بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 74

(2) استقلال الرأي وحريته، ويكون منه (النهي عن المنكر) ولا يمكن أن يكون بغيره.
(3) استقلال النفس من أسر العادات والأوهام، بالنظر والفكر في مصنوعات الله، ولا يكون
الإيمان إيماناً على الحقيقة بدونه ثم هذا الإيمان هو الذي يسند الركنين المذكورين آنفاً ويشذهما
ويقيم وزنهما الاجتماعي، فيبعث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بثقة إلهية لا يعترضها
شيء من عوارض الاجتماع التي تعتري الناسَ من ضعف الطباع الإنسانية، كالجبن والنفاق،
والخلابة والمؤاربة، وإيثار العاجِلةِ. ونحوها مما ينقُم الناسُ بعضهم من بعض. وإذا اعترضها من ذلك شيء لا يقوم لها ولا يصدها عما هي بسبيله.
فإن كل هذه الصفات ليست من الإيمان بالله
ولا تتفق مع صحة الإيمان، بل هي أنواع من العبادة للقوي والعزيز والمستبد، وللشهوات والنزعات وما إلى ذلك. ومتى كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير راجعين إلى الإيمان
بالله دخلاً في الأهواء الإنسانية، فتجيء بها علة وتذهب بها علة، فيعود أمر الإنسانية إلى التأكل والمهارشة والنزاع الحيواني فإن الحيوان في كل ما يسطو به إنما يامر بمعروف هو معروفه وحده
وينهى عن منكر هو منكره وحده. . .
فانظر. هل جاءت علوم الفلسفة والاجتماع بعد ثلاثة عشر قرناً من نزول القرآن بما ينقضُ هذه الحقيقة؛ وهل قررت إلا تفسيرها بوجوه ضعيفة مضطربة لا تبلغ في الكمال مبلغَها ولا
تقاربُ هذا المبلغ؛ وهل في الآداب الإنسانية التي قامت عليها الأمم لهذا العهد مثل أن تكون سعادة الإنسان في منفعة الناس، وإن احتمل في ذلك المكروه واقتحم الصًعاب وبَذَلَ من ذات
نفسه وحفظ من حق غيره ما يضئعه ولو ضاع هو فيه، وذكر من واجبه ما ينساه ولو كان ذلك مما
يفقِده وينسيه، ثم لا يكون هذا حتى يكون مقدماً على سعادة نفسه التي هي الإيمان، تقدم السبب
على المسبب: كما يؤكد ذلك نسق النظم في الآية الشريفة التي مرَّت بك. .
اللهم إنه دينُكَ الذي شَرعته بكتابك المعجز، بل دين الإنسانية الذي قلت فيه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) .
تلك جملة من القول في الخُلق والعقل؛ فلما ضعفت أخلاق القرآن في نفوس أهله، لم ينفعهم العقل الذي أفادوه من استفاضة العلوم بينهم واستبحار فنونها، ولم يغْن عنهم من الخلق شيئاً، بل كان لهم ما تم للدولة الرومانية في عصر الامبراطرة الأول، الذي ترجع إليه أسباب
المجد لهذه الأمة في العلوم والآداب، إذا امتاز بطبقات من النوابغ فيه، وترجع إليه كذلك أسباب انحلال هذه الدولة واضمحلالها معاً إذ كان لها يومئذ من ضعف الخلق أكثر مما كان لها من قوة
العقل، والبناء إذا فهض وطال إلى ما لا يحتمله الأساس، فإنه يعلو، غير أن علوه لا يكون من بعد إلا سبباً في سقوطه!


