بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 78

بعينه؛ ولا القوانينُ والعادات والشرائع وكل الفضائل الاجتماعية، إلا وسائل مختلفة لتبين هذا
الاختلافَ على حدود بينة من الحق. وهيهات أن يكون للناس هدى إلا بالطرق التي يتخذونها لحياطة تلك النسبة ويأخذ بها بعضهم بعضاً.
وهيهات أن يصيبوا أثراً من الرحمهَ لأنفسهم إلا بحد
تلك النسبة وإقامة هذا الحد على التقوى التي هي مظهر الإيمان فيما بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان.
وكل الوسائل التي تعمل في النهضة الإنسانية فإنما هي ترجع إلى ثلاث كلمات تقابل تلك الثلاثَ أيضاً وهي: صلةُ الحرية بالشريعة وصلةُ الشريعة بالأخلاق وصلةُ الأخلاق بالله.
وعلى تفصيل هذه الثلاث جاءت آداب القرآن الذي لو بلغت الإنسانيةُ في وصفه بما وسعَها ما بلغت مثلَ
قوله تعالى فيه: (مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَؤنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ) .
فانظر كيف يكون تصوير العاطفة وتأثيرها العصبي وما وراء تأثيرها.
لا غَرْوَ كان هذا القرآن من أجل ذلك إنما يصف جمل الآداب، أي الكليات الأدبية التي تلائم الفطرة في مختلف أزمانها، ولا يقرر الأخلاق تقريراً وضعياً على أسلوب الكتب والمصنفات، فيضعها على أن لها قواعد وضوابطَ وأشباهَ القواعد والضوابط، مما هو مثار
الاختلاف ومَبعثُ الفرقة في مذاهب الحكماء، ومما لا تكون الآداب معه إلا معادة على الناس في كل عصر بنوع من التنقيح وضرب من التغيير يناسبان اختلاف كل عصر عن الذي قبله، بل أن
المعجزة في هذه الآداب الكريمة أنها تقرر الأخلاق تقريراً عاماً، فيصفها القرآن على أنها هي
القواعد لغيرها، والضوابط لما يُبْتَنى عليها، ويوردها في أحسن الحديث؛ ويعترض بها وجوه
القصص ويقلبها مع أغراض الكلام ثم لا يكون في ذلك وجهَ من وجه الخلاف بينها وبين الفطرة الإنسانية، على ما في تلك الآداب من الإطلاق، وعلى أنها غيرُ ملحوظ فيها دولة بعينها أو أمة
بأوصافها، أو نحو ذلك من ضرور الحدّ والتعيين؛ فليس فيها من روح الزمن إلا روح الزمن كله بحيث لا يتأتى للفيلسوف ولا المؤرخ إلى أن يردها أحدهما أو كلاهما في جملتها إلى عصر بعينه
لا تعدوه، أو يقصرها على حد تَقفُها عنده الإنسانية وتتقدم بغيرها مما يقال فيه إنه الأصلح أو الأنفع، ولو أن الدهرَ قد فني ثم نزع من كل أمة شهيد وعُرضت عليهم آدابُ القرآن فقابلوها
بفضائل آدابهم واعترضوا بعضَ ذلك ببعضه ثم قيل هاتوا برهانكم عليها، لأقرَّ الزمن بألسنتهم جميعاً أنها الحق وأن الحق لله.
من أجل ذلك تجد الخطاب الأدبي مطلقاً في القرآن كله كأنه نظام إنساني عام لا يراد به إلا حرية المنفعة للنوع كله، ثم الموازنة بين مقدار هذه المنفعة وبين مقدار الحرية التي تنال بها،
ليكون كل شيء في نصابه الاجتماعي، فإن إطلاق الحرية عبث، وإطلاق المنفعة ضرر أو ضرار،
ولو سوغت كل أمة أن تقارف ما تريد بمقدار ما يهيئ لها ضعف غيرها من الحرية في بسط يدها لكان من ذلك فتنة في الأرض وفساد كبير.
وإن كل أمة اضطربت فيها الموازنة بين الحرية والمنفعة، فإنما يكون ذلك حاضر تاريخها


