للخطبة الشقشقية[1]بنفس محايد يعرض في أصل ثبوتها إلى الخطأ الذي وقع فيه بعض الشيعة حيث ادعوا تواترها لفظا عن الإمام علي عليه السلام ، يتعرض إلى الخطأ الذي وقع فيه بعض السنة الذين ادعوا أن الخطبة لا تصح نسبتها إلى الإمام وأنه لم يصدر عنه تظلم أو تشكٍ، وبعد أن يقرر أن التصدي للاثبات والنفي في هذا المقام هو مظنة التهمة للشارحين. ينفي الأول ويعارض الثاني، فلا تواتر لفظي كما يدعيه بعض الشيعة وإلا لكان معلوما لدى جميعهم، ثم يبدأ في توجيه وتبرير فعل علماء السنة في إنكار صدورها عن الإمام، بأنهم ربما أرادوا تسكين خواطر العوام من أنه لم يكن بين الصحابة الأولين الذين هم أشراف المسلمين وساداتهم سوء أو خلاف ليقتدي بحالهم من سمع ذلك عنهم! ويرى أن هذا مقصد لطيف.
وأما لو كان المقصود هو أنه لم يقع فعلا شيء من ذلك الخلاف أو المنافسة في أمر الخلافة فإن ذلك لا يصح ولا ينكر حصوله إلا جاهل بالتاريخ وأخباره. ثم يذكر أن قضية التشكي والخلاف متواترة معنى لتعدد نقلها واختلاف الفاظها.
في قول أمير المؤمنين عليه السلام : «فلأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة التماسا لأجر ذلك وفضله وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه»: قال الشيخ ميثم: إن غرضه كان صلاح حال المسلمين واستقامة أمرهم، وسلامتهم عن الفتن، وقد كان لهم بمن سلف من الخلفاء الثلاثة استقامة أمر، وإن كانت لا تبلغ عنده كمال الاستقامة. وفي نفس الشرح يقول: إن الفرق بين الخلفاء الثلاثة وبين معاوية في إقامة حدود الله والعمل بمقتضى أوامره ونواهيه ظاهر[2].
في شرح خطبة الإمام لما سأله أحدهم كيف استبد عليكم قومكم بالأمر؟ فقال: «أما الاستبداد علينا ونحن الأعلون نسبا والأشدون برسول الله صلى الله عليه وآله نوطا، فإنها كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين والحكم
[1]المصدر 1. 253
[2]المصدر ج2/205 شرح خطبة 73.
الله والمعود إليه القيامة»[1]، قال في الشرح: بأن الذين شحوا بها على رأي الإمامية هم من تقدموا عليه في الإمامة، وعند غيرهم هم أهل الشورى بعد عمر، ثم قال: بعد ان ذكر استشهاد الإمام بصدر بيت (فدع عنك نهبا صيح في حجراته) قال وجه المطابقة في الاستشهاد: أن السابقين من الأئمة وإن كانوا قد استبدوا بهذا الأمر فحديثهم مفهوم إذ لهم الاحتجاج بالقدمة في الإسلام والهجرة وقرب المنزلة من الرسول وكونهم من قريش فدع ذكرهم ونهبهم في هذا المقام، ولكن هات ما نحن فيه الآن من حديث معاوية بن أبي سفيان[2].
شرحه خطبة الإمام (لله بلاء (بلاد) فلان فلقد قوم الأود وداوى العمد وأقام السنة وخلف الفتنة ذهب نقي الثوب قليل العيب) فإنه في البداية قد نقل كلام بن أبي الحديد مترحما عليه (وشتان بينه في هذا وبين من قيّده بسلاسل الحديد!) الذي فسر المراد بأنه عمر دون أبي بكر لقصر مدة أبي بكر، ودون عثمان لتشعب الفتنة في عهده، ثم نقل ما ذكره القطب الراوندي من أنه أراد بعض أصحابه ورده بما قاله ابن أبي الحديد من أن ظاهر هذه الصفات في شخص قد ولي الخلافة، ثم استقرب الشيخ ميثم أن يكون المراد هو أبو بكر دون عمر حيث قد انتقد في الشقشقية عهده[3]. ثم طفق يجيب عن سؤال: كيف يجتمع هذا المدح مع ما هو معهود عند الشيعة من تخطئتهم للخليفتين.
