قال أبو علي: الوجه في قولهم، ما أتاني أحد إلا زيد، الرفع، وهو الأكثر الأشيع في الاستعمال والأقيس، فقوته من جهة القياس أن معنى:
ما أتاني أحد إلا زيدا، وما أتاني إلا زيد، واحد، فكما اتفقوا على: ما أتاني إلا زيد، إلا الرفع، وكان: ما أتاني أحد إلا زيد، بمنزلته وبمعناه، اختاروا الرفع مع ذكر «أحد» وأجروا ذلك على: يذر، ويدع، في أن «يذر» لما كان في معنى «يدع» فتح، وإن لم يكن فيه حرف حلق.
ومما يقوى ذلك أنهم يقولون: ما جاءني إلا امرأة، فيذكرون حملاً على المعنى ولا يؤنثون، ذلك فيما زعم أبو الحسن، إلا في الشعر، قال:
ترى البحر والآجال يأتى عروضها ... فما بقيت إلا الضلوع الجراشع
فكما أجروه على المعنى في هذا الوضع فلم يلحقوا الفعل علامة التأنيث، كذلك أجروه عليه في نحو: ما جاءني أحد إلا زيد، فرفعوا الاسم الواقع بعد حرف الاستثناء وأما من نصب فقال: ما جاءني أحد إلا زيدا، فإنه جعل النفي بمنزلة الإيجاب، من حيث اجتمعا، في أن كل واحدٍ منهما كلام تام.
الباب الثالث والسبعون
هذا باب ما جاء في التنزيل وأنت تظنه فعلت الضرب في معنى ضربته، وذلك لقلة تأملك في هذه الصناعة فمن ذلك قوله تعالى: (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ)[1].
إذا فسرت «ما» ب «ما» النافية توجه عليك أن تقول: لا يعذبكم الله إن شكرتم وآمنتم. وقوله: لا يعذبكم الله أفصح من قوله: ما يفعل الله بعذابكم.
وإذا فسرته بالاستفهام لم يلزمك هذا الطعن.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) «2» فيقال: لك:
هلا قال: / والذين هم للمال مزكون، لأن زكيت المال أفصح من فعلت زكاة المال، ولا يعلم هذا الطاعن أن معنى قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) «3» .
الذين هم عاملون لأجل الطهارة والإسلام ويطهرون أنفسهم، كما قال:
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) ،[4]فليس هذا من زكاة المال في شيء، أو يعنى: قد أفلح من زكاها، أي: من المعاصي والفجور.
ومن ذلك قوله: (وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)[5]قال: معناه: لا تؤذهم، وهو أفصح من: دع أذاهم، إلا أنهم قالوا: معناه: دع الخوف من أذاهم.
[1]النساء: 147.
(3- 2) المؤمنون: 4.
[4]الشمس: 9.
[5]الأحزاب: 48.
ومن ذلك: (وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) «1» المعنى: من يفعل المذكور منكم لأن قبله (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) «2» ولو لم يفسره بما ذكرنا كان: من يفعل الإلقاء بالمودة، فيقال: لو قال ومن يلق المودة منكم، كان أفصح.
فهذه أربع آيات حضرتنا الآن.
(2- 1) الممتحنة: 1.
الباب الرابع والسبعون
هذا باب ما جاء في التنزيل مما يتخرج على أبنية التصريف فمن ذلك قوله تعالى: (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ)[1]. فسروه مرةً ب «فعيلة» من الذر، و «فعلولة» منه أيضا، من: ذرأ الله الخلق.
ومن ذلك قوله تعالى: (كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) .[2]قال أبو علي: من قال: درى، كان «فعيلا» من «الدرء» الذي هو الدفع، وإن خففت الهمزة من هذا قلت: درى.
وحكى سيبويه عن أبي الخطاب: كوكب درى، في الصفات، ومن الأسماء: المريق، للعصفر.
ومن ذلك: جبريل، وميكائيل، وإسرائيل.