صفحه 79

مبدأ العبودية لغيرها؛ وهذا الأصل أرقى ما انتهت إليه علوم الاجتماع لهذا العهد.
وكذلك كل ما في آداب القرآن الكريم من الأمر والنهي، فإنما يراد به ضبط الصلة بين عالم العقل وعالم المادة على وجه بين؛ ولولا ذلك ما كانت هذه الآداب زمنية تحيي روح الزمن كله،
بل لكانت من غير هذا العالم، فلا يستقيم لها بشيء ولا تستقيم هي لشيء ثم لا تكون في الناس إلا عنتاً وإرهاقاً ولا يتهيأ معها صرف ولا عدل، ولا يكون منها في الزمن إلا اسمها، وإلا الخبر أنها كانت يوماً فتلحق في التاريخ بباب الفضائل الذي لا يلجه إلا القليل، مع أن وراءه كل
أسماء الحكماء والفلاسفة.
والإنسان إنما يصرف ما يشاء من النواميس الثابتة لعالَم المادة فيما يرجع بالنفع والضرر، فإذا أطلقت يده في ذلك فكأنه جزء ناقص من نظام الكون؛ أو جزء يتقصه شيء من هذا النظام؛ بيد أن
الآداب إذا أحكمت صلته بذلك العالم المادي على وجه بيّن حلاله وحرامه، فلا ينحاز إلا في حد من الحدود المرسومة، ولا يبغي شيئاً لم تتعين تبعته، ولا يستدخل في أمر إلا وهو في ربقةٍ من
نظامه الاجتماعي فإنه يكون قد استكمل حينئذ ما كان ينقصه، أو ما كان يجعله ناقصاً إن خلا منه، وما دامت الحياة مادة، فللمادة حكمها في الحياة.
وما تدبر هذا القرآن أحدَ قط إلا وجده يطلق لكل إنسان - على القوة والضعف والعزة والذلة
- إرادة اجتماعية أساسها الفضيلة الأدبية: حتى لا تكون بطبيعتها إلا جزءاً من الشريعة التي هي في الحقيقة إرادة المجموع، ولقد كانت تلك الإرادة الاجتماعية هي الحلم السماوي الذي أطبق عليه
الموت أعين الفلاسفة وحكماء الأرض جميعاً، ولم يتحقق في غير ذلك الجيل الذي كان المثال الصحيح لآداب القرآن؛ إذ تمكنت منه الفضيلة الأدبية بمقدار ما يأتي لها أن تتمكن من نفس الإنسان، وبلغت فيه ما يتفق لها أن تبلغ من الفطرة؛ فكانت أعمالها مظاهر لتلك القوة التي
سميناها " الإرادة الاجتماعية " ولو أن العلوم كلها والفلسفة وأهلها كانت لأولئك العرب مكان القرآن لما أغنت شيئاً من غنائه، ولا ردت عليهم بعض مرده؛ فإن الفضيلة العقلية التي أساسها العلم، لا تعطي غير الإرادة النظرية التي ربما اهتدى بها المرء وربما ظل بها على علم، ولكن الفضيلة الأدبية
تدفع إلى الإرادة العملية دفعاً؛ لأن هذه الإرادة هي مظهرها ولا سبيل لظهورها غير العمل، ومتى صحت إرادةُ الفرد واستقام لها وجه في الاجتماع، فقد صار بنفسه قطعة من عمل الأمة، ولا بد أن
تكون الأمة القائمة بأفراد من أمثاله قطعة من عمل التاريخ الاجتماعي؛ وهذا بعينه هو الذي أنشأه القرآن في العرب من أنفسهم، وأنشأه من العرب في التاريخ، وهو وليهم بما كانوا يعملون.
ومثل تلك الإرادة التي وصفنا لا تكون ولا وجه لكونها إلا أن يجعل هذا القرآن للمرء مبدأ قبل أن يجعل له شريعة، ثم لا يقيم الشريعة إلا على هذا المبدأ، فيكون المرء محكوماً بيقينهِ


