إعراب القرآن المنسوب للزجاجالمؤلف: علي بن الحسين بن علي، أبو الحسن نور الدين جامع العلوم الأَصْفهاني الباقولي (المتوفى: نحو 543هـ)
تحقيق ودراسة: إبراهيم الإبياري
الناشر: دارالكتاب المصري - القاهرة ودارالكتب اللبنانية - بيروت - القاهرة / بيروت
الطبعة: الرابعة - 1420 هـ
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
در کتاب اصلی از صفحه 1 تا صفحه 404 بدون متن است / من الصفحة 1 الي الصفحة 404 فارغة في النسخة المطبوعة
[الجزء الثاني]
الباب المتم العشرين[1]
هذا باب ما جاء في التنزيل من حذف المفعول والمفعولين، وتقديم المفعول الثاني على المفعول [الأول][2]وأحوال الأفعال المتعدية إلى مفعوليها، وغير ذلك مما يتعلق به ونحن نذكر من ذلك ما يدق النظر فيه، لأن ذلك لو حاول إنسان أن يأتي بجميعه توالت عليه الفتوق، ولم يمكنه القيام به لكثرته في التنزيل، وكان بمنزلة من يستقى من بئر زمزم فيغلبه الماء.
فمن ذلك قوله تعالى: (وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ)[3]أي:
وما يشعرون أن وبال ذلك راجع إليهم.
وكذلك: (وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ)[4]أي: لا يشعرون أنهم هم المفسدون، (وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ)[5]أي: لا يعلمون أنهم هم السفهاء.
فأما قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً)[6]فقيل: إن التقدير: كمثل الذي استوقد صاحبه ناراً، فحذف المفعول الأول.
وقيل: إن «استوقد» و «أوقد» كاستجاب، وأجاب.
[1]في هامش الأصل مع هذا العنوان: «وهو مقدم أيضا» .
[2]تكملة يقتضيها السياق) .
[3]البقرة: 9.
[4]البقرة: 12.
[5]البقرة: 13.
[6]البقرة: 17.
ومنه قوله تعالى: (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ)[1]. وجميع ما جاء من «لو شاء» كان مفعوله مدلول جواب «لو» ، والتقدير: ولو شاء الله إذهاب السمع والبصر لذهب بسمعهم وأبصارهم.
ومن ذلك قوله تعالى: (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ)[2]أي: أضاء لهم البرق الطريق مشوا فيه.
ومنه قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[3]أن: تتقون محارمه، وقيل: بل قوله (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً)[4]مفعول «يتّقون» / و «الأرض» مفعول أول ل «جعل» ، و «فراشا» مفعول ثان، ومعنى «جعل» : صير.
وقد يجيء «جعل» بمعنى: صنع، وخلق فيكون متعدياً إلى مفعول واحد، قال الله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ)[5]بمعنى: صنع، وخلق. وقال الله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها)[6].
وإذا كانت بمعنى «صيرت» تعدت إلى مفعولين، لا يجوز الإقتصار على أحدهما، وهي في هذا الوجه تنقسم على ثلاثة أقسام: كما تنقسم «صيرت» .
أحدها: بمعنى «سميت» ، كقوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً)[7]أي: صيروهم إناثاً بالقول والتسمية، كما تقول: «جعل زيد عمراً فاسقاً» . أي: صيره بالقول كذلك.
[1]البقرة: 20.
[2]البقرة: 20.
[3]البقرة: 21.
[4]البقرة: 22.
[5]الأنعام: 1.
[6]الأعراف: 189. [.....]
[7]الزخرف: 191.
والوجه الثاني: أن تكون على معنى: الظن والتخيل، كقولك: اجعل الأمير غائباً وكلمه، أي: صيره في نفسك كذلك.
والوجه الثالث: أن تكون في معنى النقل، فتقول: جعلت الطين خزفاً أي: صيرته خزفاً ونقلته عن حال إلى حال.
قال الله تعالى: (اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً)[1]أي: صيره آمناً، وانقله عن هذه الحال.
قال[2]سيبويه: «وتقول جعلت متاعك بعضه فوق بعض» .
وله ثلاثة أوجه في النصب:
إن شئت جعلت «فوق» في موضع الحال، كما فعلت ذلك في «رأيت» ، [في رؤية العين] «3» وإن شئت نصبت على ما نصبت عليه «رأيت زيداً وجهه أحسن من وجه فلان» ، [تريد رؤية القلب] «4» .
وإن شئت نصبت على أنك إذا قلت: «جعلت متاعك» تدخله[5]معنى «ألقيت» ، فيصير كأنك قلت: «ألقيت متاعك بعضه فوق بعض» .
وهذه الوجوه الثلاثة يرجع وجهان منها إلى وجه واحد مما ذكرنا، وهو أن يجعل «جعلت» متعدياً إلى مفعول واحد.
