القصيرة هي في هذا التخالف. فهل ترى أبوابا يفرق بينها التخالف أكثر مما يجمع بينها التآلف ينتظمها عنوان جامع؟ ثم هل ترى أبوابا منها شيء في النحو وشيء في الصرف وشيء في القراءات وشيء في البيان يضمها «إعراب القرآن» ؟
فنحن نعرف هذا الحديث المتنوع يشيع في كلام المفسرين وتضمه كتب التفسير، ولكن حين يخص المؤلف كتابا بغرض يجمع فيه كل ما يتصل بهذا الغرض لا يخرج عنه إلّا في القليل، على أن يكون هذا القليل في حكم البيان لقضيته أو توكيدها.
ونحن نعرف أن الذين ألفوا مستقلين في إعراب القرآن كتبا مستقلة عرضوا الإعراب في ظل السور، غير كتابنا هذا الذي عرض السور في ظل الإعراب، غير أنه لم يمض في هذا إلى آخر المطاف، بل ضم إلى هذه الأبواب الإعرابية أبوابا أخرى في أغراض مختلفة، فلم تجىء ملائمة لهذا العنوان الذي توجّها.
وأنا بهذا أحب أن أثير شكا حول اسم الكتاب، كما أثرت هذا الشك حول اسم مؤلفه. ولكنا إذا رجعنا إلى الكلمات القليلة التي بقيت لنا من مقدمة المؤلف نجده يقول بعد عرض الأبواب: فهذه تسعون بابا أخرجتها من التنزيل بعد فكر وتأمل وطول الإقامة على درسه ليتحقق للناظر فيه قول القائل:
أحبب النحو من العلم فقد ... يدرك المرء به أعلى الشرف
إنما النحوي في مجلسه ... كشهاب ثاقب بين السدف
يخرج القرآن من فيه كما ... تخرج الدرة من بين الصدف
ثم يسوق بعد هذا أبياتا للكسائي في هذا المعنى. ولا نجد له بعد هذا كلاما يكشف عن غرض بذاته.
ولكنا نلمس من هذا الاستشهاد الشعري الذي ساقه أن المؤلف كان يعني أن يكون الكتاب كتابا في النحو القرآني، بمعنى هذه الكلمة الواسع، وأنه كان في تأليفه متأثرا بالكتاب لسيبويه، الذي جمع فيه مؤلفه- أعني سيبويه- أغراضا مثل هذه الأغراض من النحو والصرف واللغة.
وعلى هذا النمط وفي هذا الغرض الواسع ألف مؤلفنا هذا الكتاب، والفرق بينه وبين سيبويه، هو أن سيبويه لم يخلص كتابه للقرآن على حين خلص مؤلف هذا الكتاب كتابه للقرآن، وكان الإعراب هو ثمرة النحو أو هو النحو تطبيقا، فلم يكن ضير من أن
يسمى الكتاب إعراب القرآن، مع ما يضم من أبواب في غير الإعراب
(5) مؤلف الكتاب
والصفحة الأولى من المخطوطة التي أملت علينا عنوان الكتاب، وقد عرفت الرأي فيه، أملت علينا اسم المؤلف أيضا، أملته علينا لقبا لا اسما ولم تزد عن «الزجاج» .
وهاتان الكلمتان، الكلمة التي تشير إلى اسم الكتاب والكلمة التي تشير إلى اسم المؤلف، تحملهما صفحة أولى خطها يباين خط الكتاب.
والزجاج أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل النحوي (316 هـ) لم يبعد عن هذا الميدان ميدان التأليف في علوم القرآن، وله في ذلك كتاب: معاني القرآن، كما له في غير هذا الميدان كتب أخرى تتصل باللغة والنحو والشعر.
والذين ترجموا للزجاج من القدامى، وهم كثرة، لم يذكروا له كتابا باسم إعراب القرآن، وكان الظن بادىء ذي بدء أن هذا الكتاب أعني «إعراب القرآن» من ذاك الكتاب أعني «معاني القرآن» إذا كان المؤلف واحدا. ولكن سرعان ما انتفى هذا الاحتمال. وعاد الكتاب الذي بين أيدينا يعوزه مؤلف ينضاف إليه.
