بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 179

الشهيد ومكابدته الألم حيث أنه لم يكن يبقى لديه ولد، «فمات له أولاد ذكور كثيرون قبل الشيخ حسن الذي كان لا يثق بحياته أيضاً» كما قال السيد الأمين.

ويستطيع الناظر أن يرى بوضوح مقدار ألم الشيخ زين الدين من جهة، مثل ما يرى صبره ورضاه بما قسم له في مقدمة ذلك الكتاب حيث يقول «فلما كان الموت هو الحادث العظيم، والأمر الذي هو على تفريق الأحبة مقيم، وكان فراق المحبوب يعد من أعظم المصائب، حتى يكاد يزيغ له قلب ذي العقل، والموسوم بالحدس الصائب، خصوصاً ومن أعظم الأحباب الولد، الذي هو مهجة الألباب، ولهذا رتب على فراقه جزيل الثواب، ووعد أبواه شفاعته فيهما يوم المآب.

فلذلك جمعت في هذه الرسالة جملة من الآثار النبوية، وأحوال أهل الكمالات العلية، ونبذة من التنبيهات الجلية، ما ينجلي به إن شاء الله تعالى الصدأ عن قلوب المحزونين، وتنكشف به الغمة عن المكروبين، بل تبتهج به نفوس العارفين، ويستيقظ من اعتبره من سنة الغافلين».

ومنها كتاب منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ضمنه أخلاق أهل العلم دارسين ومدرسين، ونصائح مهمة في طلب العلم

ومنها كتاب الرعاية في علم الدراية: وهو كتاب في جزء واحد كتبه على سبيل الايجاز والاختصار وأحال من يطلب التفصيل على كتابه الآخر (غنية القاصدين في معرفة اصطلاح المحدثين) الذي وصفه بأنه بلغ الغاية في الاستقصاء.

ومنها أجوبة لمسائل مختلفة وردت إليه مثل: جوابات المسائل الهندية، والشامية، والمباحث النجفية، وجوابات ستين مسألة، وجوابات الشيخ أحمد ظاهر.

ومنها كتاب شرح الألفية والنفلية حيث كتب الشهيد الأول في شرحه لحديث


صفحه 180

منقول عن النبي أن للصلاة ألف حد، فذكر ألف واجب من واجباتها، ثم أتبعه بالنفلية حيث نقل عن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، أن لها أربعة آلاف حد، فبقي الباقي وهو المستحبات.

وجاء الشهيد الثاني فشرح ما أسسه الشهيد الأول.

وقد ذكر في أعيان الشيعة عناوين كتبه كاملة فليراجع من شاء التفصيل.


صفحه 181

قداسة النفس وتحرر الفكر

المقدس أحمد بن محمد الأردبيلي

ت 993هـ

{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ}[1]

فيما كان الشاب (محمد) في طريقه، يماشي ساقية متفرعة من النهر، متجها إلى منزله وإذا به يرى تفاحة نضرة، قد حملها الماء من الاتجاه المخالف، وسرعان ما صارت في فمه متلذذا بطعمها! وبعد أن ذهبت سكرة لذة الأكل، وجاءت فكرة التأمل، تساءل في نفسه عن أنه كيف أكلها ولا يعلم عن رضى صاحبها؟ فمن الذي أحل له ذلك؟ وصارت المسألة في نفسه، فعزم على أن يتتبع مصدر التفاحة تلك ليستحل صاحبها، حتى يتجنب بقاء الطعام المحرم في بطنه!

وصل إلى بستان فيه شجر تفاح فعلم أن ضالته هنا، ودخل ليجد صاحب البستان موجودا فيه، وقص عليه قصته وطلب منه أن يحلله مما فعل مجانا أو بالمال الذي يبذله ثمنا للتفاحة المأكولة! وذُهل عندما رآه يرفض العرض الذي قدمه مصرًّا على أنه إنما يحلله لو تزوج ابنته المبتلاة بأنها لا تمشي ولا تسمع ولا ترى!! ودون ذلك فإنه لن يحلله مما أكل! أمام الورطة

[1]( الطلاق 2، 3


صفحه 182

الكبيرة التي وقع فيها بين مأزقين: بقاء الطعام غير الحلال في بطنه، وبقائه في أسر زواج تكون الزوجة فيه بتلك الصفات المذكورة، اختار البلاء على الحرام!

وفي ليلة الزفاف كان الأمر مفاجئا بالنسبة له، فقد وجد المرأة التي ينبغي أن تكون بالنحو المذكور آنفا مختلفة تماما، فقد وجد نفسه أمام شبه ملاك رقة وجمالا وكمالا! وحين عاد إلى والد زوجته متعجبا، قال له: هي هكذا فهي لم تمش إلى معصية، ولم تسمع حراما، وكفت بصرها عما حرم الله عليها، وكنت أنفس وأضن بها على سائر الشباب وأرى أن من يتزوجها لا بد أن يكون في الدرجة العالية من التقوى وحين رأيتك مستعدا إلى هذا المقدار أن تتورط بزوجة مبتلاة ظاهرا من أجل أن لا يكون في بطنك الحرام، وجدتك أهلا للزواج بها!

من هذه الفتاة الطاهرة وذلك الأب الورع جاء (المقدس) الملا[1]أحمد الأردبيلي! الذي صار فيما بعد من عظماء فقه الإمامية والذي يطلق عليه في العلميات لقب المحقق وفي العمليات والعبادات وتهذيب النفس لقب المقدس والذي توفي سنة 993هـ.

