جر إلى تأليف رسالة فقهية، من قبل المحقق الكركي، يستدل فيها على جواز ذلك، ورد عليه الفاضل القطيفي برسالة ينقض فيها أدلته، ودخلت المسألة بشكل واضح إلى البحث الفقهي، بحيث انتصر المحقق الأردبيلي فيما بعد للفاضل القطيفي، وانتصر بعض معاصريه كالشيخ ماجد بن فلاح الشيباني للكركي. وهكذا.
ففي رسالة (قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج)[1]افتتح المحقق الكركي المسألة بتصويرها هكذا: «لم نجد بدا من التعلق بالغربة لدفع الأمور الضرورية من لوازم متممات المعيشة، مقتفين في ذلك الأمر جمع كثير من العلماء، وجم غفير من الكبراء الأتقياء، اعتمادا على ما ثبت بطريق أهل البيت عليهم السلام : من أن أرض العراق ونحوها مما فتح عنوة بالسيف لا يملكها مالك مخصوص، بل هي للمسلمين قاطبة، يؤخذ منها الخراج والمقاسمة، ويصرف في مصارفه التي بها رواج الدين بأمر إمام الحق من أهل البيت عليهم السلام كما وقع في أيام أمير المؤمنين عليهم السلام .
وفي حال غيبتهم عليهم السلام قد أذن أئمتنا عليهم السلام لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور كما سنذكره مفصلا، فلذلك تداوله العلماء الماضون والسلف الصالحون غير مستنكر ولا مستهجن. وفي زماننا حيث استولى الجهل على أكثر أهل العصر، واندرس بينهم معظم الأحكام، وخفيت مواقع الحلال والحرام، وهدرت شقاشق الجاهلين، وكثرت جرأتهم على أهل الدين، استخرت الله وكتبت في تحقيق هذه المسألة رسالة على وجه بديع، تذعن له قلوب العلماء ولا تمجه أسماع الفضلاء. واعتمدت في ذلك أن أبين عن هذه المسألة التي أفل بدرها، وجهل قدرها، غيرة على عقائل المسائل، لا حرصا على حطام هذا العاجل، ولا تفاديا من تعريض
[1]يقسم العلماء في هذا الموضوع الأرض إلى أقسام: منها ما فتح صلحا ومنها ما فتح عنوة أي بقوة السلاح، والثانية أي المفتوحة عنوة تكون ملكا لجميع المسلمين لا لمالك خاص، بل ولا لجيل خاص منهم، ويستطيع المسلمون أن يزرعوها أو يعمروها في مقابل خراج (أشبه بالضريبة في هذه الأزمنة يدفعها الزارع لإمام المسلمين، وهذا في زمان الحضور لا كلام فيه، ولكن الأمر في زمان الغيبة فهل يمكن للسلطة الزمنية أن تأخذ الخراج من هؤلاء الناس ليصرف في مصالح المسلمين، وهل يمكن للفقيه أن يتعامل مع هذه السلطة الزمنية ويقبل منها؟ أو أن أخذ هذا الخراج غير جائز؟.
جاهل. فإن بموالينا أهل البيت عليهم السلام أعظم أسوة وأكمل قدوة، فقد قال الناس فيهم الأقاويل، ونسبوا إليهم الأباطيل، وبملاحظة لو كان المؤمن في جحر ضب يبرد كل غليل. وكان تاريخ فراغه منها في سنة 916هـ.
وبعد هذا التاريخ بثمان سنوات! قام الفاضل القطيفي بكتابة رسالة رد فيها على المحقق الكركي، وانتهى فيها إلى حرمة ذلك وعدم جوازه وسماها (السراج الوهاج لدفع لجاج قاطعة اللجاج). وتحتوي هذه الرسالة على مقدمات في حرمة كتمان العلم وفي لزوم اجتناب الفقهاء للسلطان وفي أن الفقهاء هم أفضل الناس بعد المعصومين إذا لزموا التورع، وفي أن الحيل الشرعية منها ما هو جائز ومنها ما هو غير جائز. ثم شرع في الرد على ما تقدم من المحقق الكركي جملة جملة بأدلته.
3. واختلفا أيضا في مسألة إقامة صلاة الجمعة في زمان الغيبة، فبينما ذهب المحقق الكركي إلى وجوبها ولزوم إقامتها مع وجود الفقيه[1]، ذهب الشيخ ابراهيم القطيفي إلى حرمتها وعدم جواز إقامتها، لأن من شروطها وجود الامام المعصوم.
