بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 145

وتفنيد الجانب الآخر أن يكتشف صاحب هذا الجانب أن طريقه كان طريق مزلة، وعلى غير الجادة.

ونحن نشاهد في هذه الأيام انتشار البرامج الحوارية العقدية، والمناظرات بين أتباع المذاهب الإسلامية، وأصبحت القنوات الفضائية لتكتسب مشاهدين جددا تطعم برامجها بمثل هذه الحوارات، حتى تستفيد من متابعة أنصار كل مذهب ليرى نتيجة (المباراة)!

ومن الواضح للناظر الأضرار الكثيرة المترتبة على مثل هذه المناظرات، في أنها:

تشحن نفوس المسلمين: البعض منهم ضد البعض الآخر، فبينما هم يعيشون في تسالم اجتماعي وأحيانا انصهار اجتماعي، فإذا بهذه البرامج توقفهم على خط المواجهة، فهذا سني وذاك شيعي وعلى كل منهما أن يقف في وجه الآخر، وينتصر لمن يمثله على القناة. فلا يمكن والحال حال مواجهة قوية أن يبقى ذلك الصفاء والسلم في مكانه.

وقد لاحظنا بعض هذه البرامج كيف أن الناس يتركون ما بيدهم لكي يشاهدوا تلك البرامج طامعين أن ينكسر خصمهم وأن يمرغ أنفه في التراب، بما يذكر بصورة المراهقين الذين يشاهدون مباراة كرة القدم بين فريقهم المفضل والفريق المنافس له!

إن كثيرا مما يقوم به دعاة الوحدة بين المسلمين، والتقارب، أو التعايش الاجتماعي، ليذبح على منحر هذه البرامج. وإن أفضل هدية تقدم للمتطرفين في الأمة هي هذه البرامج.

تشوه صورة المذاهب: فتخرج هذه المذاهب لدى الجميع بصورة مشوهة مما


صفحه 146

ينتج أثرا عكسيا في التمسك بالدين ككل. وذلك أن كلا المتناظرين لا يأتي بأفضل ما لدى خصمه، ولا بالحسن مما لديه، وإنما يركز على أسوأ ما لديه من عقائد وأحكام، مما يستنكره الطبع العام، ويستفز السامع. ويقوم الثاني بنفس الدور.

وهكذا يتلقى السامعون والمشاهدون أسوء ما في المذهبين أو المذاهي من أمور. وهي التي تبقى في الذاكرة أما الصور الجميلة التي قد يحملها كل من المذهبين فلا يكون لها محل من الالتفات.

لا تنتهي إلى الحق: وذلك أن كلا الطرفين ما دام على الملأ وتحسب عليه كلماته من قبل مناصريه ومخالفيه، يسعى إلى أن لا يقر بما يستفيد منه الطرف الآخر حتى لو كان التسليم به حقا. وإنما يكابر في ذلك ويسعى لكي يحرج مناظره ومخالفه. فكل منهما يريد إسقاط حجة مناظره ولذلك لا يستطيعان الوصول إلى الحق. بل إن معدي هذه البرامج عادة ما لا يريدون الوصول إلى نتيجة فإن ذلك يفسد حماس البرنامج وإثارته. فيبقون حريصين على أن يكون البرنامج صاخبا!

ولا تصل إلى الاتفاق: بل يخرج كل منهما من البرنامج وهو أبعد عن الطرف الآخر من وقت دخوله فيه. ولهذا رأينا مع كثرة هذه المناظرات والحوارات فإنها ليس فقط لم تقرب بين الأطراف، وإنما زادت الخرق شقا جديدا.

والصحيح من الحوار فيما نراه يكون في النقاط التالية:

بعد التسليم بأنه لا يمكن إلغاء المناظرات أو النقاشات العقدية، فإنه ينبغي أن تحصر بين العلماء المتخصصين في هذا الجانب ولا يصح أن يُشغل الناس بها فإن الأكثر ليس لديهم أدوات هذه المناظرات ولا معلوماتها، وأيضا حتى يتجنب تحول هذه النقاشات العقائدية إلى انفصال اجتماعي في وقت يعيش فيه أبناء المذاهب


صفحه 147

في مجتمعات مختلطة، في المدرسة والعمل والحي السكني.

وربما يكون لهذا الغرض نهى الامام جعفر الصادق عليه السلام عن الكلام في أيامه إلا للمختصين فقد أثر عنه كثيرا (كفّوا عن الكلام) وقد استثنى عددا من أصحابه من هذا النهي[1].

والابتعاد بهذه المناظرات عن الاعلام كفيل بالوصول إلى نتائج، فإن سطوة الأنصار والمشجعين مما لا ينكر أثرها في تصلب كل طرف على مواقفه، وعدم قبوله بالحق من الطرف الآخر. كما أن الابتعاد هذا يجعل الطرف (المنهزم) أقرب إلى تقبل نتيجة انتصار خصمه عليه على الأقل في هذه الجولة! بخلاف ما لو كان على الملأ وأمام أنصاره.

