بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 142

أدام الله فواضلك، أنت إمام المجتهدين في علم الإصول، وقد تقرر في الأصول مسألة إجماعية، هي: أن الاستصحاب حجة ما لم يظهر دليل على رفعه، ومعه لا يبقى حجة. بل يصير خلافه هو الحجة. إلى آخر ما ذكر في مناقشته لقول العلامة.

فكان أن أجابه العلامة بكتاب جاء فيه: وقفت على ما أفاده مولانا الإمام العالم أدام الله فضائله وأسبغ عليه فواضله، وتعجبت من صدور هذا الاعتراض عنه، فإن العبد ما استدل بالاستصحاب بل استدل بقياس مركب. إلى آخر ما ذكر في جوابه). ثم أنفذه إلى شيراز، ولما وقف القاضي البيضاوي على هذا الجواب استحسنه جدا وأثنى على العلامة[1].

وأنت ترى عزيزي القارئ مقدار الاحترام الذي يكنه كل من العلمين العالمين لصاحبه، بالرغم من اختلاف مدرستهما الفقهية والعقدية!

ولهذا يحق للمرء أن يعجب بهذه الأخلاقية العالية، ويتعجب في نفس الوقت من معاصر العلامة الآخر، الشيخ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية المتوفى سنة 728هـ، وأنه كيف كان يرد على العلامة بأبشع الألفاظ، وأقذع النعوت، كما جاء في كتاب (منهاج السنة)! فهو يبدأ في خطبة الكتاب مشنعا حتى على لقب المؤلف واسم جده (ابن المطهر) والمؤلف لا دخل له في اسم الجد، فقال ابن تيمية: كما أن من ادعى الطهارة وهو من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، بل من أهل الجبت والطاغوت والنفاق، كان وصفه بالنجاسة والتكدير أولى من وصفه بالتطهير ! أو عندما يريد المناقشة يقول: إن هذا المصنف الرافضي الخبيث الكذاب المفتري!!

وأنت تعلم عزيزي القارئ أن كلا ينفق من بضاعته!

[1]الحسون، فارس في مقدمة إرشاد الأذهان 1. 148.


صفحه 143

صاحب العوالي

محمد بن علي بن ابراهيم بن أبي جمهور الأحسائي

ت 930هـ

أشرنا عند الحديث عن الشيخ ابراهيم بن سليمان القطيفي إلى حقيقة أن تاريخ العلماء والفقهاء في منطقة يكشف عن تجذر الفكر الديني في تلك المنطقة، ويبين أن وجود أتباع ذلك الفكر أو المذهب الديني في تلك المنطقة ليس طارئا ولا نتيجة ظرف سياسي، فإن بروز عالم في مستوى الاجتهاد والاستنباط الفقهي يشير إلى بيئة علمية تفاعل معها هذا العالم حتى وصل إلى هذه المرتبة، وتلك البيئة لا ريب أنها تحتاج إلى محضن اجتماعي يرعاها، وهو ما يشير إلى تاريخ الفكر أو المذهب في هذه المنطقة.

وهذا الأمر كما هو صادق في منطقة القطيف التي عرفت تاريخيا باسم (الخُط) أو حتى (البحرين) فإنه أيضا يصدق في مثل الأحساء[1]التي حمل عالمنا الفقيه المحدث والفيلسوف ابن أبي جمهور وهذا ما اشتهر به النسبة إليها.

وتشكل الفترة التي عاش فيها، فترة متميزة من حيث التطور العلمي في مناهج الاستدلال، بعد فترة المحقق والعلامة الحليين، فقد شهدت هذه الفترة بروز علماء كبار صنفوا وألفوا

[1]الأحساء جمع (حسي): الأرض الصخرية المغطاة بطبقة رملية تختزن مياه الأمطار. بحيث يمكن الحصول عليها نقية عذبة بحفر عمق بسيط جداً ولكثرة الاحسية في هذا الموقع عرفت المنطقة بالأحساء، وتتبع بحسب التقسيم الاداري المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، ويوجد فيها أكثرية من أتباع أهل البيت الإمامية كما تضم عددا كبيرا من الشافعية، وبقية المذاهب الأربعة.


صفحه 144

الكثير من الكتب التي بقيت إلى مراحل متأخرة محل التعليق والمناقشة والبحث.

فقد برز فيها الشهيد الثاني، ووالد البهائي وابنه، والمحقق الكركي، والمحقق الأردبيلي، وغيرهم. ولا ريب أن بروز شخص بين هؤلاء الفحول يحتاج إلى قدرات استثنائية. وقد حصل ابن أبي جمهور على تلك القدرات فأصبح علَما يشار إليه، ونجما يهتدى به.

ذلك أنه بعدما طوى دراساته الأولية في بلده على يد والده سافر بعدها بمدة إلى العراق ليحضر درس الشيخ حسن الفتال الذي وإن لم يؤثر عنه كتب تُعرّف به إلا أن أخذ الأعاظم عنه خير معرف، ولا نعلم الفترة التي قضاها في العراق إلا أنه في سنة 877هـ عزم على الحج عن طريق الشام، وفي طريقه قصد الشيخ علي بن هلال الجزائري (في بلدة كرك نوح في لبنان) الذي يذكر بالإعظام ضمن أساتذة المحقق الكركي، والفاضل القطيفي، وبقي معه مدة قليلة استفاد منها كما قال مترجموه شيئا كثيرا.