4. وأيضا اختلفا في مسألة السجود على التراب المطبوخ بالنار. ففيما ذهب الكركي إلى الجواز رأى الفاضل القطيفي عدم الجواز وألف رسالة في هذا المعنى يناقشه فيها.
كما أن الموقف العام من التعاون مع الدولة الصفوية كان محل خلاف بين الفقيهين، فبينما كان المحقق الكركي يستلم هدايا السلاطين الصفويين كما تقدم، وانتهي به الأمر إلى أن انتقل فيما بعد أيام السلطان طهماسب إلى إيران وتولى الكثير من الأمور حتى صارت مشيخة الإسلام بيده، وتعيين القضاة يتم تحت
[1]جامع المقاصد 2. 380 ورسالته الخاصة بصلاة الجمعة.
سلطته، مكث فيها إلى أن توفي سنة 945هـ. بينما كان موقف الفاضل القطيفي متحفظا تجاه التعاون مع السلطة الصفوية ولم يقبل البقاء هناك بعد أن زارها.
هذا كله بالرغم من أنهما كانا شريكي درس واحد كما يرى بعض الباحثين لأستاذهما الشيخ علي بن هلال الجزائري.
باقي كتبه:
الهادي إلى سبيل الرشاد في شرح الاِرشاد.
نفحات الفوائد ومفردات الزوائد.
رسالة في أحكام الرضاع.
رسالة في محرّمات الذبيحة.
رسالة في الصوم نقل عنها الاَردبيلي في «مجمع الفائدة».
رسالة في أحكام الشكوك.
شرح الألفية للشهيد والأصل رسالة فيها ألف حكم من أحكام الصلاة.
تعليقات على الشرائع.
تحقيق الفرقة الناجية.
رسالة في حرمة صلاة الجمعة في زمان الغيبة.
شرح الأسماء الحسنى.
الرسالة الرضاعية في عموم التنزيل.
الرسالة الحائرية في تحقيق المسألة السفرية.
شرح للمختصر النافع.
وقد أقام مجاورا قبر أمير المؤمنين عليه السلام طيلة حياته في النحف، مرتقيا مدارج العلم والعمل، حتى لقد قيل إنه حظي بلقاء الامام الحجة المنتظر، كما ذكر ذلك المحدث البحراني في لؤلؤة البحرين فقال: وقد رأيت بخط بعض الفضلاء أنه حكى عن بعض أهل البحرين في حق الشيخ هذا - قدس سره ان هذا الشيخ قد دخل عليه الإمام الحجة عليه السلام في صورة رجل يعرفه الشيخ، فسأله: أي الآيات من القرآن في المواعظ أعظم؟ فقال الشيخ:{إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[1]فقال عليه السلام : صدقت يا شيخ ثم خرج فسأل أهل البيت خرج فلان فقالوا ما رأينا أحدا داخلا ولا خارجا.
رحمه الله وأحسن في الجنة مثواه.
[1]سورة فصلت: 40.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
ثاني الشهيدين
الشيخ زين الدين بن علي الجبعي العاملي
911هـ 966هـ
في تاريخ علماء الإمامية عندما يطلق لقب الشهيد ينصرف إلى الشيخ محمد بن مكي العاملي (768هـ) وإذا أضيف إليه وصف الثاني انصرف إلى الشيخ زين الدين بن علي الجبعي العاملي (966هـ).
وبالرغم من أن الشهادة قتلا ليست شيئا نادرا في تاريخ الإمامية وعلمائهم، بل كان القتل على يد الظالمين والطواغيت لكثير منهم عادة، وكانت كرامتهم كأئمتهم من الله الشهادة.
إلا أنه قد عرف الشهيدان بهذه الصفة، دون غيرهما إما بسبب طريقة القتل المفجعة التي حصلت لهما ولأسباب تغدو تافهة فذهب دمهما الزكي هدرا ثمنا لأهواء نفسية وأحقاد شخصية، أو لمقامهما العلمي الشامخ الذي كان في زمانهما لا يبارى، بل في لاحق الأزمنة كما يرى بعض[1].
فالشهيد الأول راح ضحية حسد وغل نفسي من بعض حملة العلم. وبالرغم من أن العلاقة التي ينبغي أن تسود بين العلماء هي علاقة التواصل والاستفادة وفهم مذهب الآخر ودليله، وهو الأمر الذي طبقه أول الشهيدين عندما أخذ العلم من كثير من علماء المسلمين الذين لم يكونوا يتفقون معه في المذهب.
[1]يظهر هذا من استعراض كلمات من ترجم حياة الشهيدين، فقد وصف الأول بعضهم بأنه أفقه جميع فقهاء الآفاق، وبعضهم قيده بأنه بعد المحقق أفقه الفقهاء، بينما رأى آخرون متأخرون بأن أفقه فقهاء الشيعة هو ثاني الشهيدين.
