قلت: وفى التنزيل: (يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ)[1]، و (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ)[2].
وفيما اكتسى المضاف من المضاف إليه التأنيث: (وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ)[3]و (الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ)[4]، وقوله: (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ)[5]، جاء تأنيث الفعل في هذه الآي وأمثالها، لأن «كلا» لما أضيف إلى المؤنث اكتسى منه التأنيث ليكون حجة لقراءة الحسن (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ)[6]و «كل» ك «بعض» و «بعض» ك «كل» .
[1]غافر: 16.
[2]الذاريات: 13.
[3]النحل: 111.
[4]غافر: 17.
[5]البقرة: 281- آل عمران: 17. [.....]
[6]يوسف: 10.
الباب السابع والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل وصار المضاف إليه عوضا من شيء محذوف فمن ذلك قوله تعالى: (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ)[1]، وأنت تقول: أقمت إقامة، فإذا قلت: إقام الصلاة، حذفت التاء، ويصير المضاف إليه عوضا من التاء.
نظيره في الأنبياء: (فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ)[2].
وقد شاع كون المضاف إليه بدلاً من التنوين والألف واللام.
[1]النور: 27.
[2]الأنبياء: 73.
الباب الثامن والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل معطوفا وليس المعطوف مغايرا للمعطوف عليه وإنما هو هو أو بعضه فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)[1]، إن حملت الكلام على المعنى وقلت: إن التقدير: أحرص من الناس، كان «الذين أشركوا» داخلين معهم، وخصوا بالذكر لشدة عنادهم.
ومثله: (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ)[2].
ومثله: (إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)[3].
ومثله: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً)[4]، و «الضياء» في المعنى هو الفرقان.
وقال: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)[5].
فأما قوله: (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ)[6]، فالشافعي يجعله من هذا الباب فيقول، لو قال رجل: والله لا آكل الفاكهة فأكل من هذين يحنث، وجعله من هذا الباب ك «جبريل وميكال» .
[1]البقرة: 96.
[2]البقرة: 98.
[3]الأنفال: 49.
[4]الأنبياء: 48.
[5]الحجر: 87.
[6]الرحمن: 68.
وأبو حنيفة يحمله على أصل العطف من المغايرة دون ما خص بالذكر بعد الواو، إما تعظيماً، وإما لمعنى آخر.
ومثله: (الَّذِي/ خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)[1]، إلى قوله: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)[2].
وحكى سيبويه: مررت بزيد وصاحبك، ولا يجوز: فصاحبك، بالفاء، خلافا لأبي الحسن الأخفش.
وقال: (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ)[3].
وفي موضع آخر: (تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ)[4]. والكتاب والقرآن واحد.
فأما قوله، (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ)[5].
فيكون من هذا الباب، فيكون «الذي» في موضع الجر، أي: تلك آيات الكتاب المنزل إليك، ويرتفع «الحق» إذاً بإضمار مبتدأ، ويكون «الذي» مبتدأ، و «الحق» خبرا له.
[1]الشعراء: 78، 79.
[2]الشعراء: 82.
[3]الحجر: 1.
[4]النمل: 1.
[5]الرعد: 1. [.....]
الباب التاسع والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل من التاء في أول المضارع فيمكن حمله على الخطاب أو على الغائبة فمن ذلك قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها)[1]، يجوز أن يكون: «تطهرهم أنت» ، وأن يكون التقدير: تطهرهم هي، يعني الصدقة، فيكون الأول حالا من الضمير في «خذ» ، وفي الثانية صفة ل «صدقة» .
قال أبو علي: يمكن أن يكون حالا للمخاطب، أي: خذها مطهراً لهم، فإن جعلت «تطهر» صفة ل «صدقة» لم يصح أن يكون «تزكيهم» حالا من المخاطب، فيتضمن ضميره لأنك لو قلت: خذ مزكيا، وأنت تريد الحال، فأدخلت الواو، لم يجز ذلك لما ذكرنا، ويستقيم في «تطهرهم» أن يكون وصفا، وكذلك «تزكيهم» وصفا له، وكذلك «تزكيهم» لمكان «بها» . كما يستقيم فيهما أن تكونا حالين، ولا يستقيم أن تكون الأولى وصفا والأخرى للمخاطب، كما لا يجوز أن تكون الأولى حالا والأخرى وصفا، لمكان الواو.
ومن ذلك قوله: (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ)[2]. أي تحل أنت وإن شئت: أو تحل القارعة.
[1]التوبة: 103.
[2]الرعد: 31.
ومثله: (وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ)[1]، إن شئت: تلقف أنت، وإن شئت: تلقف العصا التي في يمينك، فأنث على المعنى.
وقال: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها)[2]إن شئت: تحدث أنت، أو: تحدّث هى، يعنى الأرض.
[1]طه: 69.
[2]الزلزلة: 4.
الباب المتم الستين
هذا باب ما جاء في التنزيل من واو الحال تدخل على الجملة من الفعل والفاعل، والمعروف منها دخولها على المبتدأ والخبر، كقوله:
(وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ)[1].
وقد دخل على الفعل والفاعل في مواضع فمن ذلك قوله: (لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ)[2]كان سهل[3]يقف على «ذلول» ويبتدى بقوله: «تثير الأرض» فيكون «الواو» في «ولا تسقى الحرث» للحال دون العطف، لأن النفي لا يعطف على الإثبات.
ومن ذلك قوله: (إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً) ، (وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ)[4]، أي: غير مسئول، فهو في موضع الحال، وحمله مرةً أخرى على الإثبات.
ومن ذلك قوله تعالى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ)[5]، فيمن خفف النون. قال: وإن شئت كان على لفظ الخبر، والمعنى: معنى الأمر، كقوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ)[6]، (لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها)[7]، أي: لا ينبغي ذلك.
وإن شئت جعلته حالا من «استقيما» ، وتقديره: استقيما غير متبعين.
وأنشد فيه أبياتاً تركتها مع أبيات أخرى.
[1]آل عمران: 154.
[2]البقرة: 71.
[3]سهل: هو أبو حاتم السجستاني سهل بن محمد بن عثمان. بصري: كان إماما في علوم القرآن واللغة والشعر. وله: إعراب القرآن. وكانت وفاته بين الثامنة والأربعين والخامسة بعد المائتين (البقية:
265) .
[4]البقرة: 119.
[5]يونس: 89.
[6]البقرة: 228.
[7]البقرة: 233.
فأما قوله: (وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ)[1]، فإنهما كانا طائفتين: طائفة قالت: يا أهل يثرب لا مقام لكم، وطائفة تستأذن النبي. فالواو للاستئناف عطف على «وإذ قالت» .
ويجوز أن يكون للحال من «الطائفة» ، أي: وإذ قالت طائفة منهم كيت وكيت، مستأذنا فريق منهم النبي. وجاز لربط الضمير الجملة بالطائفة، أي: قالت كذا، وحال طائفة كذا.
ومن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً)[2]. يجوز أن يكون حالاً من الباغين، أي: يصدون باغين ويجوز أن يكون حالا من «السبيل» .
ويجوز الاستئناف، لقوله في الآية الآخرى: (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً)[3]. وحكم تعديته- أعني «تبغون» - إلى أحد المفعولين، أن يكون بحرف الجر، نحو: بغيت لك خيرا، ثم يحذف الجار.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا)[4]. الواو في «اتخذتموه» واو الحال، أي: أرهطي أعز عليكم من الله وأنتم بصفة كذا؟ فهو داخل فى حيز الاستفهام.
[1]الأحزاب: 13.
[2]الأعراف: 45.
[3]الأعراف: 86. [.....]
[4]هود: 92.