نبأ إسلام ابن هولاكو وإسلام الدولة المغولية تبعا لإسلامه «[1].
[1]الأمين، السيد محسن - أعيان الشيعة 9. 417
التوجه التقريبي
لدى الشيخ ميثم بن علي البحراني[1]
623ـ 699هـ
أهمية إبراز نماذج التقريب ومناهجهم:
يتحسس كثير من المفكرين الإسلاميين أهمية إبراز نماذج التقريب، ورواد الحوار والانسجام بين مكونات الأمة الإسلامية. خصوصا مع ملاحظتهم للنتائج السيئة التي انتهت إليها خطوط التشنج المذهبي في الأمة. وما يزال الحبل على الجرار. في أكثر من بلد إسلامي.
إن من الواضح أن في الأمة توجهات متعددة؛ بعضها يدعو إلى الألفة والانسجام والتقارب، وينظّر لذلك ويسعى إليه عمليا. وبعض يعيش هاجس حراسة المذهب والحفاظ على الهوية الخاصة، وقسم ثالث يتجاوز ذلك لكيلا يرى أفقا غير الهجوم على المذاهب الأخرى، ولا يحمل رسالة غير تهديم ما عداه.
وإن من المؤسف أن يكون القسم الثالث عند كثير من أتباع كل مذهب هو الأكثر تقديرا واحتراما، بينما لا ينظر إلى القسم الأول عند كل فريق بنظرة جيدة، فدعاة التقريب الشيعة عند الشيعة، ودعاة التقريب السنة عند السنة ليسوا في التقدير والاحترام كنظرائهم من حراس المذهب، والذين يتبنون
[1]مقال قدم للندوة العالمية الثانية لتكريم العالم الرباني الشيخ ميثم البحراني رحمه الله التي عقدت في طهران خلال 23 24 رجب 1427 بواسطة رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية والمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.
الهجوم على عقائد المذهب الآخر!
ولهذا فإن على المصلحين مسؤولية إبراز النماذج التقريبية من علماء وزعماء، والتذكير بسيرتهم، والعمل على إحياء مناهجهم في التقريب بين فئات المسلمين باعتبار ذلك هدفا ساميا، وقيمة عالية.إن إحياء فكر السيد البروجردي، والسيد شرف الدين، والإمام الخميني والتبليغ لمنهجهم في التقارب والحوار لهو أمر لا يستغنى عنه عموما وفي هذه الفترات خصوصا.
كما أنه لا بد من فك الارتباط غير الصحيح بين قوة الهجوم على الخصوم وبين شدة الولاء للمذهب من جهة، وبين الدعوة إلى التقريب والتعامل مع الآخر المذهبي بنفس مشترك وبين التفريط في الخصوصيات، فإن ذلك مما لا صحة له. إن الانطباع السائد في الجهتين وكأن الداعية للتقريب والتقارب مفرط في حق أئمته وقليل الغيرة على مذهبه، بينما الرافض للتقارب والشديد اللهجة في خلاف ذلك، هو المؤمن الحق. ليس بصحيح.
ومن المهم في هذا الباب أن يتم إبراز المنهج الذي اتبعته تلك الشخصيات في طريقها التقريبي، سواء كان ذلك من خلال المنهج في كيفية التعامل مع المسائل الخلافية كما صنعه الشيخ ميثم في شرحه لنهج البلاغة وصنعه العلامة في تذكرة الفقهاء في الخلاف الفقهي، وهكذا ما يقوم به بعض مراجع الأمة كالإمام الخميني في التطبيع الاجتماعي عبر الفتاوى الفقهية.أو غير ذلك بحيث لا يكتفى بالحديث عن أهمية هذا العمل فقط.
وسوف يكون حديثنا محاولة لاستخراج ملامح من المنهج التقريبي الذي كان لدى العالم الرباني الشيخ ميثم بن علي بن ميثم البحراني رحمة الله .وسنلقي نظرة خاطفة على حياته ثم نتبعها بذكر شيء سريع عن عصره من جهة التطرف المذهبي، لكي يكون ذلك مدخلا للحديث عن منهجه التقريبي.
