فِيها هُدىً وَنُورٌ)[1]. وزن التوراة عندنا «فوعلة» من: ورى الزند يرى، وأصله «وورية» . فأبدل من الواو تاء، كتخمة، وتراث، وتولج، وأنت تقوم.
وقيل: أصله: «توراه» تفعلة، فقلب، كما قيل في جارية: جاراة وفي، ناصية: ناصاة.
و «إنجيل» إفعيل من «النجل» ، وهو الأصل، إذ هو أصل العلوم والحكم.
[1]المائدة: 44.
الباب الخامس والسبعون
هذا باب ما جاء في التنزيل من القلب والإبدال فمن ذلك قوله تعالى: (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ)[1]، وقوله: (أَوِ الْحَوايا)[2].
ف «خطايا» عند الخليل «فعالى» مقلوب من «فعايل» ، قدمت اللام على الهمزة، فصار «خطا أى» ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألف، فصار: «خطآ» فلما كثرت الأمثال أبدلت الهمزة ياء فصار «خطايا» وهكذا «الحوايا» أصله «حوايى» ثم «حوايا» .
ومن ذلك قوله: (عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ)[3]. أصلها «هاير» فصار، هار، مثل: قاض، ومثله: شاك السلاح، ولاث، وأنشد:
لاث به الأشياء والعبرىّ[4]
ومن ذلك قوله تعالى: (لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)[5]، ف «أشياء» أصله: شيئاء، على وزن/ «فعلاء» . يدل على الكثرة كالطرفاء، والحلفاء، قلبت لامه إلى أوله، فصار «لفعاء» . هذا مذهب الخليل.
وقال الأخفش: أصله «أشيياء» على وزن أفعلاء، فحذفت لام الفعل.
قال الفراء: وزنه «أفعال» ، وقد ذكرت وجه كل قول فى «الخلاف» .
[1]البقرة: 58.
[2]الأنعام: 146.
[3]التوبة: 109.
[4]لاث: لبس بعضه بعضا. والأشاء: صغار النحل. والعبري: السدر ينبت على جانب النهر.
[5]المائدة: 101.
ومن ذلك قوله تعالى: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها)[1]، التاء بدل من الواو، التي هي لام في «كلا» ، كما قلنا في «التوراة» و «التراث» من قوله:
(وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا)[2].
وقيل: هي بدل من التاء. إنهم اختلفوا في لام «كلا» قال الجرمى[3]:
التاء زائدة في «كلتا» ، ووزنه «فعتل» ، وليس في الكلام «فعتل» ، وكذلك «التاء» فى «بيت» و «أخت» من قوله تعالى: (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ)[4]، بدل من الواو لقولك: أخوان وإخوان، فأما «البنت» فيجوز أن يكون من الواو، ويجوز أن يكون من الياء.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ)[5]أصله، «وقتت» ، لأنه من «الوقت» أي: جمعت لوقتها.
ومنه: (فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ)[6]، فيمن همز.
وقوله: (فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ)[7]. همز الواو لمجاورة الضمة كما همزها إذا انضمت، ولهذا قرأ من قرأ: َ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها)
[8]، بالهمز، كما اعتاد الهمز في «السوق» .
ومنه قوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)[9]، الهمزة بدل من الواو، في «وحد» لأنه من «الوحدة» .
[1]الكهف: 33.
[2]الفجر: 19.
[3]الجرمي: صالح بن إسحاق أبو عمرو، توفي سنة خمس وعشرين ومائتين. (البغية) .
[4]النساء: 12.
[5]المرسلات: 11.
[6]ص: 33.
[7]الفتح: 29. [.....]
[8]النمل: 44.
[9]الإخلاص: 1.
الباب السادس والسبعون
هذا باب ما جاء في التنزيل من إذا الزمانية وإذا المكانية، وغير ذلك من قسميهما وأعلم أن «إذا» الزمانية اسم في نحو قوله تعالى: (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ)[1]، (فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ)[2]، و (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً)[3]، لأنها نقيضة «إذ» .
وقد ثبت بالدليل كون «إذ» اسما في نحو قوله: (بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[4]. والعرب تحمل النقيض على النقيض، كقوله:
وقبل غدٍ يا لهف نفسي على غدٍ ... إذا راح أصحابي ولست برائح
فأبدله من «غدٍ» والحرف لا يبدل من الاسم، فثبت أنه اسم، وإذا كان اسما كان اسما للوقت. فينضاف إلى ما بعده، وإذا كان مضافا إلى ما بعده كان العامل فيه جوابه إذا كان فعلا، فإن لم يكن فعلا قدر تقدير الفعل، كقوله: (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ) ، والتقدير: فإذا نفخ في الصور تنافروا وتجادلوا.