صفحه 80

وفكره لا بظنه ولا بعادته؛ وبذلك يكون بناؤه الإنساني قاراً في حيزه الإنساني.
وأنه ليستحيل ألبتة أن لا يكون لأجهل الناس في قومه فكر اجتماعي ما دام له يقين ثابت في آداب المجموع.
هذا، وقد أمسكنا عن التفصيل والشرح وانتزاع الأمثلة القرآنية في كل ما تقدم، تَفادياً الإطالة واقتصاراً على غرض الكتاب، مما يُجزِئُ قليله في الدلالة على كثيره، فإن الدلالة على
الكثير وإن لم تكن هي إياه غير أنها تعينه وتصفه، ومن ضَرَبَ بالحدود على فضاء واسع في الأرض فقد أظهره حتى لا يخطئ النظرُ الهينُ أن يُطبقه وَيستوعبه، وإن كان فيما وراء ذلك
تعرفه وقياسه واستخراج مبلغ ذزعه ما يبلغ العنت؛ ما ليس في العنت أبلغُ منه.
وبالجملة فإن القرآن إنما يريد بآدابه وعِظاته الإنسانَ الاجتماعي لا الصورة الإنسانية التي تخلقها العصورُ التاريخية والسياسية أصنافاً من الخَلقِ، أو تفتري عليها ضروباً من الافتراء، فلا
يريد كلّ ما فيه من الآداب الاجتماعية على هذه الجهة لا يَعدُوها، وليس فيه من آية من الأداء والأخلاق إلا هو يريغَ بها ناحية من هذا المقصد، ومن أجل ذلك بقيت روح آدابه في أنفس
المسلمين لا تغيير في الجملة وإن تغيروا لها وانصرفوا عنها، كأنها فيهم طبيعة وراثية، ولقد كانت هذه الروح - ولم تزل - هي السبب الأكبر في انتشار الإسلام حتى بين أعدائه الذين أرادا
استئصاله، كالتتار والمغول وغيرهم ممن اشتدوا عليه ليخذلوه، ثم كانوا بعد ذلك من أشد أهله في
نصرته والغضب له والدفع دونه، وهو الإسلامُ لا دعوة له من أول تاريخه إلى هذه الغاية، وإلى ما
شاء الله، إلا القدرةُ التي هي مظهر آدابه أو روحُ هذه الآداب؛ فحيثما وُجدَت طائفة من أهله
وجدت الدعوة إليه، وإن لم ينتحلوها ويعملوا لها من عملهم، وإن لم يَتسخر هو من ورائهم
الدعاة المنتخبين ولم يستحثهم للجَولة بالعطايا والمنالات، ولم يقتطعهم من الدنيا ليترامى بهم إلى
غرضه في كل شرق، وتلك دلالة صريحة على أنه الدينُ الطبيعي للإنسانية، إذ تأخذ فيه النفسُ حق
النفس بلا وساطة ولا حيلة في التوسط. . . وهي حقيقة زمنية لم يزل كل عصر يأتي الناس بدليلها، ولم يستطع أعداء الإسلام أن يكابروا فيها فكابروا في تعليلها!
وبعدُ فما أفصح وأبلغ، وما أصح وأوضحَ ما ورد في صفة القرآن من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
" فيه نَبأ ما قبلكم، وخبرُ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصلُ ليس بالهزل ".
ونحن فما عدَونا في كل ما قدمناه تفسيرَ هذه الكلمات القليلة، وإن فيها بعد لفضلاً فاضلاً، لو وجد فاصلاً، وقولاً طائلاً، وأصاب له قائلاً.


