وسأل السلطان[1]هذا الرسول: من أمرك أن تقتله؟
فقال: أحدهم قال لي كذا وكذا!
فرد عليه العباسي: أن السلطان قال أن تحضره حتى نرى كلامه ونناقشه فكيف تقتله، أنت الآن قاتل شخص عمداً من غير جناية فتقتل كما قتلت،فقتل. وصدق من قال (بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين).
النتاج العلمي للشهيد الثاني:
يتعجب الناظر في حياة ثاني الشهيدين حين يرى الغزارة والعمق في إنتاجه في وقت واحد. فربما يستطيع البعض أن يكثر من التأليف ولكن قد لا تجد فيه الدقة الكافية، وقد ترى وجود الدقة مع قلة التأليف والتصنيف. هذا مع قلة الفترة الزمنية التي عاشها بالقياس إلى غيره من العلماء حيث لم يتجاوز عمره (55) عاما، ومع أنه كان في مطلع عمره يعمل في كرم (بستان عنب) له في النهار، وينقل الحطب والماء إلى أهله في الليل، أي لم تكن الأمور الحياتية والمعاشية ميسرة له حتى يتفرغ بالكامل للتأليف.
فقد عدّ له السيد الأمين في الأعيان، (79) كتابا ورسالة. اشتهر بعضها، وصار محور الدراسة العلمية في الحوزات الشيعية، ولا يزال بالرغم من مرور ما يقارب خمسة قرون على تأليفها.
منها كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: ويقع في عشرة أجزاء بالطبع الحديث. وهو شرح استدلالي مزجي على كتاب اللمعة الدمشقية للشهيد الأول الشيخ محمد بن مكي العاملي، وقد كتبه الشهيد الأول استجابة لطلب قادة
[1]يظهر من خلال التأريخ الذي استشهد فيه الشيخ زين الدين، أن السلطان العثماني كان سليمان القانوني الذي حكم في الفترة ما بين 926 و974.
(سربداران)[1]في خراسان لا كما يقوله البعض من أنه كتبه في السجن على ما حققه بعض الأفاضل.
ومنها مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام: ويقع في 15 مجلدا بالطبع الحديث، ومن المعلوم أن كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي رحمة الله كان ولا يزال من النصوص الفقهية المتينة والمتقنة التي لقيت اهتماما واسعا من قبل العلماء والباحثين ولذلك يقول بعضهم إن ما عرف من الشروح على هذا الكتاب تجاوز المائة، إلى زمان صاحب الذريعة الطهراني.
إلا أن شرح الشهيد الثاني الاستدلالي (المسالك) يعتبر من أفضلها حيث أنه جمع بين اختصار العبارة وجامعية الدليل، وهو مختصر في باب العبادات مفصل في المعاملات.
ومنها روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان وهو شرح استدلالي لكتاب العلامة الحلي (إرشاد الأذهان) والموجود منه مطبوعا باب الطهارة والصلاة.
ومنها كتاب تمهيد القواعد الأصولية والعربية لتمهيد الأحكام الشرعية، وهو كتاب وصفه مؤلفه بأنه (واحد في فنه)، ويشتمل على مائة قاعدة أصولية ولغوية تنفع طالب العلم في استنباط الأحكام الشرعية، وتتبين آثارها فيها.
ومنها كتاب مسكن الفؤاد عند فقد الأحبة والأولاد: وهو كتاب أنتجته معاناة
[1]سربداران: أي المشنوقون، اسم لحركة تحررية صارت فيما بعد دولة، وذلك أنه بعد استيلاء المغول على إيران في القرن الثامن الهجري، واضطهادهم لأهل خراسان وسبزوار، بمصادرة الأموال وانتهاك الأعراض، ثار أحد العلماء بإسم شيخ خليفة، وواصل المسيرة بعده تلميذه شيخ حسن الجوري، واستطاع أعقاب هؤلاء أن يحكموا خراسان وأطرافها قرابة نصف قرن من الزمان باستقلال عن المغول، وانتهت دولتهم في سنة 788 هـ ـ وقد سُموا بهذا الاسم كما يقول صاحب روضات الجنات لأنهم كانوا يقولون، إن استطعنا دفع الظلم وإلا فلتكن رؤوسنا على المشانق حيث لا نتحمل الظلم بعد هذا أبدا.. وقد كاتبوا الشيخ محمد بن مكي العاملي المعروف بالشهيد الأول ليأتي إليهم ويكون قاضيهم فلم يفعل وزودهم بكتاب فقهي كتبه لهم هو اللمعة الدمشقية.
