فأما قوله قبل الآية: (كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ/ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ)[1]يكون «أن يكون» نفيا.
وقيل: هي مصدرية، على تقدير: تبرأنا إليك من عبادتهم إيانا، فيكون الجار محذوفا. والأول الوجه.
ومن ذلك قوله: (لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ)[2]. وقرأ:
(وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) . فمن حذف الهاء كان «ما» نفيا، ومن أثبت كانت موصولة محمولة على ما قبله، أي: من ثمره ومن عمل أيديهم.
فأما قوله تعالى: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ)[3]. فقيل: التقدير:
كانوا يهجعون قليلا. و «ما» صلة زائدة. وقيل: بل هي مصدرية، أي: كانوا قليلا يهجعونهم. وقيل: نفي. وقد تقدم ذلك.
وأما قوله: (وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ)[4]. قرئ بالرفع والنصب.
فمن قرأها بالرفع كانت «ما» بمعنى «الذي» . أي: إن الذين اتخذتموهم أوثانا من دون الله مودة بينكم.
ومن نصب كانت «ما» كافة، ويكون «أوثانا» مفعولا أول، ويكون «مودة بينكم» مفعولا ثانيا، إن شئت، وإن شئت كان مفعولا له.
[1]القصص: 63.
[2]يس: 35.
[3]الذاريات: 17.
[4]العنكبوت: 25.
وأما قوله: (وَالسَّماءِ وَما بَناها)[1]، وما بعدها، فقيل: «ما» مصدرية، أي: والسماء وبنائها، والأرض ودحوها، ونفس وتسويتها.
وقيل: «ما» بمعنى: من، أي: والسماء وخالقها، والأرض وداحيها، ونفس ومسويها.
نظيره: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها)[2]. قيل: أي: من على الأرض من الرجال والنساء. قيل: من طاب لكم. وقيل: ما يلحق هذا الجنس.
فأما قوله: (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) «3» . فحمله الفارسي على أنها موصولة قياساً على مذهب سيبويه، حين زعم أن الظرف لا يبنى على كلمة الشرط.
فقال: إذا قلت: إن عندنا رجل، إن زيد أو عمرو. والتقدير: إن كان زيد. ولم تقدر: إن عندنا زيد. ثم رأيت لعثمان وهو يتكلم على شبه الظرف بالفعل في قوله:
ففينا غواشيها
فزعم أن الظرف كالفعل حيث عطفه على الفعل في قوله «تقاسمهم» ، ثم قال: ألا تراه، قال: (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) «4» ففصل بكلمة الشرط بالظرف. ولا أدري أنسي قول سيبويه وقول صاحبه في قوله:
(لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ)[5]حين وفقنا بين قول سيبويه والمازني.
وأما قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ)[6]فحمل الخليل «ما» على الاستفهام. لمكان «من» فى قوله: «من شيء» . وحمله آخرون على «الذي» .
ومثله: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ)[7]يكون استفهاما ويكون موصولا.
[1]الشمس: 5.
[2]الكهف: 7.
(4- 3) النحل: 53.
[5]آل عمران: 81.
[6]العنكبوت: 42.
[7]السجدة (ألم) : 17.
وأما قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ)[1]. فقيل:
«ما» بمعنى «الذي» معطوف على «خطايانا» .
وقيل: «ما» نافية، والتقدير: ليغفر لنا خطايانا من السحر ولم يكرهنا عليه. فتكون «ما» نافية، فيه تقديم وتأخير. وأظنني قدمت هذه الآية[2]ومثله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)[3]. أي: من استمتعتم به منهن.
ومثله: (نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ)[4]. أي: نسي الله.
ومثله: (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ)[5]. في الموضعين، يعنى: الله.
وحكى أبو زيد: سبحان ما سحركن. وأنشد لأبى داود:
سالكاتٍ سبيل قفرة بدا ... ربما ظاعنٌ بها ومقيم.
أي: رب إنسان هو ظاعن بها إنسان هو مقيم بها ف «ما» جر ب «رب» ووصفها بالجملة، كما تقول: رب رجل أبوه مقيم.
[1]طه: 73.
[2]الباب السابع والستون في التقديم.
[3]النساء: 24.
[4]الزمر: 8. [.....]
[5]الكافرون: 3.
الباب الثالث والثمانون
هذا باب ما جاء في التنزيل من تفنن الخطاب والانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى المتكلم ومن ذلك قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)[1]ثم قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)[2].
وقال: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ)[3]، وحق الكلام: وجرين بكم.
وقال: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى)[4].
وقال: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ)[5].
وهو كثير في التنزيل، والأصل في الكلام البداية بالمتكلم، ثم بالمخاطب، ثم بالغيبة.
قال الله تعالى: (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها)[6]. فقدم المخاطب على الغيبة.
فبنوا على هذا فقالوا: الوجه في الكلام: أعطانيك، وأعطاكني، لا يجوز، وأعطيتكها، وأعطيتكهوك، قبيح، ومع قبحه قول يونس. واحتج في ذلك قارئهم بقول القطامي:
أبلغ ربيعة أعلاها وأسفلها ... أنا وقيساً تواعدنا لميعاد[7]
[1]الفاتحة: 1.
[2]الفاتحة: 3.
[3]يونس: 22.
[4]طه: 53.
[5]النمل: 60.
[6]هود: 28.
[7]الديوان (ص: 13) طبعة برلين.