صفحه 81

القرآن والعلوم
وللقرآن وجة اجتماعي من حيث تأثيرُه في العقل الإنساني، وهو معجزة التاريخ العربي خاصة، ثم هو بآثاره النامية معجزة أصلية في تاريخ العلم كله على بَسيط هذه الأرض، من لدُن
ظهر الإسلامُ إلى ما شاء الله، لا يذهب بحقها اليوم أنها لم تكن قبلُ إلا سبباً، فإن في الحق ما يَسعُ الأشياء وأسبابها جميعاً.
وليس يرتاب عاقل - ممن يَتدبرون تاريخ العلم الحديث، ويستقصون في أسباب نشأته، ويَتشبثون عند الخاطر من ذلك إذا أقدموا عليه؛ وعند الرأي إذا قطعوا به - أنه لو لم يكن القرآن
الكريم لكان العالمُ اليومَ غيرَ ما هو في كل ما يستطيلُ به، وفي تقدمه وانبساط ظل العقل فيه وقيامه على أرجائه، وفي نموه واستبحارِ عُمرانه.
فإنما كان القرآن أصلَ النهضة الإسلامية وهذه
كانت على التحقيق هي الوسيلةُ في استبقاء علوم الأولين وتهذيبها وتصفيتها، وإطلاق العقل فيما شاء أن يرتعَ منها، وأخذِهِ على ذلك بالبحث والنظرِ والاستدلالِ والاستنباط، وتوفير مادة الرَّوية
عليه بما كان سبباً في طلب العلم للعمل، ومزاولة هذا لذاك، إلى صفاتٍ أخرى ليس هذا موضع بَسطها -
وإن لها لموضعاً متى انتهينا إلى بابها من الكتاب - وهذا كله كان أساس التاريخ العلمي في


صفحه 82

أوروبا. فما من موضع في هذا (الأساس) القائم إلا وأنت واجد من دونه قطعةَ من الآداب الإسلامية أو العقول الإسلامية، أو الحضارة الإسلامية، فالقرآن من هذا الوجه إنما هو البابُ الذي
خرج منه العقلُ الإنساني المسترحلُ، بعد أن قطعَ الدهر في طفولةٍ وشباب.
وكل دين سماوي فإنما هو طور من أطوار النمو في هذا العقل الإنساني يستقبل به الزمان درجات جديدة في نشأته الأرضية؛ فما التاريخ كله إلا مِقياس عقلي درجاته وأرقامه هذه العصور
المختلفة التي يستعين العقل منها مقدار زيادته من مقدار نقصانه.
أما من وجه آخر فإن القرآن إنما هو الدرجة الأبدية التي أجاز عليها العالم في انتقاله من جهة
إلى جهة. وإنا لمستيقنون أن هذه الدرجة هي نفسها التي سيجيز عليها العالم كرة أخرى (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) .
وأما إن هذا القرآن معجزة التاريخ العربي خاصة وأصل النهضة الإسلامية، فذلك بين من كل وجوهه؛ غير أننا سنقول في الجهة التي تتصل بنشأة العلوم، إذ هي سبيل ما نحن فيه من هذا
الفصل، وقد أومأنا إلى بدء تاريخ التدوين العلمي وبعض أسبابه في باب الرواية من الجزء الأول
من تاريخ آداب العرب، فنفتصر هنا على موجز من أسباب النشأة العلمية.
اختلف المسلمون في قراءة القرآن لعهد عثمان رضي الله عنه كما تقدم في موضعه، وبدأت، ألسنة الحضريين ومن في حكمهم من ضعاف الفطرة العربية؛ تجنح إلى اللحن وتزيغ عن الوجوه
في الإعراب؛ وجعل ذلك يفشو بين المسلمين بعد أن اضطرب كلام العرب فداخله الشيء الكثير من المولد والمصنوع؛ وذهب أهل الفتن يتأولون عن معاني القرآن ويحرفون الكلم عن مواضعه،
وخيف على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي الأصل الثاني بعد القرآن؛ ثم فشا الجهل بأمور الدين،
وضعف عامة الناس عن حمل العلم وطلبه، واقتصروا من ذلك على أن يفزعوا إلى العلماء
بالمسألة فيما يحدث لهم وما يرجون أن يتفقوا فيه، ثم تباينت آراء العلماء واختلفت أفهامهم فيما يستنبطون من الأحكام وما يتأولون لها من الكتاب والسنة، واختلط أمر الناس، وأقبلت عليهم
الفتن كقِطع الليل، وامتدت إليهم كأعناق السيل، فكان ذلك كله ما بعث العلماء أن يفترقوا على جهات القرآن؛ حياطة لهذا الدين. وقياماً بفروض الكفاية، يستقبل بعضهم بعضاً بالرفد
والمعاونة، ويأخذون على أطراف الأمر كله، وهو أمر لم يكن أكثره على عهد الصحابة رضي الله عنهم


