وقد بدا هنك من المئزر[1]
و «لا يعرفنكم العرب» .
وكما أن حركة غير الإعراب نزلت منزلة حركة الإعراب في نحو: رد، وفر، وعض، فأدغم كما أدغم: يعض، ويفر، لما تعاقب حركات الإعراب على لامها، وهي حركة التقاء الساكنين وحركة الهمزة المخففة وحركة النونين، ونزلت هذه الحركات منزلة حركة الإعراب حتى أدغم فيها كما أدغم المعرب، وكذلك نزلت حركة الإعراب منزلة غير حركة الإعراب في أن استجيز فيها من التخفيف كما استجيز في غيرها، وليس تختل بذلك دلالة الإعراب، لأن الحكم في مواضعها معلوم، كما كان معلوما فى المتصل والإسكان للوقف.
[1]صدره:
رحت وفي رجليك ما فيهما
الكتاب (2: 297)
الباب الخامس والستون
هذا باب ما جاء في التنزيل من بناء النسب فمن ذلك قوله تعالى: (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ)[1]، أي: لاذا عصمة، ليصح استثناء قوله: «من رحم» منه.
ويحمل الفراء على: «لا معصوم» . ويحمله غيره على بابه، ويكون «من رحم» بمعنى: «راحم» .
/ ومن ذلك قوله تعالى: (حِجاباً مَسْتُوراً)[2]، أي: حجابا ذا ستر، لأن الحجاب ستر لا يستر.
ومنه قوله: (فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ)[3]، إنه بمعنى: «مرضية» ، والوجه ما قلنا.
ومن ذلك: (خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ)[4]، أي: ذي دفق. والفراء يقول:
من ماء دفوق. فهذا كله محمول على النسب. قال الحطيئة:
وغررتني وزعمت أن ... ك لابنٌ في الصيف تامر[5]
أي: ذو لبن وذو تمر.
ومنه عندي: خير الملك سكة مأبورة أو مهرة مأمورة[6].
أي: ذات كثرة لأن «أمر القوم» : إذا كثروا، فهو مثل قوله: (حِجاباً مَسْتُوراً) . قال: قال أبو عمرو: إنما نعرف «مأمورة» على هذا الوجه، ولا نعرف «أمرته» . أي: كثرته. وحكاه غيره، فإن صح فهو على بابه.
[1]هود: 43.
[2]الإسراء: 45.
[3]الحاقة: 21.
[4]الطارق: 6.
[5]الرواية في الكتاب (2: 90) :
فغرزتني وزعمت أن ... ك لابن بالصيف تامر.
[6]لفظ الحديث: «خير المال مهرة مأمورة، وسكة مأبورة» . (النهاية) .
الباب السادس والستون
هذا باب ما جاء في التنزيل أضمر فيه المصدر لدلالة الفعل عليه وذكر سيبويه من ذلك قولهم: من كذب كان شرا له، أي: كان الكذب شرا له.
فمن ذلك قوله تعالى: (فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً)[1]. أي: فما يزيدهم التخويف.
ومنه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً)[2]. أي: لا يزيد إنزال القرآن إلّا خسارا.
ومنه: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً)[3]. أي: يزيدهم البكاء والخرور على الأذقان.
وقد ذكرناه قديما في قوله: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ)[4]أن الهاء كناية عن الاستعانة.
وفي قوله: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ)[5]. أي: يذرؤكم في الذرء.
ومن ذلك قوله: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)[6]. أي: العدل أقرب للتقوى.
[1]الإسراء: 60.
[2]الإسراء: 82.
[3]الإسراء: 109.
[4]البقرة: 45.
[5]الشورى: 11. [.....]
[6]المائدة: 8.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)[1]، يقرأ بالتاء والياء، فمن قرأ بالتاء فتقديره: لا تحسبن بخل الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله، فحذف «البخل» وأقام المضاف إليه مقامه، وهو «الذين» ، كما قال: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ)[2]. ومعناه: أهل القرية.
