بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 100

إدريس قدس سره من العبارة التي نذكرها، فإنه قدس سره ذهب إلى أن الماء المتمم كرا طاهرا، حتى فيما إذا كان المتمِّم والمتمَّم نجسين، واستشهد على ذلك بما رواه من أن الماء إذا بلغ كرا لم يحمل خبثا، ثم أيد ذلك بأنه يستفاد ويستشم من كلام أبي جعفر الطوسي قدس سره ، قال: فالشيخ أبو جعفر الطوسي رحمة الله الذي يتمسك بخلافه ويقلد في هذه المسألة ويجعل دليلا يقوي القول والفتيا بطهارة هذا الماء في كثير من أقواله، وأنا أبين إن شاء الله أن أبا جعفر رحمة الله يفوه من فيه رائحة تسليم المسألة بالكلية (طهارة الماء المتمم كرا) إذا تأمل كلامه وتصنيفه حق التأمل وأبصر بالعين الصحيحة وأحرز له الفكر الصافي، فإنه فيه نظر ولبس، إلى آخر ما ذكره - فترى أنه في عبارته يستظهر من الشيخ قدس سره القول بالطهارة استنصارا لمذهبه، وأين هذا من القصة الفظيعة، والله العاصم[1].

والعجيب أن البعض لم يتأكد من صحة النسبة السابقة (طعن ابن ادريس في الشيخ الطوسي وتجرئه عليه) حتى رتب عليها أثرا وهو سرعة وفاة ابن ادريس وأن الله بتر عمره. وهذه مع الأسف طريقة جرى عليها غير الواعين وربما تسربت إلى العلماء أيضا، عندما يجعلون الله عز وجل وكأنه كحال البشر، ينتقم من هذا وذاك لأنه عمل كذا. أو يوظفونه والعياذ بالله لديهم ليعاقب من لا يعجبهم في هذه الدنيا بالنحو الذي يقررونه هم!

فإن الذي عليه أهل التحقيق أنه توفي سنة 598هـ وله من العمر 55 سنة وقريب هذا المقدار من العمر كان عمر غير واحد من العلماء حيث توفي السيد بحر العلوم في مثل هذا السن تقريبا 57 سنة وهكذا غيره.

دوره الأساس:

يعتقد الكثير من الباحثين أن الدور الأساس الذي قام به الفقيه المجدد الشيخ ابن

[1]الخوئي؛ أبو القاسم:معجم رجال الحديث 16. 70.


صفحه 101

ادريس هو أنه كسر الحاجز النفسي الوهمي الذي كان قائما عند قسم من العلماء، على أنه لا ينبغي معارضة شيخ الطائفة الطوسي في اختياراته وآرائه، فرأى أنه مهما علت القيمة العلمية لآرائه، فإنها غير عصية على النقد، وأنه لا ينبغي التوقف عندها بل البناء عليها والانطلاق منها إن كانت صحيحة، وهدمها إن كانت خاطئة.

إن أعظم مشكلة تطرأ في حياة الأمم علميا هي أن تعتقد أنه (ما ترك الآخر للأول) وأن المتأخرين ماذا سيقولون أكثر مما قاله المتقدمون زمانا؟ فـ (ليس وراء عبادان قرية) و(كل الصيد فهو في جوف الفرا) وهو لدى القدماء. حتى لقد أصبحت موافقة مشهور المتقدمين وعدم الانتقال عما هم عليه ميزة إيجابية! (هذا بالرغم من أننا لا نعتقد أنه ينبغي تعمد مخالفة مشهور الفقهاء ومناكفتهم على كل حال). الأمر الذي ألجأ بعض أعلام الفقهاء إلى التوقف قائلين: إن مخالفة المشهور مشكلة وموافقتهم من غير دليل أشكل[1].

إننا في الوقت الذي نعتقد فيه أن العلماء السابقين قد بذلوا غاية الجهد، ومبلغ الوسع في تحصيل الأدلة وصرفوا أعمارهم في سبيل هذا الهدف، وهي أعمال مشكورة، وجهود بالخير مذكورة، إلا أن كل جيل جاء حاول أن يرتقي مرتقى أفضل من سابقه، وأن يكمل ما نقص من متقدميه، ويصحح ما أخطأوا فيه. وهذا يقتضي أن لا تُفتح مدافع النقد على من يخالف السابقين، أو يُنكر على أراء المجددين. بأنه لم يقل بمقالتهم هذه أحد من قبلهم وهذا دليل عدم صحتها، وكأن على الفقيه أن يأتي ليقول نفس الكلام الذي قاله من سبقه!! وقد أشار ابن ادريس إلى هذا المعنى: «.وكأني بمن يسمع هذا الكلام ينفر منه و يستبعده، و يقول: من قال هذا؟ و من سطره في كتابه؟ و من أشار من أهل هذا الفن الذين هم القدوة في هذا اليه؟ و ليس يجب إنكار شي‌ء، و لا إثباته إلا بحجة تعضده، و دليل يعتمده»[2].