صفحه 83

يوم كان العلم فروعاً قليلة، إذ كانت الأعلام بينة لائحة، وطريق الإسلام لا تزال فيها آثار النبوة واضحة، ومن ثم جعلت العلوم تنبع من القرآن ثم تستجيشُ وتتسع، وأخذ بعضها يمد بعضاً.
قال أحد العلماء: " فاعتنى قوم بضبط لغاتهِ وتحريز كلماتهِ، ومعرفة مخارج حروفه، وعددها، وعددِ كلماته وآياته وسوَره وأحزابه وأنصافه وأرباعه، وعدد سَجداته، والتعليم عند كل
عشر آيات؛ إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة، من غير تعرضٍ لمعانيه، ولا تدبر لما أودع فيه فسموا القراء!
" واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبني من الأسماء والأفعال والحروف العامة وغيرها، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال.
واللازم والمتعدى، ورسوم خط الكلمات وجميع ما لعلق به، حتى إن بعضهم أعرب مشكله، وبعضهم أعربه كلمة.
" واعتنى المفسرون بألفاظه، فوجدوا منه لفظاً يدل على معنى واحد، ولفظاً يدل على معنيين، ولفظاً يدل على أكثر، فأنجرَوا الأول على حكمه، وأوضحوا معنى الخفي منه، وخاضوا
في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين أو المعاني، وأعمل كل منهم فكره، وقال بما اقتضاه نظره. .
" واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية والشواهد الأصلية والظرية، فاستنبطوا منه، وسموا هذا العلم بأصول الدين.
" وتأملت طائفة منهم معاني خطابه، فرأت منها ما يقتضي العموم ومنها ما يقتضي الخصوص، إلى غير ذلك، فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز.
" وتكلموا في التخصيص والأخبار والنص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه والأمر والنهي والنسخ، إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة واستصحاب الحال والاستقراء، وسموا هذا الفن أصول الفقه.
" وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام وسائر الأحكام؛
فأسسوا أصوله، وفرعوا فروعَهُ، وبسطوا القول في ذلك بسطاً حسناً، وسموه بعلم الفروع، وبالفقه أيضاً.


صفحه 84

" وتلمحت طائفة ما فيه من قِصَصِ القرون السالفة، والأمم الخالية، ونقلوا أخبارهم، ودونوا أخبارهم ووقائعهم، حتى ذكروا بدء الدنيا وأولَ الأشياء؛ وسموا ذلك بالتاريخ والقَصَصِ.
" وتنبه آخرون لما فيه من الحِكم والأمثال والمواعظ التي تُقلْقل قلوبَ الرجال، فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد والتحذير والتبشير وذكر الموت والميعاد والحشر والحساب والعقاب
والجنةِ والنار - فصولاً من المواعظ وأصولاً من الزواجر، فسموا بذلك الخطباء والوعاظ.
" وأخذ قوم مما في آية المواريث من ذكر السهام وأربابها وغير ذلك - علمَ الفرائض،
واستنبطوا منها من ذكر النصف والربع والسدس والثمن حساب الفرائض.
" ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالة على الحِكم الباهرة في الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبروج غير ذلك، فاستخرجوا منه علم المواقيت.
" ونظر الكتابُ والشعراءُ إلى ما فيه من جزالة اللفظ، وبديع النظم، وحسنِ السياق، والمبادئ والمقاطع والمخالص والتلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك،
واستنبطوا منه المعاني والبيان والبديع".
انتهى تحصيلاً.
وإنَّما أوردنا هذا القول لنكشفَ لك عن معنى عجيب في هذا الكتاب الكريم، فهو قد نزل في البادية على نبي أمِّي وقوم أميين لم يكن لهم إلا ألسنتُهم وقلوبهم، وكانت فنونُ القول التي يذهبون فيها مذاهبهم ويتواردون عليها، لا تجاوز ضروباً من الصفات، وأنواعاً من الحكم، وطائفة
من الأخبار والأنساب، وقليلاً مما يجري هذا المجرى، فلما نزل القرآن بمعانيه الرائعة التي افتن بها في غير مذاهبهم، ونزع منها إلى غير فنونهم، لم يقفوا على ما أريد به من ذلك، بل حملوه
على ظاهره وأخذوا منه حُكم زمانهم، وكان لهم في بلاغته المعجزة مَقنَع، وما درى عربي واحد من أولئك لِمَ جعل الله في كتابه هذه المعاني المختلفة، وهذه الفنونَ المتعددة، التي يهيجُ بعضُها
النظر، ويشحذ بعضها الفكر، ويمكن بعضها اليقين، ويبعث بعضها على الاستقصاء،