ذكر مترجموه بأن ولادته كانت في سنة 623هـ بينما كانت وفاته سنة 679هـ كما هو معروف عند أغلب المترجمين له لكنه لا يصح[1]لما ذُكر في مقدمة كتابه اختصار مصباح السالكين بأنه فرغ منه في سنة 681هـ.،والصحيح أنه توفي سنة 699هـ كما توصل إليه المرحوم الطهراني في طبقات أعلام الشيعة.
وقد ذكر آخرون دراسة الخواجة نصير الدين الطوسي عليه، والعلامة الحلي، بينما شكك بعض الباحثين في ذلك بالنحو المعهود من الدراسة والتلمذ، وذلك لأن الحوادث التاريخية المذكورة في حياة هؤلاء الأعلام لا تساعد على مثل ذلك النحو من التلمذ، واحتملوا أن يكون التفاعل بين هؤلاء الأعلام كان على طريقة المباحثات العلمية في المجالس التي تجمعهم، واستفادة كل واحد من هؤلاء الأعلام من الآخر في مجال تخصصه وإبداعه، كأن يستفيد العلامة من الطوسي في مجال العقليات والثاني من الأول في النقليات والفقه وهما من الشيخ ميثم، وهكذا.خصوصا مع ملاحظة سفر الشيخ ميثم إلى العتبات المقدسة فيمكن أن يكون ذلك التفاعل خلال تلك السفرات، وقد نقل عن الشيخ ميثم في هذه السفرات أنه كان كثير الاجتماع بالعلماء والمذاكرة معهم.
ويبدو أن العصر الذي كان الشيخ ميثم يعيش فيه، كان لا يزال على وقع طائفي غير مستحسن، فقد سبق عصره المشاحنات التي كانت بين البويهيين والسلاجقة، والتي انتهت بانتهاء البويهيين على يد السلاجقة الذين دخلوا بغداد، وصبوا زيت طائفيتهم على نار جهل العوام التي كانت متقدة أساسا. بل قد وجدنا في تلك الفترة وما بعدها تمتد الحالات المتشنجة إلى المدارس المختلفة في داخل المذهب الواحد كما كان يحصل بين الحنابلة وغيرهم حتى لقد تمنى بعضٌ أن يفرض الجزية على الحنابلة لو كان له من الأمر شيء.
[1]اليوسفي الغروي، محمد هادي في مقدمة كتاب النجاة في القيامة ص8
أما المسألة الطائفية بين السنة والشيعة فلعل أوضح تعبير عنها ما نجده في كتاب منهاج السنة للشيخ أحمد بن تيمية ت 728هـ.
غير أن هذا لا يشكل كامل الصورة في العالم الإسلامي آنئذ، فقد كان إلى جانب هذا المنظر، منظر آخر يحرص فيه عدد من العلماء على التلاقي والاستفادة العلمية، والنظر إلى الآخرين بمنظار بعيد عن الحالة المتشنجة والشحن المذهبي.
ولا أدل على ذلك من المنهج الذي نلاحظه لدى شيخنا البحراني، فقد وجدنا هذا التفاعل بينه وبين علماء المذاهب الأخرى، إذ لم تمنعه مواقف بعضهم تجاه التشيع أن ينقل آراءهم، متى وجدها نافعة كما هو الحال في نقله لكلام طويل عن الشيخ أبي حامد الغزالي، في حقيقة التوبة من كتابه الإحياء بالرغم مما نقل من موقف الغزالي المتشنج تجاه الشيعة[1]. إضافة إلى عنايته في شرحه على النهج بذكر أقوال علماء السنة في المسائل المختلفة، ومناقشتها بنفس موضوعي هادئ بعيد عن التعبئة والشحن المذهبي. وإن الالتزام بمثل هذا المنهج في مثل تلك الظروف ليعد فضيلة كبيرة، ويكشف عن وعي استثنائي بالصالح الإسلامي، بحيث لا يستدرج لحالات التشاحن التي كانت سائدة آنئذ. ولهذا رأى بعض الباحثين أنه لابد أن يذكر للشيخ ميثم اعتداله في التشيع وتجنب الخوض في الخلافات واللعن[2].