الشهيد ومكابدته الألم حيث أنه لم يكن يبقى لديه ولد، «فمات له أولاد ذكور كثيرون قبل الشيخ حسن الذي كان لا يثق بحياته أيضاً» كما قال السيد الأمين.
ويستطيع الناظر أن يرى بوضوح مقدار ألم الشيخ زين الدين من جهة، مثل ما يرى صبره ورضاه بما قسم له في مقدمة ذلك الكتاب حيث يقول «فلما كان الموت هو الحادث العظيم، والأمر الذي هو على تفريق الأحبة مقيم، وكان فراق المحبوب يعد من أعظم المصائب، حتى يكاد يزيغ له قلب ذي العقل، والموسوم بالحدس الصائب، خصوصاً ومن أعظم الأحباب الولد، الذي هو مهجة الألباب، ولهذا رتب على فراقه جزيل الثواب، ووعد أبواه شفاعته فيهما يوم المآب.
فلذلك جمعت في هذه الرسالة جملة من الآثار النبوية، وأحوال أهل الكمالات العلية، ونبذة من التنبيهات الجلية، ما ينجلي به إن شاء الله تعالى الصدأ عن قلوب المحزونين، وتنكشف به الغمة عن المكروبين، بل تبتهج به نفوس العارفين، ويستيقظ من اعتبره من سنة الغافلين».
ومنها كتاب منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ضمنه أخلاق أهل العلم دارسين ومدرسين، ونصائح مهمة في طلب العلم
ومنها كتاب الرعاية في علم الدراية: وهو كتاب في جزء واحد كتبه على سبيل الايجاز والاختصار وأحال من يطلب التفصيل على كتابه الآخر (غنية القاصدين في معرفة اصطلاح المحدثين) الذي وصفه بأنه بلغ الغاية في الاستقصاء.
ومنها أجوبة لمسائل مختلفة وردت إليه مثل: جوابات المسائل الهندية، والشامية، والمباحث النجفية، وجوابات ستين مسألة، وجوابات الشيخ أحمد ظاهر.
ومنها كتاب شرح الألفية والنفلية حيث كتب الشهيد الأول في شرحه لحديث
منقول عن النبي أن للصلاة ألف حد، فذكر ألف واجب من واجباتها، ثم أتبعه بالنفلية حيث نقل عن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، أن لها أربعة آلاف حد، فبقي الباقي وهو المستحبات.
وجاء الشهيد الثاني فشرح ما أسسه الشهيد الأول.
وقد ذكر في أعيان الشيعة عناوين كتبه كاملة فليراجع من شاء التفصيل.
قداسة النفس وتحرر الفكر
المقدس أحمد بن محمد الأردبيلي
ت 993هـ
{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ}[1]
فيما كان الشاب (محمد) في طريقه، يماشي ساقية متفرعة من النهر، متجها إلى منزله وإذا به يرى تفاحة نضرة، قد حملها الماء من الاتجاه المخالف، وسرعان ما صارت في فمه متلذذا بطعمها! وبعد أن ذهبت سكرة لذة الأكل، وجاءت فكرة التأمل، تساءل في نفسه عن أنه كيف أكلها ولا يعلم عن رضى صاحبها؟ فمن الذي أحل له ذلك؟ وصارت المسألة في نفسه، فعزم على أن يتتبع مصدر التفاحة تلك ليستحل صاحبها، حتى يتجنب بقاء الطعام المحرم في بطنه!