[1]الهمداني؛ آقا رضا 1/582

[2]السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى؛ ج‌1، ص: 73 طبع جماعة المدرسين قم ايران


صفحه 102

وبالرغم من أن مسلكه في عدم قبول خبر الثقة (أخبار الآحاد) لم يأخذ مداه في الوسط العلمي، وأصبح من المسالك المهجورة، إلا أنه ليس من المطلوب أن يكون كل ما يأتي به شخص يصبح نهاية العلم، وإنما يتعرض له بالمناقشة والنقد.

كتب وتصانيف:

خلف ابن ادريس عددا من الكتب:

1. السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى:

وهو كتاب فقه استدلالي في أبواب العبادات والمعاملات، من الطهارة إلى الديات وأتبعه القسم الأخير وهو المستطرفات من الكتب الروائية، وفيه أورد عددا من الروايات في الأحكام والأخلاق وغيرها. ويقع الكتاب بحسب الطباعة الحديثة في ثلاثة مجلدات. وهو أشهر كتبه وبه عرف فيقال صاحب السرائر.

2. مختصر التبيان في تفسير القرآن:

والأصل كما هو معروف لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، فقام ابن ادريس باختصاره والتعليق عليه. وربما عبر عن هذا الكتاب باسم (التعليقات).

3. خلاصة الاستدلال:

وهي رسالة فقهية في إثبات فورية وجوب قضاء الصلوات الفائتة.

4. مسائل ابن ادريس:

وهي عبارة عن خمس مسائل فقهية بسط فيها الكلام، رأيا واستدلالا.

وقد طبعت هذه الكتب في النجف الأشرف أخيرا، في أربعة عشر مجلدا بتحقيق العلامة السيد محمد مهدي الخرسان.


صفحه 103

فتاوى مخالفة للمشهور:

بالرغم من فكره التجديدي، ونشاطه العلمي المتميز، كان له فتاوى لم يستقبلها الوسط العلمي، وظل القول بها نادرا وفي بعضها محصورا به. فمنها:

اعتقاده بأن ولد الزنا كافر!

وأن التقيؤ العمدي في نهار الصيام لا يبطل الصيام.

وأن الاعتكاف لا يجوز في غير المساجد الأربعة (المسجد الحرام، والنبوي، والكوفة، والبصرة) وأن ارتكاب أي معصية في أيام الاعتكاف يفسده.

وأن صلاة الجمعة في زمان الغيبة غير جائزة، لاختصاصها بالإمام المعصوم أو منصوبه الخاص.

وأنه لا يشترط في بني هاشم لأخذ الخمس الفقر، بل حتى الغني منهم يستطيع أن يأخذه.

وأن من يترك الصلاة ثلاث مرات من غير عذر، أو يفطر ثلاثة أيام كذلك، فإن قتله واجب!

وغيرها من الفتاوى[1].

[1]للتفصيل يراجع كتاب: ابن ادريس لعلي همت بناري، مصدر سابق. ص 137


صفحه 104

اين صفحه در کتاب اصلي بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 105

الخواجة وانقاذ الحضارة الإسلامية

نصير الدين الطوسي: محمد بن محمد بن الحسن

597 - 672هـ

للحديث عن شخصية اجتمعت فيها صفات الكمال بنحو مذهل كالشيخ نصير الدين الطوسي لا بد أن نشير كمقدمة إلى جناية بعض المؤرخين على التاريخ، وجناية بعض أهل الحاضر على حاضرهم! ثم نعطف الحديث على شخصية الطوسي.

نعم.. بعض المؤرخين جنوا جناية كبيرة على التاريخ، فلم يكونوا أمناء في تسجيله ونقله، وإنما انطلقوا من دوافع سياسية في تأييد بعض الحاكمين حينا، ومن دوافع طائفية ومذهبية حينا آخر، فخانوا رسالة المؤرخ، ولم يؤدوا الأمانات إلى أهلها!

وهذا ما صنعه «مؤرخو الأتراك المماليك في مصر والشام عندما أرخوا لفترة سقوط الدولة العباسية على يد المغول، حيث أرادوا تبرئة إخوانهم الأتراك بقيادة شرف الدين إقبال الشرابي، وأيبك الدواتدار، فاتهموا الشيعة وابن العلقمي»[1].

فهؤلاء مثل أبي شامة، وابن كثير، والذهبي، جمعوا عدم المعاصرة للتاريخ الذي دونوه، إلى جانب التعصب المذهبي، والعداء السياسي لمن كانوا يؤرخون لهم، فجاء ذلك التاريخ مسخا مشوها، تناقله من بعدهم من دون نظر أو تحقيق، وكأنه آية محكمة أو سنة ثابتة!

[1]الغامدي د. سعد؛ مقابلة في ملحق الرسالة جريدة المدينة السعودية 7/5/2010. ولتفصيل تلك المرحلة نشير إلى كتابه القيم: سقوط الدولة العباسية.


