وفي الفقه له أيضا فقه مجرد عن الدليل: مثل إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان (مجلدان) الذي بلغ الاهتمام به به أن له قرابة (51) شرحا وتعليقة، والرسالة السعدية وقد بدأها بالبحث الكلامي عن الله وصفاته والنبي المصطفى وميزاته ولزوم اتباع منهج أهل البيت عليهم السلام ، ثم ثنى بذكر مسائل الوضوء والصلاة، ثم فصل عن الأخلاقيات، وختمها بذكر العدل واجتناب الظلم، (حيث أن الكتاب ألف لأحد الحاكمين المسمى بخواجه سعد الدين).
وله أيضا: تبصرة المتعلمين، وهو كتاب فقهي كامل (من الطهارة إلى الديات) وقد حظي باهتمام كبير، بحيث كان محور الدراسة في الحوزات العلمية، إلى وقت قريب، ومحل شرح وتحشية العلماء عليه.
وله أيضا قواعد الأحكام في مسائل الحلال والحرام، ذكر فيه ما يقارب من (660) قاعدة في الفقه، وكتاب تحرير الأحكام الشرعية الذي يحتوي على قرابة أربعين ألف فرع فقهي، في استعراض من غير استدلال.وله كتاب نهاية الاحكام في معرفة الأحكام، يشتمل على كثير من الأبواب الفقهي، مع استدلال مختصر ومركز.
وأما كتبه الكلامية والعقدية:
ففي طليعتها: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، والأصل للفيلسوف الخواجة نصير الدين الطوسي، ويكفي الكتاب أصلا وشرحا من الفخر ما قاله العلامة القوشجي[1]من أنه لولا كشف المراد لما فهمنا مراد تجريد الاعتقاد. والكتاب يحتوي على قسمين، الأول في مباحث الحكمة العامة، والثاني في الحكمة
[1]علي بن محمد القوشجي، علاء الدين ت 879هـ: فلكي رياضي، من فقهاء الحنفية. أصله من سمرقند. كان أبوه من خدام الأمير «ألغ بك «ملك ما وراء النهر، يحفظ له البزاة وقرأ علي على الأمير ألغ بك - وكان ماهرا في العلوم الرياضية - ثم ذهب إلى بلاد كرمان فقرأ على علمائها، وصنف فيها «شرح التجريد - ط «للطوسي، وعاد. وكان ألغ بك قد بنى «رصدا «بسمرقند، ولم يكمل، فأكمله القوشجي. الأعلام - خير الدين الزركلي - ج 5 - ص 9
الخاصة بدءا بوجود الله تعالى، وقضايا النبوة والإمامة وسائر الاعتقادات.
وكتاب الألفين في إمامة أمير المؤمنين، رتبه على أساس ألف دليل على إمامة الامام علي عليه السلام ، وألف دليل في إبطال شبه الطاعنين فيها. ولم يكتمل.
ومنهاج الكرامة في معرفة الإمامة، وفيه بعد الحديث عن الاعتقاد بالله وصفاته، الحديث عن الامامة عموما وإمامة أمير المؤمنين وأهل البيت خصوصا، 1والاستدلال عليها.
ونهج الحق وكشف الصدق، وهو الذي كتبه واهداه للسلطان المغولي الشاه محمد خدابنده الذي تشيع على يد العلامة، فكتب له هذا الكتاب مفصلا في الاعتقادات، بدءا من مباحث التوحيد ثم النبوة والامامة والاستدلال من القرآن على إمامة أمير المؤمنين وأولاده، وختمه بأمهات المسائل الفقهية.
ومنتهى الوصول إلى علمي الكلام والأصول، وأسمه يدل على محتواه.
ومنهاج اليقين في أصول الدين. والباب الحادي عشر.
وفي علم الأصول:
له عدد من الكتب منها: نهاية الوصول في علم الأصول (4 مجلدات)، وتهذيب طرق الوصول إلى علم الأصول، ومبادئ الوصول إلى علم الأصول. وغيرها.