فانظر إلى الفرق بين هذا التفسير وبين تفسير غيره كالميرزا حبيب الله الخوئي في كتابه منهاج البراعة.
[1]المصدر 3. 293 خ 161
[2]المصدر 3/295
[3]المصدر 4. 97
التوجه التقريبي لا يتجاوز حقائق التاريخ:
غير أن توجهه التقريبي لا يجعله يتجاوز حقائق التاريخ، أو يطوي عنها كشحا، فهو يعلق على قول الإمام عليه السلام (لم تكن بيعتكم إياي فلتة) بأنها تعريض ببيعة أبي بكر حيث قال فيها عمر: إنها فلتة وقى الله المسلمين شرها[1]. لكن يبقى تقييم المسألة ضمن حدودها.
وهكذا الحال في بقية المواقف فإنه عندما يتكلم عن شرح خطبة (اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قد قطعوا رحمي وأكفؤوا إنائي وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري) يقول رأي الشيعة إن المقصود بالمجمعين على خلافه هم الخلفاء الثلاثة قبله، وقال غيرهم إن المقصود بهم هم المجمعون وقت الشورى فلا يدخل فيهم الشيخان، والقول الثاني ضعيف[2].
وهكذا عندما يتناول في الخطبة الشقشقية مواضع النقد والاشكال التي وجهها أمير المؤمنين عليه السلام لخلافة الخلفاء الأوائل، فإنه تعرض لها بالتفصيل.
فإن موقفه هذا لا يستدعي منه أن يتنازل عن ثوابته العقدية فإن نفس هذا الشيخ هو الذي يؤلف (استقصاء النظر في إمامة الأئمة الاثني عشر). والكتاب وإن لم نعثر على نصه إلا أنه من الطبيعي أنه ينطلق لإثبات إمامتهم.
ولعله لهذه الجهة التي تعتمد التوازن في الحكم على الأطراف الأخرى،وأنه لم يعهد منه مسلك اللعن والشتم والتعبئة المذهبية وخصوصا ما يرتبط بالخلفاء الثلاثة، نفى المحققون صحة نسبة كتاب (الاستغاثة في بدع الثلاثة) الذي يعتمد مؤلفه منهجا شديدا في هذه الجهة إلى الشيخ ميثم البحراني.
[1]المصدر 3/164
[2]المصدر 4/50
فقد نقل العلامة المجلسي نسبة الكتاب إلى الشيخ ميثم في البحار في موضعين، وكذا فعل صاحب الرياض، والشيخ سليمان البحراني شيخ صاحب الحدائق، و الشيخ عبد النبي الكاظمي في تكملة الرجال، وقد رد صاحب الحدائق تلك النسبة بأن منهجه الذي نراه في شرح النهج وغيره من كتبه، لا يتناسب مع الكتاب المذكور لا في هدف تأليفه، ولا في نمط الحديث عن الخلفاء ولذا ردت نسبة الكتاب إليه، من خلال تحليل نص الكتاب ومنهجية الشيخ ميثم.
(قال المحقق المحدث البحراني في اللؤلؤة بعد نقل ترجمة ابن ميثم، عن رسالة السلافة البهية في الترجمة الميثمية، لشيخه العلامة الشيخ سليمان البحراني، وعد الكتاب المذكور من مؤلفاته، وتوصيفه بأنه لم يعمل مثله ما لفظه: ثم إن ما ذكره شيخنا المذكور من نسبة كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة للشيخ المشار إليه غلط قد تبع فيه من تقدمه، ولكن رجع عنه أخيرا فيما وقفت عليه من كلامه، وبذلك صرح تلميذه الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني رحمة الله ، وإنما الكتاب المذكور كما صرحا به لبعض قدماء الشيعة من أهل الكوفة، وهو علي بن أحمد أبو القاسم الكوفي، والكتاب يسمى كتاب البدع المحدثة، ذكره النجاشي في جملة كتبه، ولكن اشتهر في ألسنة الناس تسميته بالاسم الأول، ونسبته للشيخ ميثم، ومن عرف سليقة الشيخ ميثم في التصنيف، ولهجته وأسلوبه في التأليف، لا يخفى عليه أن الكتاب المذكور ليس جاريا على تلك اللهجة، ولا خارجا من تلك اللجة)[1]انتهى.