وكان هذا الذي كتب على الصفحة الأولى من المخطوطة شيئا يجب أن يخرج به الكتاب مع الطبع ليشير إلى هذه القضية التي وراءها حديث طويل، وأن هذا الحديث الطويل كله فروض، وأن هذه الفروض قد يرجح فيها فرض ليكون نتيجة صحيحة.
من أجل هذا آثرنا أن نقول مع عنوان الكتاب «المنسوب إلى الزجاج» لندلك على أن ثمة شيئا سوف يقال، وأن هذا المقول لم يتبين آخره، وأن عليك أن تأخذ معنا في القضية من حيث بدأت إلى حيث تنتهى.
والقارئ للكتاب يجد فيه:
1- نقولا عن أعلام تأخرت وفاتهم عن وفاة الزجاج، نذكر لك منهم:
أبا بكر بن دريد، وكانت وفاته سنة 321 هـ.
والجرجاني أبا الحسن علي بن عبد العزيز، وكانت وفاته سنة 366 هـ.
وأبا سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله، وكانت وفاته سنة 368 هـ.
وأبا على الفارسي الحسن بن أحمد، وكانت وفاته سنة 377 هـ.
وابن عيسى الرماني، وكانت وفاته سنة 384 هـ.
وابن جنى أبا الفتح عثمان وكانت وفاته سنة 392 هـ.
2- نقولا عن الزجاج نفسه، تستوى مع النقول المعزوة إلى غيره.
3- رجالا كانت وفاتهم متأخرة عن وفاة الزجاج، نذكر لك منهم.
عضد الدولة فناخسرو، وكانت وفاته سنة 372 هـ.
4- إشارات إلى كتب يسميها مؤلف الكتاب وينسبها إلى نفسه ويحيل عليها وهى:
(ا) كتاب: الاختلاف.
(ب) كتاب: المختلف.
(ج) كتاب: الخلاف.
(د) كتاب: البيان.
(هـ) التتمة.
(و) الاستدراك (المستدرك) .
(5) - إشارات إلى كتب أخرى لم يسمها المؤلف، فيقول: وقد استقصينا هذه المسألة في غير كتاب من كتبنا (113 و 141) . ويقول: وقد ذكرنا في غير موضع من كتبنا (174) .
6- التحامل على المشارقة، فيقول وهو يذكر أبا على الفارسي: فارسهم (790 و 791) . وفارس الصناعة (557) .
ونقرأ له وهو ينقل عن الجرجاني: إنما العجب من جارجانيكم (897) .
ويعقد بابا، وهو الباب الحادي والثمانون، جاء في التنزيل وظاهره يخالف ما في كتاب سيبويه، ويزيد هذه العبارة اللاذعة: وربما يشكل على البزل الحذاق فيغفلون عنه.
7- وقفته وقفة الند للمشارقة يناقشهم الرأى ويعقب عليهم، وترى من هذا الكثير فى كتابه، فيقول وهو يناقش الكسائي بعد عرض رأى له (152) :
هذا عندنا لا يصح.
ويقول وهو يعرض بالسيرافي فى شرحه لكتاب سيبويه (279) : ألا ترى أن شارحكم زعم.
8- وقد تنضم إلى هذا عبارة جاءت تعقيبا على الرازي (16) وهى:
يا رازى مالك وكتاب الله.
وقد كنا أثبتنا هذه العبارة فى الحاشية بعد أن كانت، فى سياق النص، ظنا بأنها من زيادات قارئ.
وإنى أعود فأرفع هذه العبارة من الحاشية إلى النص لأضمها إلى أدلة التحامل.
وأحب أن أضيف أن الرازي المعنى فى هذه العبارة هو أبو يحيى عبد الرحمن ابن محمد المحدث المفسر، وكانت وفاته سنة 291 هـ، وليس هو الرازي الاخر محمد بن عمر الذي كانت وفاته سنة 606 هـ، إذ هذا الرأى الذي يناقشه المؤلف فى كتابه لم يرد لابن عمر فى تفسيره، ولو أن تفسير عبد الرحمن بين أيدينا للكنا الحجة كاملة، ولكنها على هذا لن تعدو الحقيقة.