شهادات قيمة في دوره وأثره:
لا يعرف الفضل أحد أكثر من أهله، ولا يقيم العالمَ في بازار التقييم أحسن من خريت العلم والفقاهة، ولذا سوف نورد شهادتين فقط من عشرات الشهادات التي قيلت في حق العلامة، شهادتين من فقيهين عظيمين في المدرستين (مدرسة المحدثين ومدرسة المجتهدين)، الأولى للمحدث الفقيه الشيخ يوسف البحراني
الذي تأتي ترجمته حيث قال في حق العلامة: وكان هذا الشيخ وحيد عصره، وفريد دهره، الذي لم تكتحل حدقة الزمان له بمثل ولا نظير، كما لا يخفى على من أحاط خبرا بما بلغ إليه من عظم الشأن في هذه الطائفة ولا ينبئك مثل خبير.. وبالجملة فإنه بحر العلوم الذي لا يوجد له ساحل، وكعبة الفضائل التي تطوى إليها المراحل[1].
والأخرى: شهادة من السيد مهدي بحر العلوم -تأتي ترجمته- في حق العلامة حيث قال:علامة العالم وفخر نوع بني آدم، أعظم العلماء شأنا وأعلاهم برهانا. سحاب الفضل الهاطل وبحر العلم الذي ليس له ساحل، جمع من العلوم ما تفرق في جميع الناس، وأحاط من الفنون بما لا يحيط به القياس، مروج المذهب والشريعة في المائة السابعة، ورئيس علماء الشيعة من غير مدافعة، صنف في كل علم كتبا، وآتاه الله من كل شئ سببا، أما الفقه فهو أبو عذره وخواض بحره.. وأما الأصول والرجال فإليه فيهما تشد الرحال وبه تبلغ الآمال وهو ابن بجدتها ومالك أزمتها. أما المنطق والكلام فهو الشيخ الرئيس فيهما والإمام[2].
بين العلامة والشيخ البيضاوي
يعد الشيخ ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر البيضاوي الشيرازي المتوفى سنة 692هـ، من أعاظم علماء الشافعية، ومن أهم مفسري المسلمين، ومذ ألف كتابه (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) في تفسير القرآن والذي عرف بتفسير البيضاوي، فقد استقطب اهتمام علماء المدرستين، وذلك لما كان يتمتع به البيضاوي من دقة وذكاء وسعة تتبع. وقد ذكروا في شأنه أيضا أنه وجه رسالة يناقش فيها العلامة الحلي رحمة الله ، بعدما اطلع على قول العلامة في كتاب القواعد، (ولو تيقنهما - أي: الطهارة والحدث - متحدين متعاقبين وشك في المتأخر، فإن لم يعلم حاله قبل زمانهما تطهر وإلا استصحبه)، وبدأ في تلك الرسالة بقوله: يا مولانا جمال الدين
[1]لؤلؤة البحرين: 210
[2]الفوائد الرجالية 2. 25.
أدام الله فواضلك، أنت إمام المجتهدين في علم الإصول، وقد تقرر في الأصول مسألة إجماعية، هي: أن الاستصحاب حجة ما لم يظهر دليل على رفعه، ومعه لا يبقى حجة. بل يصير خلافه هو الحجة. إلى آخر ما ذكر في مناقشته لقول العلامة.
فكان أن أجابه العلامة بكتاب جاء فيه: وقفت على ما أفاده مولانا الإمام العالم أدام الله فضائله وأسبغ عليه فواضله، وتعجبت من صدور هذا الاعتراض عنه، فإن العبد ما استدل بالاستصحاب بل استدل بقياس مركب. إلى آخر ما ذكر في جوابه). ثم أنفذه إلى شيراز، ولما وقف القاضي البيضاوي على هذا الجواب استحسنه جدا وأثنى على العلامة[1].
وأنت ترى عزيزي القارئ مقدار الاحترام الذي يكنه كل من العلمين العالمين لصاحبه، بالرغم من اختلاف مدرستهما الفقهية والعقدية!
ولهذا يحق للمرء أن يعجب بهذه الأخلاقية العالية، ويتعجب في نفس الوقت من معاصر العلامة الآخر، الشيخ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية المتوفى سنة 728هـ، وأنه كيف كان يرد على العلامة بأبشع الألفاظ، وأقذع النعوت، كما جاء في كتاب (منهاج السنة)! فهو يبدأ في خطبة الكتاب مشنعا حتى على لقب المؤلف واسم جده (ابن المطهر) والمؤلف لا دخل له في اسم الجد، فقال ابن تيمية: كما أن من ادعى الطهارة وهو من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، بل من أهل الجبت والطاغوت والنفاق، كان وصفه بالنجاسة والتكدير أولى من وصفه بالتطهير ! أو عندما يريد المناقشة يقول: إن هذا المصنف الرافضي الخبيث الكذاب المفتري!!