صفحه 75

وما فرط المسلمون في آداب هذا القرآن الكريم إلا منذ فرطوا في لغته، فأصبحوا لا يفهمون كلمَه، ولا يدركون حكمَه، ولا ينزعون أخلاقه وشيَمه؛ وصاروا إلى ما هم عليه من عربية كانت
شراً من العجمة الخالصة واللكنة الممزوجة، فلا يقرون هذا الكتاب إلا أحرفاً. ولا ينطقون إلا أصواتاً، وتراهم يرعونه آذانهم وهم بعدُ لا يتناولون معاني كلام الله إلا من كلام الناس، وفي
هؤلاء الجاهلُ والفاسق والوضَاع والقصاص وذو الغفلة والمتهم في دينه وفهمه، ومن أكبرُ عرضهِ من القرآن حججُ المخاصمة وبينات الجدل في مقارعة أو الرد على مذهب أو التأول لرأي أو النضح عن فئة، أو ما يشابه ذلك! وأولئك جمهورُ من يفهم عنهم المسلمون إلا نادراً، ولا حكم
للنادر.
وماذا أنت صانع بأحكم ما في الحكمة، وأبينِ ما في البيان، وأسد ما في الرأي، وأبدع ما في الأدب، وأقوم ما في النصيحة، وبما هو التامُّ الجامع لكل ذلك - إذا جعلتَ تملأ به مسامعَ
الناس وأنت لا تصيب فيهم وجهاً من وجوه الاستواء، ولا تملك إليهم سبباً من أسباب التأثير،
ولا تقع منهم بالحكمة والبيان والرأي والأدب والنصيحة، وبما هو الزمام عليها - إلا في فنون من
جهل الجهلاء ولغَط العامة وأوهام السخفاء، وفي انتقاضِ الطباع واختلاط المذاهب، فلا تجد إلا قلوبهم مَساغاً (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) .
لا جَرمَ كانت هذه علة العلل في أن القرآن الكريم لم يعد له من الأثر في أنفس أهله ما كان له من قبل، ولا بعض ما كان له؛ إذ لم يتدبروه بمثل القرائح التي أنزل عليها، أو بقريب منها في
الذوق والفهم والبصر بمواقع الكلام، ولم يجروه من ذلك على حقه، بل أصبحوا لا يَستَحون من الله أن يجعلوا قراءةَ كتابه ضرباً من العبادة اللفظية يَرجون عند الله حسابها؛ ويبتغون في الأعمال


صفحه 76

ثوابها، ولا يشكون أنهم يستفتحون يوم القيامة بابَها، على أنهم
(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) .
ذلك وجه الإعجاز الأدبي في القرآن، وهو متصل باللغة اتصالاً سببياً كما رأيتَ؛ ثم هو
وراء الجنسية العربية التي بسطنا القولَ فيها؛ لأنه تحقيق تلك العصبية الروحية، أما حقيقة
الإعجاز مما يتعلق بجال الآداب نفسها وكونها آدابَ الفطرة المحضة التي تماد الزمن لأنها من الإنسانية، ولأنها فَصل ما بين الإنسان في حيوانيته وبين هذا الحيوان الناطق في إنسانيته؛ فالقرآن
كله برهان هذه الحقيقة، ونحنُ ملمون بها إلماماً على ما بنا من الضعف، وعلى ما بها من القوة
وعلى أنه ينبغي أن تكون الإفاضة فيها غرضَ كتاب برأسه في بيان ما هي الجهات المتقابلةُ في
علوم التربية والاجتماع وفلسفة الشرائع، فإن هذه العلوم بما انتهت إليه وعلى جملتها وتفصيلها
ليست إلا شروحاً مبسوطة للمبادئ القليلة التي هي ملاكُ الآداب، والتي حصرها القرآن حصراً محكماً.
وجاء بها على سَردها وجهاتها، كما يتبين ذلك من يقرؤه قراءةَ بحث وتأمل؛ ومن زَعم أن هذه الآداب علم أو هي تكون علماً فلا يقصر سبيلَ الحجة إليه طولُ الخصومة في زعمه مهما أطلنا؛ فإن أصل الأمر في الآداب حالة النفس لا حالة العقل؛ وكم رأينا في أجهل الناس من
سلامة النفس ورحْب الذرع وإخلاص الطويةِ وصدقِ اللسان والقلب وضروب من الآداب كثيرة
ما لم نر بعضَه ولا الخالصَ من بعضه في العلماء عامتهم أو أكثرهم؛ وإنَّما (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) .
وقِوام الإنساية في رأينا بثلاث، هي جملة ما ترمي إليه آدابُ القرآن:
الأولى: تعيين النسبة الصحيحة في المساواة بين الإنسان والإنسان، حتى لا تكون القوة والضعف والسيادة والتعبد ونحوها من عوارض الاجتماع فاصلةً فاصلاً طبيعياً بين فردٍ وفردٍ، وبين أُمة وأُخرى، فتقسم هذا الجنس أنواعاً متباينة بطبيعتها، ثم ينشق النوع إلى أجناس، ثم كل جنس
بعد ذلك إلى أنواع، ويعمل الزمن عمله في تمكين هذه الطباع بالوراثة، وفي توكيدها بما يستحدثه نظامُ الاجتماع في القبائل والشعوب، فإذا الأرض بعد ذلك غير الأرض، وإذا الإنسانُ مع تقادم
الدهر غير الإنسان، وإذا طبيعة ليس فيها لتنازع البقاء غير معنى واحد معكوس، وهو بقاء التنازع. . .
الثانية: حياطة هذه النسبة الإنسانية فيما يُبتلى به الإنسان من الخير والشر فتنة، حتى لا يَحيف القوي ولا يَستيئسَ الضعيف، ولتنصرف رغائب الأمم على تباينها في السياسة إلى جهة من هذه النسبة المعينة، فلا تكون وقائع السياسة وأحداث الاجتماع، وما إليها من الهزَاهزِ، كالحروب
ونحوها، إلا عملاً إنسانياً يُبتَغى به دفعُ اعتداء وإقرارُ حق ورد باطل وتقويم زيغ، إلى أمثالها مما