وصل إلى بستان فيه شجر تفاح فعلم أن ضالته هنا، ودخل ليجد صاحب البستان موجودا فيه، وقص عليه قصته وطلب منه أن يحلله مما فعل مجانا أو بالمال الذي يبذله ثمنا للتفاحة المأكولة! وذُهل عندما رآه يرفض العرض الذي قدمه مصرًّا على أنه إنما يحلله لو تزوج ابنته المبتلاة بأنها لا تمشي ولا تسمع ولا ترى!! ودون ذلك فإنه لن يحلله مما أكل! أمام الورطة
[1]( الطلاق 2، 3
الكبيرة التي وقع فيها بين مأزقين: بقاء الطعام غير الحلال في بطنه، وبقائه في أسر زواج تكون الزوجة فيه بتلك الصفات المذكورة، اختار البلاء على الحرام!
وفي ليلة الزفاف كان الأمر مفاجئا بالنسبة له، فقد وجد المرأة التي ينبغي أن تكون بالنحو المذكور آنفا مختلفة تماما، فقد وجد نفسه أمام شبه ملاك رقة وجمالا وكمالا! وحين عاد إلى والد زوجته متعجبا، قال له: هي هكذا فهي لم تمش إلى معصية، ولم تسمع حراما، وكفت بصرها عما حرم الله عليها، وكنت أنفس وأضن بها على سائر الشباب وأرى أن من يتزوجها لا بد أن يكون في الدرجة العالية من التقوى وحين رأيتك مستعدا إلى هذا المقدار أن تتورط بزوجة مبتلاة ظاهرا من أجل أن لا يكون في بطنك الحرام، وجدتك أهلا للزواج بها!
من هذه الفتاة الطاهرة وذلك الأب الورع جاء (المقدس) الملا[1]أحمد الأردبيلي! الذي صار فيما بعد من عظماء فقه الإمامية والذي يطلق عليه في العلميات لقب المحقق وفي العمليات والعبادات وتهذيب النفس لقب المقدس والذي توفي سنة 993هـ.
إن أول ما يواجهنا مما يختص به الأردبيلي هو أنه كان متحرر الفكر، وجريء الرأي في الجوانب العلمية إلى درجة كبيرة جدا، وبنفس المقدار كان محتاطا ومقدسا في الأمور العملية والعبادية.
مع أنه في العادة يكون المتقدس عملا والمحتاط في عباداته، أيضا محتاطا في آرائه فلا يخالف مشهور المتقدمين، بينما نلاحظ في حالة المحقق الأردبيلي أنه لم يتقيد مع تورعه وتقدسه برأي غيره من أعاظم المتقدمين من العلماء، بل إذا ظهر له الرأي المخالف لهم قويا اتبعه.
[1]الملا في اللغة الفارسية تعنى العالم الكبير. بينما هي في الاصطلاح المتداول لدى العرب في الخليج من يعلم القرآن أو ينشد رثاء ومدح أهل البيت. واردبيل بلدة كبيرة في شمال إيران.
في الجانب العلمي له مؤلفات متعددة من أشهرها كتاب (زبدة البيان في أحكام القرآن) تعرض فيه إلى آيات الأحكام في القرآن واستدلاله بها وله نظريات ابتكارية وتحقيقات دقيقة فيما يرتبط بالاستفادة باستنباط الأحكام الشرعية.
المقدس: نادرة من الزمن الماضي:
على أثر الابتعاد عن الشخصيات المعنوية من جهة، ورؤية نماذج مزورة عن الايمان والسمو الأخلاقي من جهة أخرى، يتبادر إلى ذهن بعض القراء الكرام، أن ما ينقل من قصص عن مثل المقدس الأردبيلي، هي نوع من المبالغات، أو حتى الخيال الكاذب! ولكن الحقيقة أن هؤلاء الأعاظم، قد راضوا أنفسهم بالتقوى، وعلقوها بالملأ الأعلى، فجاءت هكذا.