كما ينبغي أيضا تحديد أهداف النقاش والحوار فالإنسان لا يملك غير مدة محدودة من العمر لا تفي بأن يتحاور في كل شيء ولأجل كل شيء، فلا بد أن ينتخب من الحوارات ما يحقق أغراضا صحيحة. ومطلوبة. وفي الحوار المذهبي، والديني نعتقد أن هناك ثلاثة أهداف أساسية:

الحوار للتعارف:

فإن الناس أعداء ما جهلوا عادة، ويوفر الحوار الهادف إمكانية في التعرف على ما يقوله الطرف الآخر، فبغض النظر عن أننا نقبل ما يقول أو لا نقبل، ينبغي أن نعرفه كما يصف نفسه. إن مرحلة المعرفة للشخص أو الفكر هي قبل مرحلة القبول أو الرفض.

(فكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم).

إن من المشاكل القائمة بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين غيرهم. ما يكون

[1]آل سيف، فوزي: بناء القادة في منهج أهل البيت.


صفحه 148

منشؤه عدم المعرفة، وفائدة الحوار أنه يمهد الطريق للتعارف.

الحوار للتعايش الاجتماعي:

تتجاور المذاهب في بلاد المسلمين، والأديان في العالم، ولا سبيل أمام هؤلاء، لتنمية البلدان وعمرانها، ولا للعيش الرغيد في هذه الدنيا، بل (لمطلق العيش) غير التعايش، فإن البديل عنه هو الاحتراب، وفيه هلاك الدارين.

الحوار يعرف كل طرف الطرف الثاني، فيجعله أقدر على صناعة علاقة متوازنة معه.

الحوار للوصول إلى نقاط الاشتراك:

نقاط الاختلاف بين الأفراد، وبين المذاهب وبين الأديان لا تنتهي. فلو أراد شخص أن يحصر ما بينه وبين زيد من نقاط الاختلاف لانتهى عمره قبل أن ينتهي من الحصر، لكن نقاط الاشتراك بين الأفراد وبين المذاهب والأديان محصورة ويمكن البناء عليها. لقد وجدنا القرآن الكريم يبني العلاقة بين المسلمين وبين أهل الكتاب على (كلمة سواء) }قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}[1].

إن التركيز على نقاط الخلاف، وإبراز أوجه الفرق والتمايز، عمل لا ينتهي إلى نتيجة غير مزيد من الانفصال الذي هو واقع أصلا.

بعد هذه المقدمة، نشير إلى أن المناظرة التي حصلت بين ابن أبي جمهور الأحسائي وبين الفاضل الهروي، كانت في هذه الأطر السابقة من محاولة التعرف على رأي الطرف المقابل والوصول إلى تحديد نقاط الاختلاف والاشتراك.

[1]سورة آل عمران: 64.


صفحه 149

وقد نقل الميرزا الخوانساري في روضات الجنات عن رسالة المناظرة التي دونها ابن أبي جمهور ذاكرا فيها ما وقع بينه وبين الفاضل الهروي في مجالس ثلاثة المجلس الأول للمناظرة

وكان في منزل السيد يوم الضيافة بحضرة الطلبة والأشراف، فكان أول ما تكلم به بعد التهنئة أن قال: يا شيخ ما اسمك؟

قلت: محمد.

فقال: من أي بلاد العرب؟

فقلت: من بلاد الهجر المشهور بالأحساء أهل العلم والدين.

فقال: أي شيء مذهبك؟

فقلت: سألتني عن الأصول أو الفروع؟

فقال: عن كليهما!

فقلت: أما مذهبي في الأصول فما قام لي الدليل عليه، وأما في الفروع فلي فقه منسوب إلى أهل البيت عليهم السلام .

فقال: أراك إمامي المذهب؟

فقلت: نعم، أنا إمامي المذهب فما تقول؟

فقال: إن الإمامي يقول: إن علي بن أبي طالب عليه السلام إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل.

فقلت: نعم، وأنا أقول ذلك.


صفحه 150

فقال: أقم الدليل على دعواك.

فقلت: لا أحتاج إلى إقامة الدليل على هذا المدعى.

فقال: لم؟

قلت: لأنك لا تنكر إمامة علي بن أبي طالب أصلا، بل أنا وأنت متفقان على أنه إمام بعد رسول الله، ولكن أنت تدعي الواسطة بينه وبين الرسول، وأنا أنفي الواسطة، فأنا وأنت مثبت فإقامة الدليل عليك، اللهم إلا أن تنكر إمامة علي أصلا وتقول إنه ليس بإمام أصلا ورأسا فتخرق الاجماع، فيلزمني حينئذ إقامة الدليل عليك.

فقال: أعوذ بالله ما أنكر إمامته ولكن أقول إنه الرابع بعد الثلاثة.

فقلت: إذا أنت تحتاج إلى إقامة الدليل على دعواك لأني لا أوافقك على إثبات هذه الوسائط. فضحك الحاضرون من الأشراف والطلبة، وقالوا: إن العربي لمصيب والحق أحق بالاتباع، إنك مدعي وهو منكر، والمنكر لا يحتاج في إثبات دعواه إلى البينة.