صفحه 77

هو في حدود المَرحَمَة والمَبرة، وليس يعدو بحال من الأحوال أن يكون وسيلة من وسائل الزجر والتأديب، إذ قد خلا من ابتغاء الهَلكة ورغبة الفناء وإبادة الخضراء، وبَرئَ من معايب هذه
السياسة الحيوانية التي لا تقوم لها قائمة إلا باعتراض الغفلة وانتهاز الضعف وبالكيد والمخاتلة،
وتنزَّه مع ذلك عن دناءة المقصد وسفال الغاية وسوء الذريعة، وعن الخبث الإنساني في الجملة.
الثالثة: حد هذه النسبة في الإنسان بالقياس إلى القوة الأزلية، حتى يتحقق معنى المساواة فيها، فإن كل ما هو أدنى فهو سواة في النسبة إلى ما هو أعلى وإن اختلف مع ذلك في نفسه وبان بعضه من بعض. ولولا هذا الحد لما أمكن أن يجمع الناس على آداب يكون من غايتها أن تحوط
الإنسانية فيهم، إذ يُبعدون هذه الإنسانية من قلوبهم إلى ما وراء انكارها والتكذيب لها، فلا يبقى
لآدابها وجه تعتبرُ منه أو يؤخذ به في أمرها، ومن ثَم لا تكون الإنسانية إلا الغِلظة والفظاظة في الأقوياء، وإلا الذلة والمسكنة في الضعفاء، وتكون كل ذرة تسقط على الأرض من نعل القوي
تفتح في الأرض قبراً لرجل ضعيف، فلا تعمل في العمران يومئذ إلا آلات الهلاك والدمار، حتى
يبقى الإنسان من الدنيا كأنه في جَهنم لا يموت فيها ولا يحيا ولذا كانت الأديان الإلهية كلها متفقة في حد هذه النسبة التي أشرنا إليها، بل كان هذا الحد أساس الاعتقاد في جميعها، لأنه أساس كل نظام إنساني في الأرض.
وهذه الثلاثُ فإنما هي جماعُ ما تقول به الإنسانية المحضة في صفاتها الإلهية التي هي غريزة النفس وصِلة ما بين المخلوق والخالق، ولذا أمكن أن تكون
(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)
وأن تكون من آداب كل عصر وجيل، لا تعترضُها حدودُ الزمن؛ ولا ينال منها تقلب الأيام؛ ولا تغادِر الدهرَ أن يراها الإنسان من نفسه بحيث وضعها الله، وهي بعدُ أمهات الفضائل وأصلها الذي تنشق منه.
وقد نرى هذه الفضائل الاجتماعية على اختلافها أطوار الناس، على تفاوتِ مقاديرها فيهم، كيف تلتقي إلى هذه الثلاث؛ وكيف تدور عليها حتى لا يُقطع على الرذيلة بانها رذيلة إلا إذا كانت
تعدو على جهة من تلك الجهات في سبيلها أو غايتها، فأما أن تكون في الأرض رذيلة لا تفسد شيئاً من ذلك ولا تُلِم به، فهذا ما لا يكاد يصح في عقل صحيح.
وأنت إذا تدبرت آداب القرآن الكريم حيث أصبتها منه، رأيتها قائمة على تلك الثلاث جميعاً.
فإن روح هذه الآداب كلها في ثلاث كلمات من قوله تعالى:
(وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَؤمٍ يُؤْمِنُونَ (64) .
فليس في الناس اختلاف كاختلافهم في كل ما يرد إلى تعيين حقيقة النسبة في المساواة بين الإنسان والإنسان، وما الظلم والتعسفُ والمكابرة والمخاتلةُ ولا كل الرذائل الاجتماعية، إلا مظاهر متعددة لهذا الاختلاف