/ وهكذا كل ما كان بهذه المنزلة.
فأما قوله: (أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)[5]وأخواتها، فقد قدمنا القول فيه.
وقال أبو إسحاق في قوله تعالى: (إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)[6]العامل في «إذا» قوله: «مزقتم» ، ويجريه مجرى «أى» في الجزاء، نحو: أيا تضرب أضرب، ومتى تأتنا آتك، لأن «إذا» يجىء بمعنى: «متى» .
[1]المؤمنون: 101.
[2]المدثر: 8.
[3]الصافات: 16.
[4]آل عمران: 80.
[5]الرعد: 5.
[6]سبأ: 7.
قال: وفي التنزيل: (حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ)[1].
أي: متى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وهذا يقوي قول أبي زيد[2]ومحمد[3]: إن الرجل إذا قال: إذا لم أطلقك فأنت طالق، ثم سكت، طلقت فى الحال لأن «إذا» هاهنا ك «متى» ، كأنه قال: متى لم أطلقك فأنت طالق، وفي «متى» إذا سكت طلقت. ووجدنا لهذا القول حجة في «الكتاب» ، وهو غيلان بن حريث:
إذا رأتني سقطت أبصارها ... دأب بكارٍ شايحت بكارها[4]
ألا ترى أنه لا يريد أن هذا يقع منها مرة واحدة فى وقت مخصوص، لأن ذلك ينتقض حال المدح، وإنما يقول: كلما رأتني سقطت أبصارها، ألا تراه يقول بعده:
دأب بكار شايحت بكارها
و «الدأب» لا يستعمل إلا في التكرير دون الإفراد، قال:
كأن لها برحل القوم دوًّا ... وما إن طبها إلا الدؤوب
وقال:
دأبت إلى أن ينبت الظلّ بعد ما ... تقاصر حتى كاد في الآل يمصح[5]
وأما قول الهذلي[6]:
هزبر عراض الساعدين إذا رمى ... بقرحته صدر الكمى المسربل
متى ما يضعك الليث تحت لبانه ... تكن ثعلباً أو ينب عنك فتدخل[7]
[1]التوبة: 118.
[2]أبو زيد: سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، توفى في سنة خمس عشر ومائتين. على خلاف في ذلك (البغية) .
[3]هو: محمد بن يزيد المبرد.
[4]شايحت: جدت. وقيل: حاذرت (الكتاب لسيبويه 1: 179) .
[5]البيت للراعي. ويمصح: يذهب (الكتاب 1: 191) .
[6]هو: إياس بن سهم بن أسامة. [.....]
[7]شرح أشعار الهذليين (2: 529) : «تدحل» بالحاء المهملة ولا يتجه بها الشرح بعد.
تدخل: تدهش. غيره: يدخل في الدخل[1].. فإنه يسأل عن جواب «إذا رمى» وليس في البيت ما يكون جوابا، ولا قبله فعل يكون بدلا من الجواب، ودالا عليه، وفي ذلك جوابان:
أحدهما أنه أجرى الصفة مجرى الفعل لما فيها من معنى الفعلية، كقولك:
مررت برجل شجاع إذا لقى وكريم إذا سئل، أي: إذا سئل كرم وإذا لقى شجع. وقد تقدم نحو هذا، فتدل الصفة على الجواب دلالة الفعل عليه، فكذلك هذا، كأنه قال: يعظم في العين إذا رمى بقرحته، أي: بجبهته صدر الكمى لأن «هزبرا» / كأنه من لفظ «أزبر» وهو من معناه، وكأن الهاء، وإن كانت هناك أصلا، زائدة وليست معتدة من هاء «هجرع» و «هبلع» لم يبعد أن يعتقد أيضا زيادة هاء «هزبر» و «هبرقى» . وأما «عراض» فصفة من «عرض» ، وأمرها واضح. فهذا جواب.
والآخر، وهو أغمض: وهو أن يكون قوله في البيت الثاني:
متى ما يضعك الليث تحت لبانه
بدلاً من قوله «إذا رمى بقرحته صدر الكمى» ، وإذا كان بدلا منه كان قوله «تكن ثعلبا» جوابا للثاني بدلا من الأول، فصار جواب الثاني جوابا لهما جميعا فيجرى حينئذ مجرى قولهم:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطباً جزلاً ونارا تأججا[2]
في البدل، وإن كان حرف الشرط قد أعيد في بيت الهذلى ولم يعد في قوله «تلمم بنا» . فإن قلت: فقد علمنا أن البدل يفيد ما لا يفيد المبدل منه
[1]الداخل: ما داخل الإنسان من فساد في عقله. يريد: الخبل.
