تَنبع اللغةُ من ألسنتهم، وتجري الفصاحة على ما أجرَؤها، وتنزل البلاغة على
حقوقها وعلى أماكن حظوظها من حُكمهم ورضاهم، وهم بعد ذلك منَ هم في تصريف القول
والافتنان فيه، وسعة الحيلة في التأني لإبرازه واجتماعه على الغاية، حتى تعودَ الجملةُ الطويلة لفظاً
واحداً، والمعنى البعيدُ لحظاً قريباً وحتى تصير حروفهم كنبض البرق في اشتماله ما بين أقطار السموات، على أنه إشارة ودون الإشارة؛ ثم كيف بذلك في قوم كأولئك العرب وهم كانوا من حِس
الفطرة بحيث يفسخ البيانُ عَقدَ طباعهم، وَينُض قواهم المبرَمَة، ويَرْخِي معاقِدَهم الوثيقة؛ بل كيف
به يومئذ، وقد كانوا يأخذونه عن لسان أفصح خلق الله منطقاً، وأصحهم أداة، وأجملهم إيماء،
وأبدعهم في الإشارة، وأبينهم في العبارة. وهو - صلى الله عليه وسلم - كان بينهم مظهرَ خطابِ الله لأولي الألباب،
وتفسير كل ما في القرآن من الأخلاق والآداب.
بذلك استطاع القرآن أن يؤلف من العرب - وكانوا بشراً لا نظام لهم - أكبرَ جماعةٍ نفسية عرفها تاريخ الأرض وفي تاريخها على حساب ذلك في روعته وغرابته وقوته وفائدته، إذ وَجَدَت
من آداب القرآن قلباً اجتماعياً عاماً استولى على ما فيها من التصور والفكر والإدراك والاعتقاد،
وأحالها كلها فكراً واحداً يستمد قوته من الخُلُق الذي قام به لا من العقل الذي ينشأ عنه؛ وليس يخفى أن العقل هو مظهرُ تاريخ الأمة، ولكن الخلُق دائماً لا يكون إلا مصدر هذا التاريخ، فلا
جَرَمَ لم يثبت تاريخ أمة من الأمم إذ لم يكن قائماً على هذا الأصل المستحكم وكانت الأمة غير ذات أخلاق.
وإنما صح هذا لأن الصفات الأخلاقية ليست إلا قطعة العمل التي ينسجها الفرد من خيوط أيامه في ثوب التاريخ التي تحوكه الأمة لنفسها من أعمار أبنائها، والخلق هو بطبيعته مادة هذا
النسيج في الأمة كلها، لأنه وحده الذي يحقق الشبهَ بين طبقات هذه الأمة نازلها وعاليها من قاصيه إلى قاصيه فهو في الفرد صفة الأمة وفي الأمة حقيقة الفرد.
ولا يشتد القرآن الكريم في شيء فيجيء به على العزيمة القاطعة التي لا مَساغَ للعذر فيها ولا وجه للتعلل عندها، كما تعرف ذلك منه في الأخذ بالأخلاق الاجتماعية، فإنه لم يجعل في أمر
على الناس هوَيداء ولا رويداء، بل أمضاها وأعلنها ورفع من شأنها وجعلها من عزائمه، حتى لا يشك فيها من عسى أن يشك في غيرها، ولا يرتابَ من ربما كانت الريبة من أمره، وحتى أنه لما
وصَفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبلغ الصفات وأشرفها وأسناها، لم يزد على قوله (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) .
فكان الأصل الأول فيه لهذه الأخلاق هو (التقوى) . وهي فضيلة أراد بها القرآن إحكام ما بين الإنسان والخلق، وإحكام ما بين الإنسان وخالقه ولذلك تدور هذه الكلمة ومشتقاتها في أكثر
آياته القرآنية والاجتماعية؛ والمراد بها أن ينفي الإنسان كل ما فيه ضَرر لنفسه أو ضِرار لغيره،
لتكون حدود المساواة قائمة في الاجتماع، لا تصاب فيها ثلمة ولا يعتريها وهن: وكل ما أصاب الاجتماعَ من ذلك فإنما يصيب الدين بَديا.
لأن هذه التقوى هي مصدر النية في المؤمنين بالله، فما
اعتدوا ظالمين ولم يحتجزوا من أهوائهم وشهواتهم التي لا تألوهم خبالاً ولا تنفك متطلبين منازعة، فإنما ينصرفون بذلك عن الله، ويُغمضون في تقواه ويترخصون في زجره ووعيده، فكأنهم
لا يبالونه ما بالَوا أمر أنفسهم، وكان ضمير أحدهم إذا لم يحفل بتقوى الله لا يحفل بالله نفسه،
وهو أمر كما ترى. يريد القرآن أن يكون المنبع الإنساني في القلب، ثم أن يبقى هذا المنبع ما بقي صافياً ثَراً لا يعتكرُ ولا ينضب، كأنما في القلب سماء ما تزال تمد له من نور وهدى ورحمة.
وهذا الأصل - أصل المساواة - هو الذي كشفه القرآن بقوله عز وجل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) .
فانظر كيف أبان عن المساواة الطبيعية التي لا يملك بحال من الأحوال أن يفرق فيها الجنس الإنساني كله وهي الخلق من (الذكر والأنثى) : وكيف وصف الغاية الاجتماعية للناس شعوباً وقبائل بأنها (التعارف) ، لم يزد على هذه
اللفظة التي لا تشذ عنها فضيلة من فضائل الاجتماع قاطبة ولا تجد رذيلة اجتماعية يمكن أن تدخل في مدلولها ولن تجدها إلا منصرفة عنها في الغاية.
ثم تأمل كيف أقام هذا الأساس الأدبي العظيم، فجعل أكرَم الناس المتساوين جميعاً في الحالتين الفردية والاجتماعية، هو أتقاهم، أي أعظمهم خلقاً، لا أوفرهم مالاً، ولا أحسنهم
حالاً، ولا أكثرهم رجالاً، ولا أثقبهم فهماً، ولا أعلمهم علماً، ولا أقواهم قوة، ولا شيء من ذلك وأشباه ذلك مما لا يتفاضل به الناس على التحقيق إلا في إدبار الدولة واضطراب الاجتماع
وفساد العمران، ويكون مع ذلك كأنه دُرْبة لهم أن يتباينوا بعد هذه الفضائل المشوبة بالرذائلِ صِرفة
لا شَوبَ فيها! .