صفحه 78

بعينه؛ ولا القوانينُ والعادات والشرائع وكل الفضائل الاجتماعية، إلا وسائل مختلفة لتبين هذا
الاختلافَ على حدود بينة من الحق. وهيهات أن يكون للناس هدى إلا بالطرق التي يتخذونها لحياطة تلك النسبة ويأخذ بها بعضهم بعضاً.
وهيهات أن يصيبوا أثراً من الرحمهَ لأنفسهم إلا بحد
تلك النسبة وإقامة هذا الحد على التقوى التي هي مظهر الإيمان فيما بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان.
وكل الوسائل التي تعمل في النهضة الإنسانية فإنما هي ترجع إلى ثلاث كلمات تقابل تلك الثلاثَ أيضاً وهي: صلةُ الحرية بالشريعة وصلةُ الشريعة بالأخلاق وصلةُ الأخلاق بالله.
وعلى تفصيل هذه الثلاث جاءت آداب القرآن الذي لو بلغت الإنسانيةُ في وصفه بما وسعَها ما بلغت مثلَ
قوله تعالى فيه: (مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَؤنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ) .
فانظر كيف يكون تصوير العاطفة وتأثيرها العصبي وما وراء تأثيرها.
لا غَرْوَ كان هذا القرآن من أجل ذلك إنما يصف جمل الآداب، أي الكليات الأدبية التي تلائم الفطرة في مختلف أزمانها، ولا يقرر الأخلاق تقريراً وضعياً على أسلوب الكتب والمصنفات، فيضعها على أن لها قواعد وضوابطَ وأشباهَ القواعد والضوابط، مما هو مثار
الاختلاف ومَبعثُ الفرقة في مذاهب الحكماء، ومما لا تكون الآداب معه إلا معادة على الناس في كل عصر بنوع من التنقيح وضرب من التغيير يناسبان اختلاف كل عصر عن الذي قبله، بل أن
المعجزة في هذه الآداب الكريمة أنها تقرر الأخلاق تقريراً عاماً، فيصفها القرآن على أنها هي
القواعد لغيرها، والضوابط لما يُبْتَنى عليها، ويوردها في أحسن الحديث؛ ويعترض بها وجوه
القصص ويقلبها مع أغراض الكلام ثم لا يكون في ذلك وجهَ من وجه الخلاف بينها وبين الفطرة الإنسانية، على ما في تلك الآداب من الإطلاق، وعلى أنها غيرُ ملحوظ فيها دولة بعينها أو أمة
بأوصافها، أو نحو ذلك من ضرور الحدّ والتعيين؛ فليس فيها من روح الزمن إلا روح الزمن كله بحيث لا يتأتى للفيلسوف ولا المؤرخ إلى أن يردها أحدهما أو كلاهما في جملتها إلى عصر بعينه
لا تعدوه، أو يقصرها على حد تَقفُها عنده الإنسانية وتتقدم بغيرها مما يقال فيه إنه الأصلح أو الأنفع، ولو أن الدهرَ قد فني ثم نزع من كل أمة شهيد وعُرضت عليهم آدابُ القرآن فقابلوها
بفضائل آدابهم واعترضوا بعضَ ذلك ببعضه ثم قيل هاتوا برهانكم عليها، لأقرَّ الزمن بألسنتهم جميعاً أنها الحق وأن الحق لله.
من أجل ذلك تجد الخطاب الأدبي مطلقاً في القرآن كله كأنه نظام إنساني عام لا يراد به إلا حرية المنفعة للنوع كله، ثم الموازنة بين مقدار هذه المنفعة وبين مقدار الحرية التي تنال بها،
ليكون كل شيء في نصابه الاجتماعي، فإن إطلاق الحرية عبث، وإطلاق المنفعة ضرر أو ضرار،
ولو سوغت كل أمة أن تقارف ما تريد بمقدار ما يهيئ لها ضعف غيرها من الحرية في بسط يدها لكان من ذلك فتنة في الأرض وفساد كبير.
وإن كل أمة اضطربت فيها الموازنة بين الحرية والمنفعة، فإنما يكون ذلك حاضر تاريخها