غير أن معنى الوجهين اللذين ذكرهما مختلف، وإن كانا مجتمعين في التعدي إلى مفعول واحد.
[1]إبراهيم: 35.
[2]الكتاب لسيبويه (1: 78) .
(4- 3) تكملة من الكتاب لسيبويه.
[5]الكتاب: «يدخل فيه» .
فأحد الوجهين هو الأول الذي قال فيه: إن شئت جعلت «فوق» في موضع الحال، فيكون معناه: عملت الباب مرتفعاً، أي: أصلحته، وهو في هذه «الحال» .
والوجه الثاني من هذين الوجهين هو الثالث مما ذكره سيبويه في قوله:
وإن شئت نصبته، على أنك إذا قلت: جعلت متاعك، يدخله معنى:
/ ألقيت، فيصير كأنك قلت: ألقيت متاعك بعضه فوق بعض لأن «ألقيت» كقولك: أسقطت متاعك بعضه فوق بعض، فيكون هذا متعدياً إلى مفعول، وهو منقول من: سقط متاعك بعضه فوق بعض.
فهو يوافق الوجه الأول في التعدي إلى مفعول واحد، ويخالف في غير ذلك، لأنك لم تعمل «المتاع» هاهنا لإصلاح شيء منه وتأثير فيه، كما تعمل الباب بنجره ونحته وقطعه. و «فوق» في هذا كالمفعول إلا في موضع الحال، لأنه في جملة الفعل الذي هو «ألقيت» ، لأنه منقول من: سقط متاعك بعضه فوق بعض، والسقوط وقع على «فوق» وعمل فيه، على طريق الظرف.
وفي المسألة الأولى يعمل فيه «جعلت» ، وإنما عمل فيه الاستقرار، وصار في موضع الحال. وهذان الوجهان كوجه واحد.
وقوله: وإن شئت نصبته على ما نصبت عليه: رأيت زيداً وجهه أحسن من وجه فلان فتعديه إلى مفعولين من جهة النقل والعمل، كما تقول: صيرت الطين خزفاً.
وإنما حملنا هذا الوجه على هذا، لأنه في ذكر «جعلت» الذي في معنى:
عملت، وأثرت.
قال: والوجه الثالث: أن تجعله مثل: ظننت متاعك بعضه أحسن من بعض.
فهذا أحد وجوه «صيرت» التي ذكرناها، وهو الذي في معنى التخيل، والذي هو من طريق التسمية يشبه هذا الوجه، إلا أنه لم يذكره اكتفاء بهذا[1].
فأما قوله تعالى: (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ)[2]ف «الخبيث» هو المفعول. و «بعضه» بدل منه. وقوله «على بعض» ظرف ل «يجعل» ، كما تقول: يلقي الخبيث بعضه على بعض، ومن هذا الباب قوله تعالى:
(أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ) »
وقوله: (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ)[4].
قال: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ)[5]أي: اخبرهم عن ضيفه.
وقال: (يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ)
[6]أي: يخبر به.
[1]الكتاب لسيبويه (1: 78) .
[2]الأنفال: 37.
(3) البقرة: 31.
[4]البقرة: 33.
[5]الحجر: 51.
[6]القيامة: 13.
فلما كان «النبأ» مثل «الخبر» كان «أنبأته عن كذا» ، بمنزلة «أخبرته عنه» ، «ونبأته عنه» مثل «خبّرته عنه» ، و «نبأته به» مثل «خبرته به» .
وهذا يصحح ما ذهب إليه سيبويه، من أن معنى «نبأت زيداً» : نبأت عن زيد، فحذف حرف الجر، لأن «نبأت» قد ثبت أن أصله «خبرت» / بالآي التي تلوناها، فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى المفعول الثاني، ف «نبّأت» يتعدى إلى مفعولين: أحدهما، يصل إليه بحرف جر، كما أن «خبرته عن زيد» كذلك.
فأما ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين نحو: نبأت زيداً عمراً أبا فلان. فهو في هذا الأصل إلا أنه حمل على المعنى، فعدي إلى ثلاثة مفعولين.
وذلك أن الإنباء، الذي هو إخبار، إعلام، فلما كان إياه في المعنى، عدي إلى ثلاثة مفعولين كما عدي الإعلام إليها.
ودخول هذا المعنى فيه، وحصول مشابهته للإعلام لم يخرجه عن الأصل الذي هو له من الإخبار، وعن أن يتعدى إلى مفعولين، أحدهما: يتعدى إليه بالباء أو ب «عن» نحو: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ)[1]ونحو قوله: (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ)[2].
كما أن دخول «أخبرني» في: «أرأيت» لم يخرجه عن أن يتعدى إلى مفعولين، كما كان يتعدى إليهما إذا لم يدخله معنى «أخبرني به» ، إلا أنه امتنع من أجل
[1]الحجر: 51.
[2]التحريم: 3.