قال أبو علي: روينا عن أبي الحسن من طريق أبي عبد الله اليزيدي عن عمه عنه أنه قال: في «جبريل» خمس لغات: جبرايل، وجبرئيل، وجبرال، وجبريل، وجبرين، وهذه أسماء معربة فإذا أتى بها على ما في أبنية العرب مثله كان أذهب في باب التعريب، يقوى ذلك تغييرهم للحروف المفردة التي ليست من حروفهم، لتغييرهم الحرف الذي بين الهاء والباء في قلبهم إياه إلى الباء المحضة أو الفاء المحضة/ كقولهم: البرند، والفرند وكذلك
[1]آل عمران: 34.
[2]النور: 35.
تحريكهم الحركة التي ليست من كلامهم، كالحركة التي في قول العجم: «زور وأشوب» ، يحصلونها ضمة، فكما غيروا الحرف والحركات إلى ما في كلامهم، فكذلك القياس في أبنية هذه الكلم، إلا أنهم قد تركوا أشياء من العجمة على أبنية العجم، التي ليست من أبنية العرب، كالآجر، والإبريسم، والفرند، وليس في كلامهم على هذه الأبنية، فكذلك قول من قال: جبريل، إذا كسر الجيم كان على لفظ «قنديل» و «برطيل» ، وإذا فتحها فليس لهذا البناء مثل في كلامهم، فيكون هذا من باب: الآجر، والفرند ونحو ذلك من المعرب الذي لم يجىء له مثل في كلامهم، فكلا المذهبين حسن لاستعمال العرب لهما جميعا، وإن كان الموافق لأبنيتهم أذهب في باب التعريب، وكذلك القول فى: ميكال، وميكايل، بزنة: سرداح، وقنطار و «ميكايل» خارج عن أبنية كلام العرب. فأما القول فى زنة «ميكال» فلا يخلو من أن يكون «فيعالا» أو «مفعالا» ، ولا يجوز أن يكون «فيعالا» لأن هذا بناء يختص به المصدر: كالقيتال، والحيقال، وليس هذا الاسم بمصدر، ولا يجوز أن يكون «مفعالا» فيكون من أ «كل» أو «وكل» لأن الهمزة المحذوفة من «ميكايل» محتسب بها في البناء فإذا ثبت لك ذلك صارت الكلمة من الأربعة، وباب الأربعة لا تلحقها الزيادة في أوائلها إلا الأسماء الجارية على أفعالها، وليس هذا على ذلك الحد، فإذا لم يكن كذلك ثبت أن الميم أصل، كما كانت الهمزة في «إبراهيم» ونحوه أصلا ليس بزيادة.
ولا يجوز أيضا أن يكون «فعالا» لأن الهمزة المحذوفة من البناء مقدرة فيه، نظير ذلك في حذف الهمزة والاعتداد بها مع الحذف في البناء قولهم: سواية، إنما هي «سوائية» كالكراهية، وكذلك الهمزة المحذوفة من «أشياء» على قول
أبي الحسن مقدرة في البناء، فكذلك الهمزة في «ميكائيل» . فإن قلت:
فلم لا تجعلها بمنزلة التي فى «حطايط» و «جرايض» فإن ذلك لا يجوز، لأن الدلالة لم تقم على زيادتها، كما قلت في قولهم: «جرواض» فهو ذا بمنزلة التي في «برائل» وكذلك «جبريل» الهمزة التي تحذف منها ينبغي أن يقدر حذفها للتخفيف، / وحذفها للتخفيف لا يوجب إسقاطها من أصل البناء، كما لم يجز إسقاطها في «سوايه» من أصل البناء. فإذا كان كذلك كانت الكلمة من بنات الخمسة، وهذا التقدير يقوى قول من قرأ «جبرئل» و «ميكائيل» بالهمزة، لأنه يقول: إن الذي قرأ «جبريل» وإن كان في اللفظ مثل «برطيل» فتلك الهمزة عنده مقدرة، وإذا كانت مقدرة في المعنى فهى مثل ما ثبت فى اللفظ، وأما «اسرافيل» فالهمزة فيه أصلى، لأن الكلمة من بنات الأربعة، كما كانت الميم من «ميكايل» كذلك ف «إسرافيل» من الخمسة، كما كان «جبريل» كذلك، والقول في همزة «اسرايل» و «إسماعيل» و «ابراهيم» مثل القول في همزة «اسرافيل» ، فإنها من نفس الكلمة، والكلمة من بنات الخمسة، وقد جاء في أشعارهم الأمران، ما هو على لفظ التعريب، وما هو خارج عن ذلك، قال:
عبدوا الصليب وكذبوا بمحمدٍ ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا
وقال:
وجبريلٌ رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء[1]
[1]البيت لحسان بن ثابت.