صفحه 79

مبدأ العبودية لغيرها؛ وهذا الأصل أرقى ما انتهت إليه علوم الاجتماع لهذا العهد.
وكذلك كل ما في آداب القرآن الكريم من الأمر والنهي، فإنما يراد به ضبط الصلة بين عالم العقل وعالم المادة على وجه بين؛ ولولا ذلك ما كانت هذه الآداب زمنية تحيي روح الزمن كله،
بل لكانت من غير هذا العالم، فلا يستقيم لها بشيء ولا تستقيم هي لشيء ثم لا تكون في الناس إلا عنتاً وإرهاقاً ولا يتهيأ معها صرف ولا عدل، ولا يكون منها في الزمن إلا اسمها، وإلا الخبر أنها كانت يوماً فتلحق في التاريخ بباب الفضائل الذي لا يلجه إلا القليل، مع أن وراءه كل
أسماء الحكماء والفلاسفة.
والإنسان إنما يصرف ما يشاء من النواميس الثابتة لعالَم المادة فيما يرجع بالنفع والضرر، فإذا أطلقت يده في ذلك فكأنه جزء ناقص من نظام الكون؛ أو جزء يتقصه شيء من هذا النظام؛ بيد أن
الآداب إذا أحكمت صلته بذلك العالم المادي على وجه بيّن حلاله وحرامه، فلا ينحاز إلا في حد من الحدود المرسومة، ولا يبغي شيئاً لم تتعين تبعته، ولا يستدخل في أمر إلا وهو في ربقةٍ من
نظامه الاجتماعي فإنه يكون قد استكمل حينئذ ما كان ينقصه، أو ما كان يجعله ناقصاً إن خلا منه، وما دامت الحياة مادة، فللمادة حكمها في الحياة.
وما تدبر هذا القرآن أحدَ قط إلا وجده يطلق لكل إنسان - على القوة والضعف والعزة والذلة
- إرادة اجتماعية أساسها الفضيلة الأدبية: حتى لا تكون بطبيعتها إلا جزءاً من الشريعة التي هي في الحقيقة إرادة المجموع، ولقد كانت تلك الإرادة الاجتماعية هي الحلم السماوي الذي أطبق عليه
الموت أعين الفلاسفة وحكماء الأرض جميعاً، ولم يتحقق في غير ذلك الجيل الذي كان المثال الصحيح لآداب القرآن؛ إذ تمكنت منه الفضيلة الأدبية بمقدار ما يأتي لها أن تتمكن من نفس الإنسان، وبلغت فيه ما يتفق لها أن تبلغ من الفطرة؛ فكانت أعمالها مظاهر لتلك القوة التي
سميناها " الإرادة الاجتماعية " ولو أن العلوم كلها والفلسفة وأهلها كانت لأولئك العرب مكان القرآن لما أغنت شيئاً من غنائه، ولا ردت عليهم بعض مرده؛ فإن الفضيلة العقلية التي أساسها العلم، لا تعطي غير الإرادة النظرية التي ربما اهتدى بها المرء وربما ظل بها على علم، ولكن الفضيلة الأدبية
تدفع إلى الإرادة العملية دفعاً؛ لأن هذه الإرادة هي مظهرها ولا سبيل لظهورها غير العمل، ومتى صحت إرادةُ الفرد واستقام لها وجه في الاجتماع، فقد صار بنفسه قطعة من عمل الأمة، ولا بد أن
تكون الأمة القائمة بأفراد من أمثاله قطعة من عمل التاريخ الاجتماعي؛ وهذا بعينه هو الذي أنشأه القرآن في العرب من أنفسهم، وأنشأه من العرب في التاريخ، وهو وليهم بما كانوا يعملون.
ومثل تلك الإرادة التي وصفنا لا تكون ولا وجه لكونها إلا أن يجعل هذا القرآن للمرء مبدأ قبل أن يجعل له شريعة، ثم لا يقيم الشريعة إلا على هذا المبدأ، فيكون المرء محكوماً بيقينهِ