وفى ضوء هذه الأدلة نستطيع أن نخلص:
1- إلى أن صاحب هذا الكتاب مغربى لا مشرقى، لتحامله على المشارقة هذا التحامل، الذي مر بك شىء منه، والذي يدلك على أن ثمة جبهتين.
والغريب أن المشارقة أحسوا هذا من مؤلف الكتاب، وحملت النسخة التي بين أيدينا بعضا من تعليقات القراء، وهم من المشارقة لا شك فى ذلك، معها مثل هذا التيل من المؤلف، ومن هذه العبارات تلك التي جاءت فى
(ص: 29) : يا قارئ كتاب عثمان- يريد: ابن جنى- ولا تفهمه أبدا- وهو يدريد المؤلف لا شك.
2- إلى أن صاحب الكتاب كان من العلماء المبرزين وأنه صاحب تواليف عدة، وأن هذه التواليف منها كثرة فى علوم القرآن.
3- إلى أن صاحب الكتاب ليس الزجاج، بل هو رجل آخر، إن لم يكن من مخضرمى القرنين الرابع والخامس الهجريين، فلا أقل من أن يكون قد بلغ نهاية القرن الرابع.
(6) من هو مؤلف الكتاب
ولقد عدت أستعرض من ألفوا فى إعراب القرآن ونحوه فى هدى هذا الذي انتهيت إليه فإذا أنا أقف عند رجل منهم لا أكاد أجاوزه إلى غيره، هو: مكى ابن أبى طالب حموش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني. وكان الذي وقفنى عنده لا أجاوزه:
1- أن الرجل مغربى لا مشرقى.
2- أنه من أصحاب التواليف الكثيرة، وأن أكثر هذه التواليف فى علوم القرآن.
3- أن هذه المؤلفات التي ذكرت فى الكتاب منسوبة إلى مؤلفه، ذكرت بين مؤلفات مكى.
4- أن مكيا هذا من مخضرمى القرنين الرابع والخامس، فلقد كان مولده سنة 355 هـ، وكانت وفاته سنة 437 هـ.
وبقي بعد هذا أن الرجل له كتابان يتنازعان هذا الغرض الذي يتناوله هذا الكتاب، وأول الكتابين: شرح مشكل غريب القرآن، ولا يزال مخطوطا. وحين رجعت إليه تبينت أنه ليس هو.
أما ثانى الكتابين فهو: إعراب القرآن. وما أظن إلّا أنه هو المقصود، وما أظنه إلّا أنه هو الذي بين أيدينا.
غير أن هذه الأبيات الثلاثة الفائية القافية التي جاءت فى المقدمة، ولم يعزها المؤلف لقائل، والتي أشرنا فى الحاشية هناك إلى أنها جاءت معزوة إلى جامع العلوم على بن حسين، وعلى بن الحسين هذا كانت وفاته سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (543 هـ) ، وهذا ما ينفى نسبة الكتاب إلى مكّى، إذ وفاة مكّى كانت كما علمت سنة سبع وثلاثين وأربعمائة (437 هـ) .
غير أن صاحب معجم الأدباء بتعقيبه الذي سقناه هناك فى الحاشية عن البيهقي دفع أن تكون الأبيات من إنشاء جامع العلوم على بن الحسين وإنما هى من إنشاده، وهذه تعنى أن الأبيات لسابق.
ولكن هذا التعقيب من ياقوت لم يقنع به الأستاذ أحمد راتب نفاخ فى مقاله الذي نشره فى مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق[1]ورأى أن هذا الكتاب لجامع العلوم، وقوّى هذا عنده:
1- أن لجامع العلوم كتابين، هما: الاستدراك، والبيان.
2- وأن هذين الكتابين اسمان لكتابين من كتب جامع العلوم وهما:
(أ) الاستدراك على أبى على، (ب) والبيان فى شواهد القرآن.
3- وأن المؤلف هنا فى غير ما موضع يستدرك على أبى على الفارسي فى كتابه الحجة، وهذا يعنى أن الاستدراك (المستدرك) هنا لأبى على الفارسي لا المكىّ.