صفحه 106

والخلف الذي جاء من بعدهم، سار خابط عشواء فبدأ يعيد إنتاج الخطأ من جديد ويبني عليه أبراجا من الأوهام كذلك (الدكتور!!) الذي رأى أن «هدف ابنِ العلقمي كان ان يزيلَ السُّنةَ بالكليةِ وأن يظهرَ مذهبه، وأن يعطلَ المساجدَ والمدارسَ، وأن يبني لمذهبه مدرسةً هائلةً ينشرون بها مذهبهم فلم يقدرهُ اللهُ على ذلك، بل أزال نعمتهُ عنه وقصف عمره بعد شهورٍ يسيرةٍ من هذه الحادثة»!!.

وفي استدعاء جديد للوهم، لم يرَ هؤلاء حقيقة الصراع الذي انتهى بهزيمة النظام البعثي، بل لم يروا المأساة التي كانت رحاها تدور بالمجتمع المسلم في العراق حتى أوردته المهلكة، وإنما رأوا أن «أحفاد ابن العلقمي «هم سبب ضياع بغداد!

بينما يفيد المحقق الغامدي الذي تخصص في تأريخ تلك الفترة وقرأ مصادر أحداثها من مؤلفين معاصرين لها وقريبي العصر منها، بل درس لغات المغول وقوانينهم ليخرج بعد بحث سنوات بكتاب قيم هو: سقوط الدولة العباسية: ودور الشيعة بين الحقيقة والاتهام. يقول في جواب سؤال: «كثر القول عن الشيعة بأنهم هم المتآمرون مع المغول وخاصة أبو طالب مؤيد الدين أحمد بن محمد بن العلقمي. وهذا الرجل عربي أصيل من بني أسد، كان شيعي المذهب وآخر وزير في الدولة واتهم أتباع مذهبه زورا وبهتانا بأنه كان السبب في سقوط تلك الدولة. للحقيقة والتاريخ لم يكن لأولئك الناس في سقوط العباسيين ناقة أو جمل.وبملء فيَّ وليكتب عني المؤرخون غيري ما يشاؤون. مصادري موثوقة وحيثياتي التي بنيت عليها هذا الرأي أثبتت أنه لم يكن للشيعة دور فقد تعرضوا في بغداد للأذية كما تعرض لها الآخرون، لو كان ابن العلقمي متآمرا مع المغول ضد أسياده لكان أول من يقتل على أيدي المغول، حسب قانونهم: الخائن لا يؤتمن فلا بد من إعدامه للعبرة.إن أكبر دليل على براءة بن العلقمي هو أن هولاكو استخدمه مع آخرين من


صفحه 107

موظفي الدولة العباسية ليديروا بغداد بعد رحيله عنها»[1].

كان هذا التمهيد ضروريا، لكي يتم الحديث عن الخواجة[2]نصير الدين الطوسي الذي عاصر تلك الفترة، وشهد سقوط الدولة العباسية، وحاول جهده إنقاذ العلم والمعرفة الإسلامية.

فلنعد للحديث عن جهاته الشخصية، حيث نلتقي مع عالم قليل النظير، وذلك أننا نجد كثيرا من علمائنا بارعين في العلوم النقلية التقليدية كالفقه، والحديث والرجال. لكن القليل منهم من يملك ناصية العلوم الطبيعية باقتدار، مثل (الهندسة والجبر والحساب والمثلثات والفلك والهيئة والنجوم والفلسفة والمنطق) فإنه رحمة الله قد برع فيها إلى حد أنه نقل أن العلامة الحلي وهو من هو قد أخذ عنه العلوم العقلية، ويصفه العلامة الحلي بقوله: (وكان هذا الشيخ أفضل (أهل) عصره في العلوم العقلية والنقلية، وله مصنفات كثيرة في العلوم الحكمية، والأحكام الشرعية على مذهب الإمامية، وكان أشرف من شاهدناه في الأخلاق، نور الله مضجعه، قرأت عليه إلهيات الشفاء لأبي علي بن سينا، وبعض التذكرة في الهيئة تصنيفه)[3].

كان غزير الانتاج لا سيما في العلوم العقلية والطبيعية.ولهذا نجد أنه من بين (186) عنوان كتاب عدت[4]من تأليفاته، كان هناك 60 عنوانا في الهندسة والحساب والجبر والمنطق، و 40 كتابا في الفلسفة والحكمة، وحوالي 20 كتابا في العقائد والكلام، كما لم تخل عناوين كتبه من المواضيع الأخلاقية والتربوية.

ولعل من أشهر كتبه المعروفة في الحوزات العلمية كمنهج دراسي كتاب تجريد

[1]المصدر السابق

[2]كلمة فارسية أو تركية الأصل تكتب بالواو وتنطق بحذف الواو (خاجه) ومعناها يدل على التعظيم والتكريم في حق من تطلق عليه، مثل معنى: السيد، أو المعظم.

[3]الأنوار البهية - الشيخ عباس القمي - ص 142

[4]الأمين، حسن: مستدركات أعيان الشيعة 1. 237