ومن قرأ بالياء: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله البخل خيرا لهم. وهو في هذه القراءة استشهاد سيبويه. وهو أجود القراءتين في تقدير النحو، وذلك أن الذي يقرأ بالتاء يضمر «البخل» من قبل أن يجرى لفظه تدل عليه، والذي يقرأ بالياء يضمر «البخل» بعد ذكر يبخلون، كما قال: من كذب كان شرّا له.
[1]آل عمران: 180.
[2]يوسف: 82.
الباب السابع والستون
هذا باب ما جاء في التنزيل ما يكون على وزن «مفعل» بفتح العين ويراد به المصدر ويوهمك أنه مكان فمن ذلك قوله تعالى: (النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها)[1]. المثوى، هاهنا، مصدر، أي: قال: النار ذات ثوائكم، لا بد من هذا ليعمل في الحال، ف «خالدين» حال، والعامل فيه نفس المصدر.
وجوز مرة أخرى أن يكون حالا من المضاف إليه، والعامل فيه معنى المضامة والممازجة، كما قال: (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً)[2].
وقال: (أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ)[3]. فيجوز على هذا أن يكون «المثوى» المكان.
ومن ذلك قوله: (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ)[4]. أي: في مواضع سكناهم، لا بد من هذا، لأنه إذا كان مكانا كان مفردا مضافا إلى الجمع، والأحسن في مثل هذا أن يجمع، فلما أفرد علمت أنه مصدر.
ومثله: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ)[5]، أي: في مواضع قعود صدق، فهو مصدر، والمضاف محذوف.
قال سيبويه[6]: وأما ثلاثمائة إلى تسعمائة فإنه شاذ[7]، كان ينبغي أن يكون مئين أو مئات، ولكنهم شبهوه بعشرين وأحد عشر، حيث جعلوا ما يبين به العدد واحدا، لأنه اسمٌ العدد، كما أن عشرين اسم العدد، وليس بمستنكر
[1]الأنعام: 128.
[2]الحجر: 47.
[3]الحجر: 66.
[4]سبأ: 15.
[5]القمر: 55.
[6]الكتاب (1: 107) .
[7]العبارة في الكتاب: «تسعمائة مكان» .
في كلامهم أن يكون اللفظ واحدا والمعنى جميع، حتى قال بعضهم في الشعر من ذلك ما لا يستعمل في الكلام. قال علقمة بن عبدة:
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيضٌ وأما جلدها فصليب[1]
وقال آخر[2]:
لا تنكر القتل وقد سبينا ... في حلقكم عظمٌ وقد شجينا[3]
ونظير هذا قول حميد:
وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حي خثعما[4]
ف «مغار» ليس بزمان لتعلق «على» به، والمضاف فيه محذوف، أي وقت إغارة ابن همام.
ومثله:
كأن مجر الرامسات ذيولها ... عليه قضيمٌ نمقته الصوانع[5]
أي: كان مكان مجر الرامسات، ف «مجر» مصدر، لانتصاب «ذيولها» به، والمضاف محذوف.
وكذلك قول ذي الرمة:
فظل بملقى واحف جزع المعى[6]
نصب «جزع المعى» ب «ملقى» لأنه أراد به المصدر، أي موضع إلقاء واحف جزع المعى.
[1]الشاهد فيه موضع الجلد موضع الجلود. (الكتاب 1: 107) .
[2]هو: المسيب بن زيد مناة الغنوي.
[3]الشاهد فيه وضع الحلق موضع الحلوق. (الكتاب 1: 107) .
[4]الكتاب 1: 120) . [.....]
[5]الرامسات: الرياح الزافيات التي تنقل التراب من بلد إلى آخر. والقضيم: الجلد الأبيض. والبيت للنابغة. (اللسان: قضم) .
[6]الجزع: جانب الوادي. والمعي: سهل بين جبلين.