ونحن لا نستبعد أن يكون هذا التوجه هو المتبادل بين الشيخ ميثم، و(تلميذه وإن كان بالمعنى المشار إليه آنفا) العلامة الحلي أو تأثيره عليه في الانفتاح على الأفق الآخر، فقد درس العلامة على عدد من كبار علماء أهل السنة مثل علي بن عمر الكاتبي القزويني الشافعي، وبرهان الدين محمد بن محمد النسفي الحنفي،
[1]د. زنكنه، مقال في مجلة رسالة التقريب عدد 53
[2]المصدر السابق
وابن الصباغ الحنفي. كما كانت له مع القاضي البيضاوي الشيرازي[1]، صاحب التفسير، المتوفى (685هـ) مكاتبات تفصح عن الخلق الإسلامي والعلمي النبيل، ومن تلك المكاتبات، كتاب بعثه البيضاوي فصدره بقوله: مولانا جمال الدين، أدام الله فواضلك، أنت إمام المجتهدين في علم الأصول.. فأجابه ابن المطهر بكتاب استهله بقوله: وقفت على إفادة مولانا الإمام أدام الله فضائله، وأسبغ عليه فواضله[2].
ملاحظتان في شرح النهج:
في البداية لا بد أن نتوقف عند ملاحظة وهي أن كثيرا ممن كان همهم اصلاح الأمة، والدعوة إلى التقريب بين أطياف الأمة كان لهم شيء من الاهتمام بنهج البلاغة لأمير المؤمنين علي عليه السلام ، فلقد حظي بالاهتمام من قبل الإمام الشيخ محمد عبده والدكتور صبحي الصالح، ومن الشهيد مرتضى المطهري، وآية الله شمس الدين وغيرهم.وقد يكون ما احتوى عليه النهج من أفكار في القمة، تدعو هؤلاء وغيرهم إلى الاستضاءة بأنواره.
ومن هؤلاء الشيخ ميثم بن علي البحراني، فقد شرح النهج شرحه الكبير باسم (مصباح السالكين) واختصره أيضا، وله شرح ثالث يعتقد أنه يتحد مع شرحه للكلمات المائة المختارة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام .
وأول ما يلفت النظر في شرحه للنهج هو أنه لم يكن مسوقا بظروف التقية التي
[1]عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي، أبو سعيد، أو أبو الخير، ناصر الدين البيضاوي ت 685هـ: قاض، مفسر، علامة. ولد في المدينة البيضاء (بفارس - قرب شيراز) وولي قضاء شيراز مدة وصرف عن القضاء، فرحل إلى تبريز فتوفي فيها. من تصانيفه «أنوار التنزيل وأسرار التأويل - ط «يعرف بتفسير البيضاوي، و «طوالع الأنوار - ط «في التوحيد، و «منهاج الوصول إلى علم الأصول - ط «، ورسالة في موضوعات العلوم وتعاريفها - خ «و «الغاية القصوى في دراية الفتوى - خ «في فقه الشافعية. خير الدين الزركلي؛ الأعلام 4. 110
[2]الكثيري، السيد محمد: السلفية بين أهل السنة والإمامية. 637
تقتضي من البعض أن يختار ألفاظه بعناية حتى وإن كان معتقده خلاف ذلك، وإنما كان في ظرف يسمح له بحدود واسعة من الحركة في هذا المجال، فإن الشخص الذي قدم إليه كتابه وهو علاء الدين الجويني الوالي في زمان أحمد تكودار، يعد من موالي أهل البيت عليهم السلام ، ولم يكن مختلفا معه في المذهب، وهذا يجعلنا نعتقد أن ما ذكره في شرح النهج يمثل فكره ومنهجه في التعامل مع القضايا التي شرحها من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام . ويكسب هذا الشرح أهمية استثنائية.