وأنت تعلم عزيزي القارئ أن كلا ينفق من بضاعته!
[1]الحسون، فارس في مقدمة إرشاد الأذهان 1. 148.
صاحب العوالي
محمد بن علي بن ابراهيم بن أبي جمهور الأحسائي
ت 930هـ
أشرنا عند الحديث عن الشيخ ابراهيم بن سليمان القطيفي إلى حقيقة أن تاريخ العلماء والفقهاء في منطقة يكشف عن تجذر الفكر الديني في تلك المنطقة، ويبين أن وجود أتباع ذلك الفكر أو المذهب الديني في تلك المنطقة ليس طارئا ولا نتيجة ظرف سياسي، فإن بروز عالم في مستوى الاجتهاد والاستنباط الفقهي يشير إلى بيئة علمية تفاعل معها هذا العالم حتى وصل إلى هذه المرتبة، وتلك البيئة لا ريب أنها تحتاج إلى محضن اجتماعي يرعاها، وهو ما يشير إلى تاريخ الفكر أو المذهب في هذه المنطقة.
وهذا الأمر كما هو صادق في منطقة القطيف التي عرفت تاريخيا باسم (الخُط) أو حتى (البحرين) فإنه أيضا يصدق في مثل الأحساء[1]التي حمل عالمنا الفقيه المحدث والفيلسوف ابن أبي جمهور وهذا ما اشتهر به النسبة إليها.
وتشكل الفترة التي عاش فيها، فترة متميزة من حيث التطور العلمي في مناهج الاستدلال، بعد فترة المحقق والعلامة الحليين، فقد شهدت هذه الفترة بروز علماء كبار صنفوا وألفوا
[1]الأحساء جمع (حسي): الأرض الصخرية المغطاة بطبقة رملية تختزن مياه الأمطار. بحيث يمكن الحصول عليها نقية عذبة بحفر عمق بسيط جداً ولكثرة الاحسية في هذا الموقع عرفت المنطقة بالأحساء، وتتبع بحسب التقسيم الاداري المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، ويوجد فيها أكثرية من أتباع أهل البيت الإمامية كما تضم عددا كبيرا من الشافعية، وبقية المذاهب الأربعة.
الكثير من الكتب التي بقيت إلى مراحل متأخرة محل التعليق والمناقشة والبحث.
فقد برز فيها الشهيد الثاني، ووالد البهائي وابنه، والمحقق الكركي، والمحقق الأردبيلي، وغيرهم. ولا ريب أن بروز شخص بين هؤلاء الفحول يحتاج إلى قدرات استثنائية. وقد حصل ابن أبي جمهور على تلك القدرات فأصبح علَما يشار إليه، ونجما يهتدى به.
ذلك أنه بعدما طوى دراساته الأولية في بلده على يد والده سافر بعدها بمدة إلى العراق ليحضر درس الشيخ حسن الفتال الذي وإن لم يؤثر عنه كتب تُعرّف به إلا أن أخذ الأعاظم عنه خير معرف، ولا نعلم الفترة التي قضاها في العراق إلا أنه في سنة 877هـ عزم على الحج عن طريق الشام، وفي طريقه قصد الشيخ علي بن هلال الجزائري (في بلدة كرك نوح في لبنان) الذي يذكر بالإعظام ضمن أساتذة المحقق الكركي، والفاضل القطيفي، وبقي معه مدة قليلة استفاد منها كما قال مترجموه شيئا كثيرا.
بعد أن قضى حجه سافر إلى العراق من جديد ومنها إلى خراسان قاصدا زيارة الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، حيث نزل فيها عند السيد محسن الرضوي وفي هذا المنزل حصل بين الشيخ الأحسائي وبين الفاضل الهروي مناظرة عقدية سوف نشير إليها فيما بعد.