[2]الكتاب (1: 446) .
ويزيد به عليه، فما الذي زاده قوله:
متى ما يضعك الليث تحت لبانه
على قوله: «إذا رمى بقرحته صدر الكمى» ؟
فالفائدة في ذلك أنه إذا قال: رمى صدر الكمى، فإنما ذكر جنس الكماة إطلاقاً من غير تقيد، وإذا قال:
متى ما يضعك الليث تحت لبانه
فقد خاطبه بذلك وخصه به وقصره عليه. وفي القول الأول إنما كان يخص المخاطب منه قدر ما يصيبه في جملة الجماعة الذين هو واحد منهم، وفي الثاني من القصد له والتوجه إليه ما قدمناه، وكان ذلك أبلغ وأفخم وأشد إرهابا وتعظيما.
واعلم أن «إذا» في هذا البيت على هذا التأويل الثاني ينبغي أن تكون متعلقة بنفس «رمى» ومنصوبة الموضع به، وليست مضافة إليه، بل هو في موضع جزم بها، كما يجزم بالشرط الصريح، كما أن «يضع» في البيت الثاني مجزوم ب «متى» ، وهي منصوبة الموضع ب «يضع» نفسها من غير خلاف، فهو إذاً في الضرورة كقوله:
ترفع لي خندف والله يرفع لي ... ناراً إذا أخمدت نيرانهم تقد[1]
فإن قيل: فما الذي دعا إلى اعتقاد هذه الضرورة والدخول تحتها، وهلا حملت/ «إذا» على بابها من كونها مضافة إلى الفعل، كقوله تعالى:
(إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)[2]، وقوله: (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ)[3]، وقول كعب:
وإذا ما تشاء تبعث منها ... آخر الليل ناشطا مذعورا[4]
[1]البيت للفرزدق. (الكتاب 1: 434) . الديوان (216) .
[2]النصر: 1.
[3]الإسراء: 83.
[4]في الكتاب (1: 434) : «مغرب الشمس ناشطا مذعورا» .
ألا ترى أصحابنا يعتقدون أن الفعل بعد «إذا» هذه في موضع اسم مجرور، ولذلك رفعوه، أعنى لوقوعه موقع الاسم.
فالجواب: أنا إنما ركبنا هذه الضرورة في اللفظ محافظة على صحة المعنى، وذلك إن «إذا» هذه واجبة، ألا تراهم يقولون: آتيك إذا احمرّ البسر، ولا يجيزون، آتيك أن احمر البسر، لأن احمرار البسر واقع لا محالة، و «إن» مشكوك في فعلها، يجوز وقوعه ولا يجب، و «متى» كان في ذلك ليست بواجبة الفعل، ألا ترى إلى قول طرفة:
متى تأتنا نصبحك كأساً روية ... وإن كنت عنها غانياً فاغن وازدد[1]
أي: فاثبت على حال غناك. وإذا كانت «متى» لم يحسن أن تجعلها بدلا من «إذا» ، لأن «إذا» معروفة مقصورة على موضع وواجبة، و «متى» شائعة غير واجبة، فلو أبدلت «متى» من «إذا» ، وهي على ما هي عليه من كونها واجبة مضافة، كنت قد أبدلت الأعم من الأخص، فكما لا يجوز: ضربت رأس زيد زيدا، على أن تبدل «زيدا» من «رأسه» ، لما في ذلك من التراجع عن الخصوص إلى العموم، كذلك لا يحسن أن تبدل «متى» من «إذا» و «إذا» ، على معتاد حالها من كونها خالصة واجبة، فإذا لم يجز ذلك عدلت بها إلى إخلاصها واطرحها وإمحاضها شرطا البتة، فإذا حصلت له شاعت شيوع جميع حروف الشرط، وإذا شاعت فارقت موضعها من الإضافة وخلصت شرطا أن يحكم على موضع الفعل بعدها بالجزم في المعنى، وإن لم يظهر ذلك إلى اللفظ، وإذا كان كذلك حملت «إذا» في بيت «الهذلى» على أنها الجازمة في الضرورة، لما عليك
[1]الكتاب (2: 303) .