وثاني ما يلفت النظر:عنايته بنقل أقوال الجمهور في مواضع الاختلاف، وإنصافهم في النقل، ثم نقد ذلك بما يعتقده من الدليل. فإنه عندما يتحدث عن قضية أبي ذر مع عثمان تراه ينقل رأي غير الشيعة فيها، والقائل بأن الربذة كانت من اختيار أبي ذر بعد أن خيره الخليفة بين عدد من المواضع، ثم ينقل رأي الشيعة القائل بأنه أخرج إليها من غير اختياره، ويقوي الثاني باعتبار أن نص الخطبة عن الإمام يتناسب مع هذا الرأي (إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك)[1].
كما يستوقف الناظر أنه يعالج المسائل تلك بنَفَس بعيد عن الشحن والتعبئة ولعل نظرة على عدد من الخطب والكلمات التي شرحها ومقارنتها ببعض الشروح الأخرى تبين الفرق بين النحوين من الشرح: المتعقل والتعبوي. هلم معي لننظر في بعض الخطب التي تتعرض إلى موضوع الخلافة، وهو من المواضيع الأساسية التي تثير الخلاف بين فئات المسلمين كما هو واضح.
كيف عالج الشيخ ميثم مسائل الخلاف؟
إن الشيخ ميثم الذي يتحدث عن الموضوع الأصلي في الخلاف في شرحه
[1] مصباح السالكين 3. 146
للخطبة الشقشقية[1]بنفس محايد يعرض في أصل ثبوتها إلى الخطأ الذي وقع فيه بعض الشيعة حيث ادعوا تواترها لفظا عن الإمام علي عليه السلام ، يتعرض إلى الخطأ الذي وقع فيه بعض السنة الذين ادعوا أن الخطبة لا تصح نسبتها إلى الإمام وأنه لم يصدر عنه تظلم أو تشكٍ، وبعد أن يقرر أن التصدي للاثبات والنفي في هذا المقام هو مظنة التهمة للشارحين. ينفي الأول ويعارض الثاني، فلا تواتر لفظي كما يدعيه بعض الشيعة وإلا لكان معلوما لدى جميعهم، ثم يبدأ في توجيه وتبرير فعل علماء السنة في إنكار صدورها عن الإمام، بأنهم ربما أرادوا تسكين خواطر العوام من أنه لم يكن بين الصحابة الأولين الذين هم أشراف المسلمين وساداتهم سوء أو خلاف ليقتدي بحالهم من سمع ذلك عنهم! ويرى أن هذا مقصد لطيف.
وأما لو كان المقصود هو أنه لم يقع فعلا شيء من ذلك الخلاف أو المنافسة في أمر الخلافة فإن ذلك لا يصح ولا ينكر حصوله إلا جاهل بالتاريخ وأخباره. ثم يذكر أن قضية التشكي والخلاف متواترة معنى لتعدد نقلها واختلاف الفاظها.
في قول أمير المؤمنين عليه السلام : «فلأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة التماسا لأجر ذلك وفضله وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه»: قال الشيخ ميثم: إن غرضه كان صلاح حال المسلمين واستقامة أمرهم، وسلامتهم عن الفتن، وقد كان لهم بمن سلف من الخلفاء الثلاثة استقامة أمر، وإن كانت لا تبلغ عنده كمال الاستقامة. وفي نفس الشرح يقول: إن الفرق بين الخلفاء الثلاثة وبين معاوية في إقامة حدود الله والعمل بمقتضى أوامره ونواهيه ظاهر[2].
في شرح خطبة الإمام لما سأله أحدهم كيف استبد عليكم قومكم بالأمر؟ فقال: «أما الاستبداد علينا ونحن الأعلون نسبا والأشدون برسول الله صلى الله عليه وآله نوطا، فإنها كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين والحكم
[1]المصدر 1. 253
[2]المصدر ج2/205 شرح خطبة 73.