صفحه 80

وفكره لا بظنه ولا بعادته؛ وبذلك يكون بناؤه الإنساني قاراً في حيزه الإنساني.
وأنه ليستحيل ألبتة أن لا يكون لأجهل الناس في قومه فكر اجتماعي ما دام له يقين ثابت في آداب المجموع.
هذا، وقد أمسكنا عن التفصيل والشرح وانتزاع الأمثلة القرآنية في كل ما تقدم، تَفادياً الإطالة واقتصاراً على غرض الكتاب، مما يُجزِئُ قليله في الدلالة على كثيره، فإن الدلالة على
الكثير وإن لم تكن هي إياه غير أنها تعينه وتصفه، ومن ضَرَبَ بالحدود على فضاء واسع في الأرض فقد أظهره حتى لا يخطئ النظرُ الهينُ أن يُطبقه وَيستوعبه، وإن كان فيما وراء ذلك
تعرفه وقياسه واستخراج مبلغ ذزعه ما يبلغ العنت؛ ما ليس في العنت أبلغُ منه.
وبالجملة فإن القرآن إنما يريد بآدابه وعِظاته الإنسانَ الاجتماعي لا الصورة الإنسانية التي تخلقها العصورُ التاريخية والسياسية أصنافاً من الخَلقِ، أو تفتري عليها ضروباً من الافتراء، فلا
يريد كلّ ما فيه من الآداب الاجتماعية على هذه الجهة لا يَعدُوها، وليس فيه من آية من الأداء والأخلاق إلا هو يريغَ بها ناحية من هذا المقصد، ومن أجل ذلك بقيت روح آدابه في أنفس
المسلمين لا تغيير في الجملة وإن تغيروا لها وانصرفوا عنها، كأنها فيهم طبيعة وراثية، ولقد كانت هذه الروح - ولم تزل - هي السبب الأكبر في انتشار الإسلام حتى بين أعدائه الذين أرادا
استئصاله، كالتتار والمغول وغيرهم ممن اشتدوا عليه ليخذلوه، ثم كانوا بعد ذلك من أشد أهله في
نصرته والغضب له والدفع دونه، وهو الإسلامُ لا دعوة له من أول تاريخه إلى هذه الغاية، وإلى ما
شاء الله، إلا القدرةُ التي هي مظهر آدابه أو روحُ هذه الآداب؛ فحيثما وُجدَت طائفة من أهله
وجدت الدعوة إليه، وإن لم ينتحلوها ويعملوا لها من عملهم، وإن لم يَتسخر هو من ورائهم
الدعاة المنتخبين ولم يستحثهم للجَولة بالعطايا والمنالات، ولم يقتطعهم من الدنيا ليترامى بهم إلى
غرضه في كل شرق، وتلك دلالة صريحة على أنه الدينُ الطبيعي للإنسانية، إذ تأخذ فيه النفسُ حق
النفس بلا وساطة ولا حيلة في التوسط. . . وهي حقيقة زمنية لم يزل كل عصر يأتي الناس بدليلها، ولم يستطع أعداء الإسلام أن يكابروا فيها فكابروا في تعليلها!
وبعدُ فما أفصح وأبلغ، وما أصح وأوضحَ ما ورد في صفة القرآن من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
" فيه نَبأ ما قبلكم، وخبرُ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصلُ ليس بالهزل ".
ونحن فما عدَونا في كل ما قدمناه تفسيرَ هذه الكلمات القليلة، وإن فيها بعد لفضلاً فاضلاً، لو وجد فاصلاً، وقولاً طائلاً، وأصاب له قائلاً.


صفحه 81

القرآن والعلوم
وللقرآن وجة اجتماعي من حيث تأثيرُه في العقل الإنساني، وهو معجزة التاريخ العربي خاصة، ثم هو بآثاره النامية معجزة أصلية في تاريخ العلم كله على بَسيط هذه الأرض، من لدُن
ظهر الإسلامُ إلى ما شاء الله، لا يذهب بحقها اليوم أنها لم تكن قبلُ إلا سبباً، فإن في الحق ما يَسعُ الأشياء وأسبابها جميعاً.
وليس يرتاب عاقل - ممن يَتدبرون تاريخ العلم الحديث، ويستقصون في أسباب نشأته، ويَتشبثون عند الخاطر من ذلك إذا أقدموا عليه؛ وعند الرأي إذا قطعوا به - أنه لو لم يكن القرآن
الكريم لكان العالمُ اليومَ غيرَ ما هو في كل ما يستطيلُ به، وفي تقدمه وانبساط ظل العقل فيه وقيامه على أرجائه، وفي نموه واستبحارِ عُمرانه.
فإنما كان القرآن أصلَ النهضة الإسلامية وهذه
كانت على التحقيق هي الوسيلةُ في استبقاء علوم الأولين وتهذيبها وتصفيتها، وإطلاق العقل فيما شاء أن يرتعَ منها، وأخذِهِ على ذلك بالبحث والنظرِ والاستدلالِ والاستنباط، وتوفير مادة الرَّوية
عليه بما كان سبباً في طلب العلم للعمل، ومزاولة هذا لذاك، إلى صفاتٍ أخرى ليس هذا موضع بَسطها -
وإن لها لموضعاً متى انتهينا إلى بابها من الكتاب - وهذا كله كان أساس التاريخ العلمي في