هلم معي عزيزي القارئ، لنقرأ ثلاث حكايات، لا تنتمي إلى عالم الظاهر، الذي نتعامل معه، ونتأثر به! هلم لنذهب إلى عالَم آخر هو عالم المقدس الأردبيلي:
بدأ بالدراسة الدينية في غرفة بإحدى المدارس الدينية بالنجف الأشرف وكان مشغولاً بدرسه وعبادته وحالته المعنوية، في هذه الأثناء أحد الطلاب أن يشاركه في حجرته فاعتذر منه، ولكن الطالب أصر على ذلك، فقال له إنه يرتاح وحده لأنه يقوم الليل ولديه برنامج سوف يزعجه إذا بقي معه!
فقال الطالب أنه مستعد للتحمل، ورد عليه الأردبيلي: تأتي لكن بشرط أن لا تخبر أحداً عما يحصل في الغرفة لا في قضايا العبادة ولا قضايا الطعام. فقبل الطالب.
في الأيام الأولى لاحظ الطالب أن زميله في الغرفة (الاردبيلي) صائم النهار أكثر أيام الأسبوع، ويفطر على كسرة خبز وشيء بسيط من الطعام، الأمر الذي لم يعتد عليه هذا الطالب، حيث شحب لونه بعد فترة من الزمان، مما حدا ببعض أقاربه
أن يسأله عما إذا كان مريضاً، وأن يلح عليه حتى أخبره بوضعه مع زميله الأردبيلي وأنه مضطر لأن يجاريه بذلك، فأعطاه أكلاً طيباً ومبلغا ماليا جيدا له ولزميله.
عند المساء عاد الاردبيلي ووجد طعاماً من ألوان مختلفة فسأله،وأخبره الطالب بما حدث مع قريبه وعن إعطاء الهدية وطلب منه قبولها ومن ثم هو حر بما يفعله بها، فقال له الاردبيلي هذا إخلال بالشرط بيننا فلا يمكن لنا الاستمرار، ولا بد أن تغادر هذه الغرفة لغرفة أخرى، أو أغادرها أنا.
يقال إنه احتلم تلك الليلة وربما يكون على أثر ذلك الطعام وأراد أن يقوم إلى صلاة الليل ولكن لم يكن يوجد حمام للاغتسال في المدرسة، فذهب إلى الحمام العمومي بالنجف ووجده مغلقاً فطرق الباب وخرج له عامل الحمام فطلب منه أن يسمح له بالاغتسال فرد عليه أن يعود قبل صلاة الفجر بنصف ساعة لذلك، فطلب منه أن يسمح له بالاغتسال الآن ويعطيه أجراً مضاعفاً[1]فأبى العامل وظل الاردبيلي يعرض عليه المال بزيادة إلى أن عرض عليه أن يعطيه كامل المال الذي وصله هدية من قريب الطالب وهو ربما يعادل راتب العامل لعدة أشهر.
فقبل العامل بذلك وتركه يغتسل. وعلى أثر هذا الانقطاع إلى الله تعالى، والسعي بذل هذا المال الكبير من أجل أن لا تفوته صلاة الليل، حصل له توفيق في العلم ونبوغ استثنائي، وذلك أن العلم (ليس بالتعلم وإنما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه)[2]كما في الخبر عن الامام جعفر الصادق عليه السلام .
كان عطوفاً على الفقراء ويرى نفسه واحدا منهم، وفي أيام زعامته كما نقل تعرضت النجف إلى جدب وقحط فقلت الأرزاق والأطعمة، وأمام هذا كان الناس يحاولون تخزين المؤونة من طعام وغيره، كل بحسب ما لديه من مال،
[1]تكررت هذه القصة في حياة السيد بحر العلوم الطباطبائي كما سيأتي في الحديث عن ترجمته.
[2]المجلسي، المولى محمد باقر: بحار الأنوار 1. 225.