وأخيرا:
فإن التنوع المذهبي في الأمة حقيقة لا يمكن تجاهلها، والحوارات والنقاشات العقدية والفقهية أمر طبيعي ومفيد لإثراء الساحة العلمية والفكرية بمختلف النظريات، غير أنّا نحتاج إلى منهج في ذلك، يطلق العنان من جهة لنتائج العقل
[1]النوري، الميرزا:خاتمة المستدرك 1. 169
والفكر ويكون على مستوى عال من الأخلاقية في التعامل مع الرأي الآخر، والمذهب المخالف سواء في إنصافه أو في طريقة التعبير عنه وعن رموزه. وهذا ما وجدناه في نهج الشيخ ميثم في شرحه للنهج.
العلامة الحلي نادرة الدهر
الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر
648 728هـ
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
كل إنسان هو قصة في هذه الحياة، وهو جزء من التاريخ الانساني حيث يتشكل من غيره ومنه أيضا، من مواقفه وإنتاجه، وجهده وسعيه قل أو كثر.
ويخلّف الانسان شاء أو أبى صورة من الصور تبقى بعده، وهنا يختلف الناس، فإذا كان جميع الناس يأتون إلى هذا الدنيا راغمين، وليس باختيارهم أصل مجيئهم ولا توقيته، ويذهبون مجبورين كذلك، ليس لهم من أمرهم شيء، ولا يملكون لأنفسهم في هذا نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.
إلا أن بإمكانهم أن يصنعوا الصور التي يريدونها، فبينما يرسم بعضهم صورة تقطر منها أطرافها دماء الضحايا، ويلونها عذاب الثواكل، ويعزف فيها أنين اليتامى، من أجل حطام دنيا زائل، أو مجد رئاسة آفل (يتطعمونها برهة ثم يلفظونها جملة)، حتى يسجل التاريخ في كتابه بعد ذلك صفحة تنطوي أيام لذتها بالنسبة لهم، وتبقى دهور لعنتها عليهم.
بينما يقوم هؤلاء بما عبر عنه بعضهم بقوله:
وكنت إذا حللت بدار قوم
رحلت بخزية وتركت عارا
يعيش البعض الآخر غافلا ساهيا سادرا (ما بين نثيله ومعتلفه) كما يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام ، حتى إذا اخذ نصيبه من الدنيا رحل عنها من غير أثر يذكر أو علم يؤثر، وهذا وإن
كان لا يقاس بسابقه لجهة أنه لم يؤذ أحدا، إلا أنه لم يستثمر حياته في ما خلق له. ووجوده في الحياة أشبه بلفظ المجاز الذي يستعمل في غير ما وضع له!
وهناك أناسٌ .. تجلى الله سبحانه وتعالى لهم حتى عبدوه حق عبادته، وعملوا له ما استطاعوا، وتجلى فيهم حتى كانوا مصداق قوله (فتبارك الله أحسن الخالقين).
أولئك الذين ملؤوا التاريخ مآثر والجغرافيا نورا وحكمة. فإذا فتحت بيت قرونهم فهم فيه الأنوار السواطع ليس في القرن السابع فحسب، بل يبقى عاطر ذكرهم، وعالي علمهم نافعا إلى سائر القرون.
في طليعة هذا الركب، مجددو القرون علما وفقها ومعرفة، حيث أن الله سبحانه وتعالى (يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها)، ومن ألمع أولئك شخصية كان العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر رضوان الله تعالى عليه. حيث أنه بشيء من التتبع يلاحظ الناظر المتأمل مقدار الأثر الذي تركه العلامة الحلي بعده، سواء على مستوى الدعوة إلى طريق أهل البيت عليهم السلام ، أو على مستوى الاستدلال والاستنباط الفقهي في ابتكاره لمناهج ظلت هي السائدة إلى يومنا هذا، أو على مستوى العطاء العلمي والفكري الباقي في كتبه الكثيرة ومؤلفاته كما سيأتي الحديث عنها.
في الحلة وهي مدينة تقع جنوب بغداد على بعد 100 كيلو منها كانت ولادة الحسن بن يوسف، في أسرة علمية، ورث منها حب العلم من طرفيه.
فوالده وأستاذه الأول هو الشيخ سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر، وهو العالم الجليل الذي أشار إليه المحقق الحلي صاحب الشرائع على أنه أعلم تلاميذه