بعد أن قضى حجه سافر إلى العراق من جديد ومنها إلى خراسان قاصدا زيارة الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، حيث نزل فيها عند السيد محسن الرضوي وفي هذا المنزل حصل بين الشيخ الأحسائي وبين الفاضل الهروي مناظرة عقدية سوف نشير إليها فيما بعد.

رؤية في النقاش العقدي والمناظرات:

المناظرات بين العلماء والاحتجاج من قبل كل فريق لرأيه والاستدلال عليه، وتفنيد رأي الخصم ليس شيئا جديدا، ولا يقتصر على جانب دون آخر، بل يشمل الأصول كما يشمل الفروع الفقهية، غير أن الذي يكتسب إثارة خاصة، وأهمية هو المناظرات في الأصول الاعتقادية نظرا لأنه يترتب عليها مع ثبوت أحد الجانبين


صفحه 145

وتفنيد الجانب الآخر أن يكتشف صاحب هذا الجانب أن طريقه كان طريق مزلة، وعلى غير الجادة.

ونحن نشاهد في هذه الأيام انتشار البرامج الحوارية العقدية، والمناظرات بين أتباع المذاهب الإسلامية، وأصبحت القنوات الفضائية لتكتسب مشاهدين جددا تطعم برامجها بمثل هذه الحوارات، حتى تستفيد من متابعة أنصار كل مذهب ليرى نتيجة (المباراة)!

ومن الواضح للناظر الأضرار الكثيرة المترتبة على مثل هذه المناظرات، في أنها:

تشحن نفوس المسلمين: البعض منهم ضد البعض الآخر، فبينما هم يعيشون في تسالم اجتماعي وأحيانا انصهار اجتماعي، فإذا بهذه البرامج توقفهم على خط المواجهة، فهذا سني وذاك شيعي وعلى كل منهما أن يقف في وجه الآخر، وينتصر لمن يمثله على القناة. فلا يمكن والحال حال مواجهة قوية أن يبقى ذلك الصفاء والسلم في مكانه.

وقد لاحظنا بعض هذه البرامج كيف أن الناس يتركون ما بيدهم لكي يشاهدوا تلك البرامج طامعين أن ينكسر خصمهم وأن يمرغ أنفه في التراب، بما يذكر بصورة المراهقين الذين يشاهدون مباراة كرة القدم بين فريقهم المفضل والفريق المنافس له!

إن كثيرا مما يقوم به دعاة الوحدة بين المسلمين، والتقارب، أو التعايش الاجتماعي، ليذبح على منحر هذه البرامج. وإن أفضل هدية تقدم للمتطرفين في الأمة هي هذه البرامج.

تشوه صورة المذاهب: فتخرج هذه المذاهب لدى الجميع بصورة مشوهة مما


صفحه 146

ينتج أثرا عكسيا في التمسك بالدين ككل. وذلك أن كلا المتناظرين لا يأتي بأفضل ما لدى خصمه، ولا بالحسن مما لديه، وإنما يركز على أسوأ ما لديه من عقائد وأحكام، مما يستنكره الطبع العام، ويستفز السامع. ويقوم الثاني بنفس الدور.

وهكذا يتلقى السامعون والمشاهدون أسوء ما في المذهبين أو المذاهي من أمور. وهي التي تبقى في الذاكرة أما الصور الجميلة التي قد يحملها كل من المذهبين فلا يكون لها محل من الالتفات.

لا تنتهي إلى الحق: وذلك أن كلا الطرفين ما دام على الملأ وتحسب عليه كلماته من قبل مناصريه ومخالفيه، يسعى إلى أن لا يقر بما يستفيد منه الطرف الآخر حتى لو كان التسليم به حقا. وإنما يكابر في ذلك ويسعى لكي يحرج مناظره ومخالفه. فكل منهما يريد إسقاط حجة مناظره ولذلك لا يستطيعان الوصول إلى الحق. بل إن معدي هذه البرامج عادة ما لا يريدون الوصول إلى نتيجة فإن ذلك يفسد حماس البرنامج وإثارته. فيبقون حريصين على أن يكون البرنامج صاخبا!

ولا تصل إلى الاتفاق: بل يخرج كل منهما من البرنامج وهو أبعد عن الطرف الآخر من وقت دخوله فيه. ولهذا رأينا مع كثرة هذه المناظرات والحوارات فإنها ليس فقط لم تقرب بين الأطراف، وإنما زادت الخرق شقا جديدا.