صفحه 85

وهي لم تكن تلتئم على ألسنتهم من قبل؛ بيدَ أن الزمان قد كشف بعدهم عن هذا المعنى، وجاء به دليلاً
بيناً منه على أن القرآن كتاب الدهر كله؛ وكم للدهر من أدلة على هذه الحقيقة ما تبرح قائمة؛ فعلمنا من صَنيع العلماء أن القرآن نزل بتلك المعاني، ليخرج للأمة من كل معنى علماً برأسِه، ثم
يعمل الزمن عمله فتخرج الأمة من كل علم فروعاً، ومن كل فرع فنوناً إلى ما يستوفى في هذا
الباب على الوجه الذي انتهت إليه العلوم في الحضارة الإسلامية؛ وكان سبباً في هذه النشأة الحديثة من بعد أن استدار الزمان وذهبت الدنيا مُستدبرة وأنشأ الله القرونَ والأجيالَ لتبلغ هذه الحادثة أجلَها ويتناهى بها القضاء وإن من شيء إلا عند الله خزائنه، ولكنه سبحانه وتعالى يقول:
(وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) .
ولقد كانت النهضة العلمية في زمن بني أمية قائمة بأكثر العلوم الإسلامية التي مرَّت الإشارة إليها، حتى امتهد أبو جعفر المنصور؛ ثم الرشيد من بعده للنهضة العباسية الكبرى التي نثات من
جمع كلمة أهل الفقه والحديث بعد انشقاقهم زمناً وافتراق الكلمة بينهم - ومن إقبال الناس على الطلب والاستيعاب؛ فكان ذلك تهيئة لانشقاق علوم الفلسفة والكلام وما إليها وظهور أهلها
وانحياز السنة عنها جانباً، ثم اجتماعها على مناظرتها؛ فإن المنصور لما حج في سنة 163 هـ
لقيه مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه بمنى على ميعاد، بعد الذي كان مما أنزل به جعفرُ بن سليمان عامل المنصور على المدينة من الضرب بالسوط وانتهاك الحرمة وإزالة الهيبة،
قال مالك رحمه الله: (ثم فاتحني (يعني المنصور) فيمن مضى من السلفِ والعلماء، فوجدته أعلَم الناس بالناس؛ ثم فاتحني في العلم والفقه فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه وأعرفَهم بما اختلفوا
فيه، حافظاً لما روى، واعياً لما سمع، ثم قال لي: يا أبا عبد الله، ضع هذا العلم ودون منه كتباً،
وتجنَّب شدائدَ عبد الله بن عمر، ورُخَصَ عبد الله بن عباس، وشواذ ابن مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمةُ والصحابة رضي الله تعالى عنهم، لنحمل الناس إن شاء الله
على علمك وكتبك، ونبثُّها في الأمصار، ونعهدَ إليهم أن لا يخالفوها ولا يقضوا بسواها.
فقلت: أصلح الله الأمير، إن أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في علمهم رأينا.
فقال أبو جعفر: " يُحمَلون عليه وتُضرب عليه هاماتُهم بالسيف وتُقطَع ظهورهم بالسياط!! فتعجل بذلك وضَعها،
فسيأتيك محمد ابني (المهدي) العامَ القابل إن شاء الله إلى المدينة ليسمعها منك، فيجدك وقد فرغتَ من ذلك إن شاء الله! ".