الباب الثامن والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل معطوفا وليس المعطوف مغايرا للمعطوف عليه وإنما هو هو أو بعضه فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)[1]، إن حملت الكلام على المعنى وقلت: إن التقدير: أحرص من الناس، كان «الذين أشركوا» داخلين معهم، وخصوا بالذكر لشدة عنادهم.
ومثله: (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ)[2].
ومثله: (إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)[3].
ومثله: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً)[4]، و «الضياء» في المعنى هو الفرقان.
وقال: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)[5].
فأما قوله: (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ)[6]، فالشافعي يجعله من هذا الباب فيقول، لو قال رجل: والله لا آكل الفاكهة فأكل من هذين يحنث، وجعله من هذا الباب ك «جبريل وميكال» .
[1]البقرة: 96.
[2]البقرة: 98.
[3]الأنفال: 49.
[4]الأنبياء: 48.
[5]الحجر: 87.
[6]الرحمن: 68.
وأبو حنيفة يحمله على أصل العطف من المغايرة دون ما خص بالذكر بعد الواو، إما تعظيماً، وإما لمعنى آخر.
ومثله: (الَّذِي/ خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)[1]، إلى قوله: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)[2].
وحكى سيبويه: مررت بزيد وصاحبك، ولا يجوز: فصاحبك، بالفاء، خلافا لأبي الحسن الأخفش.
وقال: (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ)[3].
وفي موضع آخر: (تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ)[4]. والكتاب والقرآن واحد.
فأما قوله، (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ)[5].
فيكون من هذا الباب، فيكون «الذي» في موضع الجر، أي: تلك آيات الكتاب المنزل إليك، ويرتفع «الحق» إذاً بإضمار مبتدأ، ويكون «الذي» مبتدأ، و «الحق» خبرا له.
[1]الشعراء: 78، 79.
[2]الشعراء: 82.
[3]الحجر: 1.
[4]النمل: 1.
[5]الرعد: 1. [.....]
الباب التاسع والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل من التاء في أول المضارع فيمكن حمله على الخطاب أو على الغائبة فمن ذلك قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها)[1]، يجوز أن يكون: «تطهرهم أنت» ، وأن يكون التقدير: تطهرهم هي، يعني الصدقة، فيكون الأول حالا من الضمير في «خذ» ، وفي الثانية صفة ل «صدقة» .
قال أبو علي: يمكن أن يكون حالا للمخاطب، أي: خذها مطهراً لهم، فإن جعلت «تطهر» صفة ل «صدقة» لم يصح أن يكون «تزكيهم» حالا من المخاطب، فيتضمن ضميره لأنك لو قلت: خذ مزكيا، وأنت تريد الحال، فأدخلت الواو، لم يجز ذلك لما ذكرنا، ويستقيم في «تطهرهم» أن يكون وصفا، وكذلك «تزكيهم» وصفا له، وكذلك «تزكيهم» لمكان «بها» . كما يستقيم فيهما أن تكونا حالين، ولا يستقيم أن تكون الأولى وصفا والأخرى للمخاطب، كما لا يجوز أن تكون الأولى حالا والأخرى وصفا، لمكان الواو.
ومن ذلك قوله: (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ)[2]. أي تحل أنت وإن شئت: أو تحل القارعة.
[1]التوبة: 103.
[2]الرعد: 31.
ومثله: (وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ)[1]، إن شئت: تلقف أنت، وإن شئت: تلقف العصا التي في يمينك، فأنث على المعنى.
وقال: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها)[2]إن شئت: تحدث أنت، أو: تحدّث هى، يعنى الأرض.
[1]طه: 69.
[2]الزلزلة: 4.
الباب المتم الستين
هذا باب ما جاء في التنزيل من واو الحال تدخل على الجملة من الفعل والفاعل، والمعروف منها دخولها على المبتدأ والخبر، كقوله:
(وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ)[1].
وقد دخل على الفعل والفاعل في مواضع فمن ذلك قوله: (لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ)[2]كان سهل[3]يقف على «ذلول» ويبتدى بقوله: «تثير الأرض» فيكون «الواو» في «ولا تسقى الحرث» للحال دون العطف، لأن النفي لا يعطف على الإثبات.
ومن ذلك قوله: (إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً) ، (وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ)[4]، أي: غير مسئول، فهو في موضع الحال، وحمله مرةً أخرى على الإثبات.
ومن ذلك قوله تعالى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ)[5]، فيمن خفف النون. قال: وإن شئت كان على لفظ الخبر، والمعنى: معنى الأمر، كقوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ)[6]، (لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها)[7]، أي: لا ينبغي ذلك.
وإن شئت جعلته حالا من «استقيما» ، وتقديره: استقيما غير متبعين.
وأنشد فيه أبياتاً تركتها مع أبيات أخرى.
[1]آل عمران: 154.
[2]البقرة: 71.
[3]سهل: هو أبو حاتم السجستاني سهل بن محمد بن عثمان. بصري: كان إماما في علوم القرآن واللغة والشعر. وله: إعراب القرآن. وكانت وفاته بين الثامنة والأربعين والخامسة بعد المائتين (البقية:
265) .