4- وأنه ثمة كتاب لجامع العلوم، هو: الكشف فى نكت المعاني والاعراب وعلل القراءات المروية عن الأئمة السبعة.
[1]انظر مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق (ج 4: م 48) دمشق 1393 هـ (1973 م)
5- وأنه بمراجعته نصوصا من هنا- أعنى فى هذا الكتاب الذي بين أيدينا- ونظائرها فى الكشف وجد ثمه اتفاقا:
6- وأن جامع العلوم يشير فى مواضع من كتابه (الكشف) بقوله: وقد نبهت على الأبيات فى البيان.
7- وأن هذه كلها تعنى أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا لجامع العلوم لا لمكىّ.
8- وأن هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو: البيان فى شواهد القرآن والأمر على الرغم من هذا يحتاج إلى مزيد قاطع.
(7) تعريف بمكى
وأحب الآن أن أعرفك بهذا الرجل الذي أكاد أرجح أنه مؤلف هذا الكتاب.
ولقد ترجم له مؤلفون عدة من المغاربة ومن المشارقة.
فمن المغاربة:
1- ابن بشكوال فى كتابه: الصلة فى تاريخ أئمة الأندلس (2: 571- 574) 2- الضبي، فى كتابه: بغية الملتمس فى تاريخ رجال الأندلس (396- 397) .
3- الأزدى الحميدي فى كتابه: جذوة المقتبس فى تاريخ علماء الأندلس (الورقة: 151) ومن المشارقة:
1- القفطي فى كتابه: إنباه الرواة (3: 313- 319) .
2- ابن خلكان فى كتابه: وفيات الأعيان (2: 580- 583)
3- ياقوت، فى كتابه: معجم الأدباء (19: 167- 171) 4- السيوطي، فى كتابه: بغية الوعاة (396- 397) وهؤلاء كلهم، وغيرهم ممن لم نذكر، مجمعون على أنه:
أبو محمد مكى بن أبى طالب حموش بن محمد بن مختار القيسي، غير ياقوت فإنه تردد فى اسم الأب هل هو، حموش أو محمد؟
وما بعد هذا فالمراجع كلها تحدثنا أنه بالقيروان ولد، وأن مولده كان لسبع بقين من شعبان سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، أو أربع وخمسين وعلى أرض القيروان دب وشب، حتى إذا ما بلغ الثالثة عشرة من عمره سافر إلى مصر حيث اختلف إلى المؤدبين. وكانت رحلته تلك إلى مصر سنة 367 هـ، وبقي بمصر إلى سنة تسع وسبعين، أن نحوا من اثنى عشر عاما، حفظ فى خلالها القرآن واستظهر القراءات وغيرها من الآداب. ثم عاد إلى القيروان. وبقي بها إلى سنة اثنتين وثمانين، أي نحوا من ثلاث سنين.
ثم عاد ثانية إلى مصر ليتم تحصيله الذي بدأه فى إقامته الأولى. وقد أقام بمصر إقامته الثانية إلى سنة سبع وثمانين أي نحوا من سنين أربع.
ثم خرج إلى مكة فأقام بها إلى آخر سنة تسعين، أي نحوا من سنين أربع، حج فيها أربع حجج متوالية. وفى سنة إحدى وتسعين خرج من مكة قاصدا مصر. ولم يمكث فى مصر هذه المرة كثيرا، فقد تركها إلى القيروان.
وفى سنة اثنتين وتسعين كانت رحلته إلى الأندلس. وفى رجب من سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وصل قرطبة حيث جلس للإقراء بجامعها.
ولقد كان نزوله أول ما نزل قرطبة فى مسجد النخيلة الذي بالرواقين عند باب العطارين. وبه بدأ يقرئ الناس. ثم نقله المظفر عبد الملك بن أبى عامر إلى جامع الزاهرة، وبقي يقرئ فيه إلى انتهاء دولة آل عامر. ثم نقله محمد بن هشام المهدى إلى المسجد الخارج بقرطبة فأقرأ فيه مدة الفتنة كلها إلى أن قلده الحسن بن جهور الصلاة