فأخبر عن المتكلم دون الغيبة، وهو «قيس» .
والمبرد يقوى قول يونس في القياس، ويجعل إضمار/ الغائب والمتكلم والمخاطب في التقديم والتأخير سواء، ويجيز: أعطاهوك، و: أعطاهونى، و: أعطاكنى، ويستجيزه ويستحسنه في: منحتني نفسي.
وسيبويه لا يجيز شيئا من ذلك إلا بالانفصال، نحو: أعطاه إياك، و: أعطاها إياك، و: أعطاه إياكما، و: أعطاها إياكما، و: أعطاك إياي.
وهذا الذي ذكره «المبرد» ليس بالسهل لأن ضمير المتكلم أقرب، ثم المخاطب ثم الغائب.
وقد رأيت غير سيبويه يجيز بين المتصل والمنفصل وغيرهما، فى: أعطيتكه، و: أعطيتك إياه لأن المفعول الثاني ليس يلاقي الفعل ولا يكترث به.
والأول إما أن يلقى ذات الفعل، أو يلقى ضمير الفاعل المجعول معه كشق واحد.
وأجاز سيبويه: أعطاه إياك. وتصحيحه لا يقوى ذلك لأن تعلق المفعولين بالفعل من باب واحد، واختلاف المفعولين في ترتيبهما ليس مما يغير حكم تعليقهما بالفعل وعمل الفعل فيهما.
ولقائل أن يقول: ما الذي أنكر سيبويه من: «منحتيني» ؟ وهل سبيل «منحتيني» : إلا سبيل «أعطاهوها» ، وهو مستحسن؟
قيل له: المنكر من «منحتيني» عند سيبويه أن في الثانية يؤخر ما هو حقه التقدم على كل ضمير، وليس كذلك «أعطاهوهما» .
الباب الرابع والثمانون
نوع آخر إضمار قبل الذكر قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ)[1].
يريد: على الأرض.
وقال: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً)[2]. يعني: الوادي.
وقوله: (وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها)[3]. يعني: الدنيا والأرض.
ومثل ما تقدم: (وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ)[4].
جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: «وللبسنا» على الملائكة من الثياب ما يلبسه الناس من ثيابهم، ليكونوا على صورتهم، والمعروف: لبس يلبس، في هذا المعنى.
وقال غيره: لشبهنا عليهم ما يشبهون على ضعفائهم، و «اللبس» في كلامهم «الشك» .
الكلبي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون.
[1]النحل: 61.
[2]العاديات: 4.
[3]الشمس: 3.
[4]الأنعام: 9.
وقيل: لبسنا عليهم، أي: على قادتهم ما يلبسون كما يلبس القادة على سفلتهم. وذلك أنهم أمروا سفلتهم بالكفر بالله، والشرك له، فالله عز اسمه، يقضى على قادتهم حتى يكونوا على الكفر.
ومن ذلك/ قوله تعالى: (إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها)[1]، قيل: الكلمة:
قوله: (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً)[2]. الآية. أي: الله قائل هذه الكلمات، فلا يدخلها خلف.
عن ابن زيد: أن القائل المشرك، والضمير لكلمة المشرك، وهي قوله:
(قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)[3]. أي: لا يكون ذلك أبدا.
ومن ذلك قوله: (سامِراً تَهْجُرُونَ)[4]، أي: مستكبرين بحرم الله، ويقولون: إن البيت لنا لا يظفر علينا أحد، وقيل: مستكبرين بالكتاب لا يؤمنون به، وقد تقدم في قوله: (وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ)[5].
ومن ذلك قوله تعالى: (وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ)[6]، الضمير في «صدها» ، قيل: لله تعالى، أي صد الله بلقيس عن عبادة غيره.
وقيل: صدها سليمان عن ذلك، فعلى هذا «ما» في محل النصب.
وقيل «ما» هي الفاعلة، وقد تقدم في الجار والمجرور.
[1]المؤمنون: 100.
[2]النحل: 61. [.....]
[3]المؤمنون: 99.
[4]المؤمنون: 67.
[5]المؤمنون: 62.
[6]النمل: 43.
ومن ذلك قوله: (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ)[1]، ففي فاعل «أحسن» قولان:
أحدهما موسى، أي: تماما على إحسان موسى بطاعته. عن الربيع والفراء، كأنه: لتكمل إحسانه الذي يستحق به كمال ثوابه في الآخرة.
فيكون مذهب «الذي» مذهب المصدر كقول يونس في قوله تعالى:
(وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا)[2].
والثاني: أن يكون الفاعل «ذكر الله» ، أي: تماما على إحسان الله إلى أنبيائه. عن ابن زيد.
وقيل: تماما على إحسان الله إلى موسى بالنبوة وغيرها من الكرامة.
عن أبي علي.
ومن ذلك قوله: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ)[3]، قيل: من العدو، وقيل: من الله.
وقوله: (وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ)[4]. أي: بالماء، وقيل: بالربط على القلوب، كنى عن المصدر، وقيل: بالرسل.
ومن ذلك قوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ)
[5].
قيل: هذا كقوله: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)[6].
كان يسرع القراءة مخافة النسيان.
[1]الأنعام: 154.
[2]التوبة: 69.
[3]الأنفال: 11.
[4]الأنفال: 11.
[5]القيامة: 16.
[6]طه: 114.