[4]البقرة: 119.
[5]يونس: 89.
[6]البقرة: 228.
[7]البقرة: 233.
فأما قوله: (وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ)[1]، فإنهما كانا طائفتين: طائفة قالت: يا أهل يثرب لا مقام لكم، وطائفة تستأذن النبي. فالواو للاستئناف عطف على «وإذ قالت» .
ويجوز أن يكون للحال من «الطائفة» ، أي: وإذ قالت طائفة منهم كيت وكيت، مستأذنا فريق منهم النبي. وجاز لربط الضمير الجملة بالطائفة، أي: قالت كذا، وحال طائفة كذا.
ومن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً)[2]. يجوز أن يكون حالاً من الباغين، أي: يصدون باغين ويجوز أن يكون حالا من «السبيل» .
ويجوز الاستئناف، لقوله في الآية الآخرى: (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً)[3]. وحكم تعديته- أعني «تبغون» - إلى أحد المفعولين، أن يكون بحرف الجر، نحو: بغيت لك خيرا، ثم يحذف الجار.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا)[4]. الواو في «اتخذتموه» واو الحال، أي: أرهطي أعز عليكم من الله وأنتم بصفة كذا؟ فهو داخل فى حيز الاستفهام.
[1]الأحزاب: 13.
[2]الأعراف: 45.
[3]الأعراف: 86. [.....]
[4]هود: 92.
/ ومن ذلك قوله تعالى: (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ)[1]قيل: لم يقولوا: إن شاء الله. وقيل: لم يستثنوا حق المساكين. فعلى الثاني: الواو للحال، أي: أقسموا غير مستثنين، وعلى الأول: الواو للعطف، أي: أقسموا وما استثنوا، فهو حكاية الحال من باب: (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ)[2].
وإن شئت من باب: (كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ)[3]نظير قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ)[4]، وقوله: (عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ)[5]، وقوله: (رَبِّ ارْجِعُونِ)[6].
وأما قوله: (يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا)[7].
قال الجرجاني[8]: كما لا يجوز أن يكون «لا نكذب» معطوفاً على «نرد» لأنه يدخل بذلك الحتم ويجرى مجرى أن يقال: يا ليتنا لا نكذب، كذلك لا يجوز أن تكون الواو للحال، لأنه يوجب مثل ذلك من دخوله في التمني من حيث كانت الواو إذا كانت للحال ربطت الجملة بما قبلها.
فإذا قلت: ليتك تأتيني وأنت راكب، كنت تمنيت كونه راكبا، كما تمنيت الإتيان. فإن قلت ما تقول في مثل قول المتنبي:
فليتك ترعاني وحيران معرضٌ[9]
لا يتصور أن يكون دنوه من «حيران» متمنًّى، فإن ذلك لا يكون لأن المعنى
[1]القلم: 17.
[2]الكهف: 18.
[3]الحج: 25.
[4]الحجر: 9.
[5]يونس: 83.
[6]المؤمنون: 99.
[7]الأنعام: 27.
[8]الجرجاني: هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز. ومن كتبه: تفسير القرآن. وكانت وفاته سنة 366 هـ. (وفيات الأعيان. معجم الأدباء) .
[9]صدر بيت من قصيدة له في مدح كافور، وعجز البيت:
فتعلم أني من حسامك حده
وحيران: ماء بالشام بالقرب من سلمية، على يوم منها. ومعرض: ظاهر، من أعرض الشيء: إذا بدا للناظر. (الديوان 2: 27) .
في مثل هذا شبيه التوقيف، نحو: ليتك ترعاني حين أعرض حيران، وحين انتهيت إلى حيران، ولا يكون ذلك إلا في الماضي الذي قد كان ووجد، وكلامنا في المستقبل، فهذه زيادة فى آخر الكتاب تجىء على قول الفراء دون سيبويه وأصحابه، من عطف الظاهر المجرور على المضمر المجرور، يذهب إليه في عدة آي:
منها قوله: (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ)[1]، يحمل جر «المسجد» على «الهاء» .
ومنها قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ)[2]، فيمن قرأها بالجر.
ومنها قوله: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ)[3]ومنها قوله: (لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي)[4]، يحمل «أخي» على «الياء» في «نفسي» .
ومنها قوله: (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ)[5]، يحمل «من» على «الكاف والميم» .
ونحن ذكرنا الأجوبة في هذا الكتاب وأبطلنا مقالته أن سيبويه[6]لا يجيز:
مررت به وزيدٍ، حتى يقول: وبزيد، بإعادة الباء، لأنه لا يقال:
بزيد و «ك» ، / حتى تقول: «وبك» فأخذ هذا من ذاك، ولأن حرف الجر لا ينفصل عن المجرور، والتأكيد في هذا مخالف للعطف، لأنه يجيز:
مررت بك نفسك، لأنه يجوز: مررت بنفسك، ولا يجوز: مررت
[1]البقرة: 217.
[2]النساء: 1.
[3]النساء: 127.
[4]المائدة: 25. [.....]
[5]الحجر: 20.
[6]الكتاب (1: 389)