إلا أن الأحقاد الشخصية والمنافسة غير الشريفة أحيانا تؤدي إلى سفك دماء طاهرة. وهذا ما حصل لأول الشهيدين كما يذكره الحر العاملي في كتابه أمل الآمل، ونحن ننقل ما يتعلق بشهادته منه، قال:
وكانت وفاته سنة 786هـ، اليوم التاسع من جمادي الأولى، قتل بالسيف ثم صلب ثم رجم ثم أحرق ] بدمشق في دولة بيبرس وسلطنة برقوق بفتوى القاضي برهان الدين المالكي وعباد بن جماعة الشافعي بعد ما حبس سنة كاملة في قلعة الشام..وكان سبب حبسه وقتله أنه وشى به رجل من أعدائه وكتب محضرا يشتمل على مقالات شنيعة عند العامة من مقالات الشيعة وغيرهم، وشهد بذلك جماعة كثيرة وكتبوا عليه شهاداتهم، وثبت ذلك عند قاضي صيدا، ثم أتوا به إلى قاضي الشام فحبس سنة. ثم قتل وصلب ورجم ثم أحرق[1].
التواصل العلمي طريق الفهم والتقارب:
إن ما تعيشه مجتمعاتنا المسلمة اليوم من شحن طائفي لهذه الفئة ضد الأخرى، ولهذا المذهب تجاه ذاك، ليدفعنا إلى التفكير في سعة أفق الشهيد الثاني، ورؤيته الثاقبة في أن جزءا من حل مشكلة الأمة يتمثل في التواصل العلمي والمعرفي بين العلماء وأهل الفكر، ومن خلال هؤلاء ينبغي أن تعوَّد الفئات على احترام بعضها بعضا والمذاهب على تقدير خبرائها وفقهائها.
وإذا وجدت حوادث تثير الفتنة وانساق فيها بعض المتعصبين من أي طرف، فهذا لا يدل على شيء كما يدل على لزوم التواصل وفائدته. وضمن هذا الاطار يتحدث ثاني الشهيدين عن أنه درس في دمشق ومصر وأخذ العلم عن ستة عشر عالما من علماء المذاهب الإسلامية الأخرى غير الإمامية، بل نراه يمدح بعض هؤلاء مدحا بالغا، فقد نقل عنه في ترجمته لحياته:
[1]( أمل الآمل 1. 182.
ورحلت إلى مصر في أول سنة (942هـ) لتحصيل ما أمكن من العلوم، واجتمعت في تلك السفرة بجماعة كثيرة من الأفاضل، فأول اجتماعي بالشيخ شمس الدين بن طولون الدمشقي الحنفي، وقرأت عليه جملة من الصحيحين وأجازني روايتهما مع ما يجوز له روايته في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة.
واشتغلت بها على جماعة، منهم: الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي: قرأت عليه «منهاج النووي «في الفقه وأكثر «مختصر الأصول «لابن الحاجب وشرح العضدي مع مطالعة حواشيه منها السعدية والشريفية. وسمعت عليه كتبا كثيرة في الفنون العربية والعقلية وغيرهما، فمنها شرح التلخيص المختصر في المعاني والبيان لملا سعد الدين، ومنها شرح تصريف العربي ومنها شرح الشيخ المذكور لورقات إمام الحرمين الجويني في أصول الفقه وتوضيح ابن هشام في النحو وغير ذلك مما يطول ذكره. وأجازني إجازة عامة بما يجوز له روايته، سنة (943هـ).
ومنهم الملا حسين الجرجاني: قرأنا عليه جملة من «شرح التجريد» للملا علي القوشجي مع حاشية ملا جلال الدين الدواني و «شرح أشكال التأسيس» في الهندسة لقاضي زاده الرومي و «شرح الجغميني» في الهيئة له. ومنهم الملا محمد الاسترآبادي: قرأنا عليه جملة من «المطول» مع حاشية السيد الشريف و «الجامي» شرح الكافية. ومنهم الملا محمد الكيلاني: سمعنا عليه جملة من المعاني والمنطق.
ومنهم الشيخ شهاب الدين بن النجار الحنبلي: قرأت عليه جميع «شرح الشافية» للجاربردي وجميع «شرح الخزرجية» في العروض والقوافي للشيخ زكريا الأنصاري وسمعت عليه كتبا كثيرة في الفنون والحديث منها: الصحيحان، وأجازني جميع ما قرأت وسمعت وما يجوز له روايته في السنة المذكورة.