والصحيح من الحوار فيما نراه يكون في النقاط التالية:

بعد التسليم بأنه لا يمكن إلغاء المناظرات أو النقاشات العقدية، فإنه ينبغي أن تحصر بين العلماء المتخصصين في هذا الجانب ولا يصح أن يُشغل الناس بها فإن الأكثر ليس لديهم أدوات هذه المناظرات ولا معلوماتها، وأيضا حتى يتجنب تحول هذه النقاشات العقائدية إلى انفصال اجتماعي في وقت يعيش فيه أبناء المذاهب


صفحه 147

في مجتمعات مختلطة، في المدرسة والعمل والحي السكني.

وربما يكون لهذا الغرض نهى الامام جعفر الصادق عليه السلام عن الكلام في أيامه إلا للمختصين فقد أثر عنه كثيرا (كفّوا عن الكلام) وقد استثنى عددا من أصحابه من هذا النهي[1].

والابتعاد بهذه المناظرات عن الاعلام كفيل بالوصول إلى نتائج، فإن سطوة الأنصار والمشجعين مما لا ينكر أثرها في تصلب كل طرف على مواقفه، وعدم قبوله بالحق من الطرف الآخر. كما أن الابتعاد هذا يجعل الطرف (المنهزم) أقرب إلى تقبل نتيجة انتصار خصمه عليه على الأقل في هذه الجولة! بخلاف ما لو كان على الملأ وأمام أنصاره.

كما ينبغي أيضا تحديد أهداف النقاش والحوار فالإنسان لا يملك غير مدة محدودة من العمر لا تفي بأن يتحاور في كل شيء ولأجل كل شيء، فلا بد أن ينتخب من الحوارات ما يحقق أغراضا صحيحة. ومطلوبة. وفي الحوار المذهبي، والديني نعتقد أن هناك ثلاثة أهداف أساسية:

الحوار للتعارف:

فإن الناس أعداء ما جهلوا عادة، ويوفر الحوار الهادف إمكانية في التعرف على ما يقوله الطرف الآخر، فبغض النظر عن أننا نقبل ما يقول أو لا نقبل، ينبغي أن نعرفه كما يصف نفسه. إن مرحلة المعرفة للشخص أو الفكر هي قبل مرحلة القبول أو الرفض.

(فكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم).

إن من المشاكل القائمة بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين غيرهم. ما يكون

[1]آل سيف، فوزي: بناء القادة في منهج أهل البيت.


صفحه 148

منشؤه عدم المعرفة، وفائدة الحوار أنه يمهد الطريق للتعارف.

الحوار للتعايش الاجتماعي:

تتجاور المذاهب في بلاد المسلمين، والأديان في العالم، ولا سبيل أمام هؤلاء، لتنمية البلدان وعمرانها، ولا للعيش الرغيد في هذه الدنيا، بل (لمطلق العيش) غير التعايش، فإن البديل عنه هو الاحتراب، وفيه هلاك الدارين.

الحوار يعرف كل طرف الطرف الثاني، فيجعله أقدر على صناعة علاقة متوازنة معه.

الحوار للوصول إلى نقاط الاشتراك:

نقاط الاختلاف بين الأفراد، وبين المذاهب وبين الأديان لا تنتهي. فلو أراد شخص أن يحصر ما بينه وبين زيد من نقاط الاختلاف لانتهى عمره قبل أن ينتهي من الحصر، لكن نقاط الاشتراك بين الأفراد وبين المذاهب والأديان محصورة ويمكن البناء عليها. لقد وجدنا القرآن الكريم يبني العلاقة بين المسلمين وبين أهل الكتاب على (كلمة سواء) }قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}[1].

إن التركيز على نقاط الخلاف، وإبراز أوجه الفرق والتمايز، عمل لا ينتهي إلى نتيجة غير مزيد من الانفصال الذي هو واقع أصلا.

بعد هذه المقدمة، نشير إلى أن المناظرة التي حصلت بين ابن أبي جمهور الأحسائي وبين الفاضل الهروي، كانت في هذه الأطر السابقة من محاولة التعرف على رأي الطرف المقابل والوصول إلى تحديد نقاط الاختلاف والاشتراك.

[1]سورة آل عمران: 64.


صفحه 149

وقد نقل الميرزا الخوانساري في روضات الجنات عن رسالة المناظرة التي دونها ابن أبي جمهور ذاكرا فيها ما وقع بينه وبين الفاضل الهروي في مجالس ثلاثة المجلس الأول للمناظرة

وكان في منزل السيد يوم الضيافة بحضرة الطلبة والأشراف، فكان أول ما تكلم به بعد التهنئة أن قال: يا شيخ ما اسمك؟

قلت: محمد.

فقال: من أي بلاد العرب؟

فقلت: من بلاد الهجر المشهور بالأحساء أهل العلم والدين.

فقال: أي شيء مذهبك؟

فقلت: سألتني عن الأصول أو الفروع؟

فقال: عن كليهما!

فقلت: أما مذهبي في الأصول فما قام لي الدليل عليه، وأما في الفروع فلي فقه منسوب إلى أهل البيت عليهم السلام .

فقال: أراك إمامي المذهب؟

فقلت: نعم، أنا إمامي المذهب فما تقول؟

فقال: إن الإمامي يقول: إن علي بن أبي طالب عليه السلام إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل.

فقلت: نعم، وأنا أقول ذلك.