رؤية في النقاش العقدي والمناظرات:
المناظرات بين العلماء والاحتجاج من قبل كل فريق لرأيه والاستدلال عليه، وتفنيد رأي الخصم ليس شيئا جديدا، ولا يقتصر على جانب دون آخر، بل يشمل الأصول كما يشمل الفروع الفقهية، غير أن الذي يكتسب إثارة خاصة، وأهمية هو المناظرات في الأصول الاعتقادية نظرا لأنه يترتب عليها مع ثبوت أحد الجانبين
وتفنيد الجانب الآخر أن يكتشف صاحب هذا الجانب أن طريقه كان طريق مزلة، وعلى غير الجادة.
ونحن نشاهد في هذه الأيام انتشار البرامج الحوارية العقدية، والمناظرات بين أتباع المذاهب الإسلامية، وأصبحت القنوات الفضائية لتكتسب مشاهدين جددا تطعم برامجها بمثل هذه الحوارات، حتى تستفيد من متابعة أنصار كل مذهب ليرى نتيجة (المباراة)!
ومن الواضح للناظر الأضرار الكثيرة المترتبة على مثل هذه المناظرات، في أنها:
تشحن نفوس المسلمين: البعض منهم ضد البعض الآخر، فبينما هم يعيشون في تسالم اجتماعي وأحيانا انصهار اجتماعي، فإذا بهذه البرامج توقفهم على خط المواجهة، فهذا سني وذاك شيعي وعلى كل منهما أن يقف في وجه الآخر، وينتصر لمن يمثله على القناة. فلا يمكن والحال حال مواجهة قوية أن يبقى ذلك الصفاء والسلم في مكانه.
وقد لاحظنا بعض هذه البرامج كيف أن الناس يتركون ما بيدهم لكي يشاهدوا تلك البرامج طامعين أن ينكسر خصمهم وأن يمرغ أنفه في التراب، بما يذكر بصورة المراهقين الذين يشاهدون مباراة كرة القدم بين فريقهم المفضل والفريق المنافس له!
إن كثيرا مما يقوم به دعاة الوحدة بين المسلمين، والتقارب، أو التعايش الاجتماعي، ليذبح على منحر هذه البرامج. وإن أفضل هدية تقدم للمتطرفين في الأمة هي هذه البرامج.
تشوه صورة المذاهب: فتخرج هذه المذاهب لدى الجميع بصورة مشوهة مما
ينتج أثرا عكسيا في التمسك بالدين ككل. وذلك أن كلا المتناظرين لا يأتي بأفضل ما لدى خصمه، ولا بالحسن مما لديه، وإنما يركز على أسوأ ما لديه من عقائد وأحكام، مما يستنكره الطبع العام، ويستفز السامع. ويقوم الثاني بنفس الدور.
وهكذا يتلقى السامعون والمشاهدون أسوء ما في المذهبين أو المذاهي من أمور. وهي التي تبقى في الذاكرة أما الصور الجميلة التي قد يحملها كل من المذهبين فلا يكون لها محل من الالتفات.
لا تنتهي إلى الحق: وذلك أن كلا الطرفين ما دام على الملأ وتحسب عليه كلماته من قبل مناصريه ومخالفيه، يسعى إلى أن لا يقر بما يستفيد منه الطرف الآخر حتى لو كان التسليم به حقا. وإنما يكابر في ذلك ويسعى لكي يحرج مناظره ومخالفه. فكل منهما يريد إسقاط حجة مناظره ولذلك لا يستطيعان الوصول إلى الحق. بل إن معدي هذه البرامج عادة ما لا يريدون الوصول إلى نتيجة فإن ذلك يفسد حماس البرنامج وإثارته. فيبقون حريصين على أن يكون البرنامج صاخبا!
ولا تصل إلى الاتفاق: بل يخرج كل منهما من البرنامج وهو أبعد عن الطرف الآخر من وقت دخوله فيه. ولهذا رأينا مع كثرة هذه المناظرات والحوارات فإنها ليس فقط لم تقرب بين الأطراف، وإنما زادت الخرق شقا جديدا.
والصحيح من الحوار فيما نراه يكون في النقاط التالية:
بعد التسليم بأنه لا يمكن إلغاء المناظرات أو النقاشات العقدية، فإنه ينبغي أن تحصر بين العلماء المتخصصين في هذا الجانب ولا يصح أن يُشغل الناس بها فإن الأكثر ليس لديهم أدوات هذه المناظرات ولا معلوماتها، وأيضا حتى يتجنب تحول هذه النقاشات العقائدية إلى انفصال اجتماعي في وقت يعيش فيه أبناء المذاهب