وقال:
شهدنا فما تلقى لنا من كتيبةٍ ... يد الدهر إلا جبرئيل أمامها
وقال كعب بن مالك:
ويوم بدرٍ لقيناكم لنا مدد ... فيه لذا النصر ميكالٌ وجبريل
فأما ما روى عن أبي عمرو أنه كان يخفف «جبريل» و «ميكال» ويهمز «اسرائيل» فما أراه إلا لقلة مجىء «اسرال» وكثرة مجىء «جبريل» و «ميكال» في كلامهم، والقياس فيهما واحد، وقد جاء في شعر أمية: إسرال، قال:
لا أرى من يعيشنى في حياتي ... غير نفسي إلا بنو إسرال
قال: إن «ايل» و «آل» اسم الله، وأضيف ما قبلهما إليهما، كما يقال:
عبد الله وهذا ليس بمستقيم من وجهين:
أحدهما: أن «ايل» و «ال» لا يعرفان في اسم الله سبحانه وتعالى في اللغة العربية.
والآخر: أنه لو كان كذلك لم ينصرف آخر الاسم في وجوه العربية، ولكان الآخر مجرورا، كما أن آخر «عبد الله» كذلك، ولو كان مضافا لوقع التعريب عليه، / على حد ما وقع في غيره من الأسماء المضاف إليها.
ومما يلحق بهذا الباب «زكريا» من قوله عز وجل: (وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا)[1].
فالقول في همزته أنها لا تخلو من أن تكون للتأنيث أو للإلحاق به، ولا يجوز أن تكون منقلبة، ولا يجوز أن تكون للإلحاق، لأنه ليس في الأصول شيء على وزنه فيكون هذا ملحقا به، ولا يجوز أن تكون منقلبة لأن الانقلاب
[1]آل عمران: 37.
لا يخلو من أن يكون من نفس الحرف، أو من الإلحاق، فلا يجوز أن يكون من نفس الحرف، لأن الياء والواو لا يكونان أصلا فيما كان على أربعة أحرف، ولا يجوز أن تكون منقلبة من حرف الإلحاق، لأنه ليس في الأصول شيء على وزنه يكون هذا ملحقا به، فإذا بطل هذا ثبت أنه للتأنيث، وكذلك القول فيمن قصر وقال: زكريا، ونظير القصر والمد في هذا الاسم قولهم: الهيجا، والهيجاء، قال لبيد:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيفٌ مهند[1]
لما أعربت الكلمة وافقت العربية، وقد حذفوا ألف التأنيث من الكلمة فقالوا: يمشى الجيض والجيضى[2]، فعلى هذا قالوا: زكريا وزكرى، فمن قال:
«زكرى» ، صرف، والقول فيه أنه حذف الياءين اللتين كانتا في «زكريا» وألحق الكلمة ياء النسب، يدلك على ذلك صرف الاسم، ولو كانت الياء في «زكرى» الياءين اللتين كانتا في «زكريا» لوجب ألا ينصرف الاسم للعجمة والتعريف، كما أن «ابراهيم» ونحوه من الأعجمية لا ينصرف، وانصراف الاسم يدل على أن الياءين للنسب، فانصرف الاسم، وإن كان لو لم يلحقه الياء لم ينصرف للعجمة والتعريف، يدلك على ذلك أن ما كان على وزن «مفاعل» لا ينصرف، فإذا لحقته ياء النسب انصرف، كقولك: مدائنى، ومغافرى. وقد جرت تاء التأنيث فقالوا:
«صياقل» فلم يصرفوا، وألحقوا التاء فقالوا: صياقلة، فاتفق تاء التأنيث وياء
[1]ورد البيت في اللسان «عصا» غير منسوب. وانشقت العصا: وقع الخلاف. والواو في «والضحاك» بمعنى الباء وإن كانت معطوفة على المفعول، لأن المعنى أن الضحاك نفسه هو السيف المهند، وليس المعنى: يكفيك ويكفي الضحاك سيف مهند. [.....]
[2]يمشي الجيض والجيضىّ: أي يمشي في اختيال وتبختر.