الباب الثامن والستون
هذا باب ما جاء في التنزيل من حذف إحدى التاءين في أول المضارع فمن ذلك قوله تعالى: (تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ)[1].
وقال في سورة الأحزاب: (تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ)[2].
وقال: (وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ)[3].
والأصل: تتظاهرون، و: تتظاهرا، فلما اجتمعت تاآن حذفت إحداهما.
وكذلك قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
[4]، فيمن خفف.
وقال: (قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ)[5]، في جميع التنزيل.
وأصله: تتذكرون، فحذفت إحدى التاءين، والمحذوفة الثانية، لأن التكرار بها وقع، وليس الأول بمحذوف، لأن الأول علامة المضارع، والعلامات لا تحذف.
ومن ذلك قراءة العامة دون قراءة ابن كثير: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ)[6]، (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ)[7]، (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ)[8]، (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)[9]، (فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ)[10]،
[1]البقرة: 85.
[2]الأحزاب: 4- وتظاهرون، قرأ عاصم بالتاء للخطاب، والحرميان وأبو عمرو بشد الظاء والهاء. وابن عامر بشد الظاء وألف بعدها، أبو حمزة والكسائي بتخفيف الظاء وألف، وابن رئاب بضم التاء وسكون الظاء وكسر الهاء، مضارع أضهر، وفيما حكى الرازي عنه بتخفيف الظاء لحذفهم تاء المطاوعة وشد الهاء، وقرأ الحسن بضم التاء وتخفيف الظاء وشد الهاء. وقرأ هارون بفتح التاء والهاء وسكون الظاء.
وفي مصحف أبي: تتظهرون: بتاءين (البحر 7: 211) .
[3]التحريم: 4.
[4]الأنعام: 152- الأعراف: 57- النمل: 90- النور: 27.
[5]النمل: 62.
[6]البقرة: 267.
[7]النساء: 97.
[8]المائدة: 2.
[9]الأنعام: 153.
[10]الأعراف: 117.
(وَلا تَوَلَّوْا)[1]في الأعراف وطه والشعراء[2]، (وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)[3]فى الأنفال، (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ)[4]في التوبة، (لا تَكَلَّمُ)[5]، (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ)[6]في هود، (ما نُنَزِّلُ)[7]في الحجر، (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ)[8]، (فَإِنْ تَوَلَّوْا)[9]في النور، (عَلى مَنْ تَنَزَّلُ ... تَنَزَّلُ)[10]في الشعراء، (وَلا تَبَرَّجْنَ)[11]، (أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ)[12]في الأحزاب، (لا تَناصَرُونَ)[13]في الصافات، (وَلا تَجَسَّسُوا)[14]، (لِتَعارَفُوا)[15]، (وَلا تَنابَزُوا)[16]في الحجرات، (أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) ، في الممتحنة[17](تَكادُ تَمَيَّزُ)[18]، (لَما تَخَيَّرُونَ)[19]في القلم، (عَنْهُ تَلَهَّى)[20]في عبس، (ناراً تَلَظَّى)[21]في الليل، (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ)[22]في القدر بتشديد الراء.
حذفت العامة إحدى التاءين من هذه الحروف، وأدغم الأولى في الثانية ابن أبي بزة، إجراءً للمنفصل مجرى المتصل، نحو: (اطَّيَّرْنا)[23]
[1]الأنفال: 20.
[2]كذا في الأصل. [.....]
[3]الأنفال: 46.
[4]التوبة: 52.
[5]هود: 105.
[6]هود: 57.
[7]الحجر: 8.
[8]النور: 15.
[9]النور: 54.
[10]الشعراء: 221،
[11]الأحزاب: 33.
[12]الأحزاب: 52.
[13]الصافات: 25.
[14]الحجرات: 12.
[15]الحجرات: 13.
[16]الحجرات: 11. [.....]
[17]الممتحنة: 9.
[18]الملك: 8.
[19]القلم: 38.
[20]عبس: 10.
[21]الليل: 14.
[22]القدر: 4.
[23]النمل: 47.