فلما ألزمته قال: الدلائل على مدعاي كثيرة.

فقلت: أريد واحدة منها لا غير.

فقال: الاجماع من الأمة على إمامة أبي بكر بعد الرسول بلا فصل، وأنت لا تنكر حجية الاجماع.

فقلت: نعم أنا لا أنكر حجية الاجماع، ولكن أقول: ما تريد فيه، لأن بالإجماع الاجماع من كثرة القائل بذلك في هذا الوقت، أو الاجماع الحاصل من أهل الحل والعقد يوم موت الرسول؟ إن أردت الأول فلا حجية فيه، لأن المخالف موجود،


صفحه 151

والكثرة لا حجة فيه بنص القرآن، لأنه يقول:{وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}ولم تزل الكثرة مذمومة من كل الأمور حتى في القتال قال الله تعالى:{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}[1].

وإن أردت الثاني فلإثباته طريقان: طريق على مذهبي ولا يلزمك، وهي أن الاجماع عندنا إنما يكون حجة مع دخول المعصوم.. إلى أن قال: وطريق على مذهبك وهي أن الاجماع هو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله عليه وآله على أمر من الأمور. وهذا المعنى لم يحصل لأبي بكر يوم السقيفة، بل كان فضلاء الأصحاب وزهادهم وعلماؤهم وذو الأقدار منهم وأهل الحل والعقد غيبا لم يحضروا معهم السقيفة بالاتفاق، كعلي وابنيه، والعباس وابنه عبد الله، والزبير، والمقداد، وعمار، وأبو ذر، وسلمان، وجماعة من بني هاشم وغيرهم من الصحابة كانوا مشتغلين بتجهيز النبي صلى الله عليه وآله ، فرأى الأنصار فرصة باشتغال بني هاشم فاجتمعوا إلى سقيفة بني ساعدة لإصابة الرأي[2]. إلى آخر تلك المناظرة.

وكان هذا الذي أوردناه نموذجا للمناظرة الهادفة إلى التعريف بما عليه المناظر، وبيان أدلته ما يتفق معه وما يختلف وتحريه للحق بحسب ما يرى.

تأسيس بنية الاتفاق الفقهي:

من الخطوات المهمة جدا والتي قام بها الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي رحمة الله ، هي تقريب التراث الفقهي النبوي إلى ساحة الاستدلال في الفقه الامامي، فهو رحمة الله قد ألف كتاب (عوالي اللئالي العزيزية)، وهو قد حقق بهذا عدة أهداف:

[1]سورة البقرة: من الآية 249.

[2]روضات الجنات 7/29.


صفحه 152

الأول اجتماعي

وهو ما أشار إليه رحمة الله في مقدمة العوالي، من أن البعض يتصور أن علماء الطائفة ومحدثيها فقراء في روايتهم الأحاديث عن رسول الله مباشرة، وأنه ليس لديهم إلا ما هو عن الأئمة المعصومين، وقد عد مخالفوهم أن اهتمامهم بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله ميزة لهم على علماء الطائفة، و «صار عوام أهل هذه الطائفة وأبناء هذه الحجة الأنيقة، كالأيتام الذين لا كافل لهم ولا موصل يوصلهم إلى حقايق أسلافهم، حتى ظن كثير منهم، أنه ليس لأصحابنا من الأحاديث مثل ما لخصومهم، وانهم قطعوا التعلق والعلاقة بينهم وبين الأحاديث الواردة عن سيد البشر، وامام المحشر، النبي المطهر، وليس الامر كما ظن اخوان الجهل والغرور. فحداني ذلك، وحثني على وضع هذا الكتاب: تذكرة لأولي البصائر من الاخوان، وانقاذ الأيتام، عوام الطائفة من عماية الجهل الحاصل لهم بمخالطة أهل الزيغ والبهتان»[1].

الثاني: جدلي إلزامي

فإنه لاحظ أن لدى علماء الطائفة مسائل كثيرة عقدية وفقهية انفردوا بها واستدلوا عليها بأقوال الأئمة الطاهرين، مع أن لهم سندا فيها من أقوال الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله ، وهو لا ريب أبلغ في إلزام الخصوم من أقوال الأئمة الأطهار عليهم السلام ، مثل أن ترك الصيام في السفر هو على نحو العزيمة لا الرخصة، وأن الغسل يجب على الرجل والمرأة بمجرد المواقعة والادخال حتى لو لم يحصل إنزال خلافا لمن قال من الصحابة أن الغسل مشروط بإنزال المني لأن الماء من الماء! بينما صريح الحديث النبوي: إذا التقى ختانه وختانها وجب الغسل أنزل أو لم ينزل! وأن النبي قد جمع بين الصلاتين من غير عذر ولا في سفر.

[1]الأحسائي، ابن أبي جمهور: عوالي اللئالي 1. 16.