إن أول ما يواجهنا مما يختص به الأردبيلي هو أنه كان متحرر الفكر، وجريء الرأي في الجوانب العلمية إلى درجة كبيرة جدا، وبنفس المقدار كان محتاطا ومقدسا في الأمور العملية والعبادية.

مع أنه في العادة يكون المتقدس عملا والمحتاط في عباداته، أيضا محتاطا في آرائه فلا يخالف مشهور المتقدمين، بينما نلاحظ في حالة المحقق الأردبيلي أنه لم يتقيد مع تورعه وتقدسه برأي غيره من أعاظم المتقدمين من العلماء، بل إذا ظهر له الرأي المخالف لهم قويا اتبعه.

[1]الملا في اللغة الفارسية تعنى العالم الكبير. بينما هي في الاصطلاح المتداول لدى العرب في الخليج من يعلم القرآن أو ينشد رثاء ومدح أهل البيت. واردبيل بلدة كبيرة في شمال إيران.


صفحه 183

في الجانب العلمي له مؤلفات متعددة من أشهرها كتاب (زبدة البيان في أحكام القرآن) تعرض فيه إلى آيات الأحكام في القرآن واستدلاله بها وله نظريات ابتكارية وتحقيقات دقيقة فيما يرتبط بالاستفادة باستنباط الأحكام الشرعية.

المقدس: نادرة من الزمن الماضي:

على أثر الابتعاد عن الشخصيات المعنوية من جهة، ورؤية نماذج مزورة عن الايمان والسمو الأخلاقي من جهة أخرى، يتبادر إلى ذهن بعض القراء الكرام، أن ما ينقل من قصص عن مثل المقدس الأردبيلي، هي نوع من المبالغات، أو حتى الخيال الكاذب! ولكن الحقيقة أن هؤلاء الأعاظم، قد راضوا أنفسهم بالتقوى، وعلقوها بالملأ الأعلى، فجاءت هكذا.

هلم معي عزيزي القارئ، لنقرأ ثلاث حكايات، لا تنتمي إلى عالم الظاهر، الذي نتعامل معه، ونتأثر به! هلم لنذهب إلى عالَم آخر هو عالم المقدس الأردبيلي:

بدأ بالدراسة الدينية في غرفة بإحدى المدارس الدينية بالنجف الأشرف وكان مشغولاً بدرسه وعبادته وحالته المعنوية، في هذه الأثناء أحد الطلاب أن يشاركه في حجرته فاعتذر منه، ولكن الطالب أصر على ذلك، فقال له إنه يرتاح وحده لأنه يقوم الليل ولديه برنامج سوف يزعجه إذا بقي معه!

فقال الطالب أنه مستعد للتحمل، ورد عليه الأردبيلي: تأتي لكن بشرط أن لا تخبر أحداً عما يحصل في الغرفة لا في قضايا العبادة ولا قضايا الطعام. فقبل الطالب.

في الأيام الأولى لاحظ الطالب أن زميله في الغرفة (الاردبيلي) صائم النهار أكثر أيام الأسبوع، ويفطر على كسرة خبز وشيء بسيط من الطعام، الأمر الذي لم يعتد عليه هذا الطالب، حيث شحب لونه بعد فترة من الزمان، مما حدا ببعض أقاربه


صفحه 184

أن يسأله عما إذا كان مريضاً، وأن يلح عليه حتى أخبره بوضعه مع زميله الأردبيلي وأنه مضطر لأن يجاريه بذلك، فأعطاه أكلاً طيباً ومبلغا ماليا جيدا له ولزميله.

عند المساء عاد الاردبيلي ووجد طعاماً من ألوان مختلفة فسأله،وأخبره الطالب بما حدث مع قريبه وعن إعطاء الهدية وطلب منه قبولها ومن ثم هو حر بما يفعله بها، فقال له الاردبيلي هذا إخلال بالشرط بيننا فلا يمكن لنا الاستمرار، ولا بد أن تغادر هذه الغرفة لغرفة أخرى، أو أغادرها أنا.

يقال إنه احتلم تلك الليلة وربما يكون على أثر ذلك الطعام وأراد أن يقوم إلى صلاة الليل ولكن لم يكن يوجد حمام للاغتسال في المدرسة، فذهب إلى الحمام العمومي بالنجف ووجده مغلقاً فطرق الباب وخرج له عامل الحمام فطلب منه أن يسمح له بالاغتسال فرد عليه أن يعود قبل صلاة الفجر بنصف ساعة لذلك، فطلب منه أن يسمح له بالاغتسال الآن ويعطيه أجراً مضاعفاً[1]فأبى العامل وظل الاردبيلي يعرض عليه المال بزيادة إلى أن عرض عليه أن يعطيه كامل المال الذي وصله هدية من قريب الطالب وهو ربما يعادل راتب العامل لعدة أشهر.

فقبل العامل بذلك وتركه يغتسل. وعلى أثر هذا الانقطاع إلى الله تعالى، والسعي بذل هذا المال الكبير من أجل أن لا تفوته صلاة الليل، حصل له توفيق في العلم ونبوغ استثنائي، وذلك أن العلم (ليس بالتعلم وإنما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه)[2]كما في الخبر عن الامام جعفر الصادق عليه السلام .

كان عطوفاً على الفقراء ويرى نفسه واحدا منهم، وفي أيام زعامته كما نقل تعرضت النجف إلى جدب وقحط فقلت الأرزاق والأطعمة، وأمام هذا كان الناس يحاولون تخزين المؤونة من طعام وغيره، كل بحسب ما لديه من مال،

[1]تكررت هذه القصة في حياة السيد بحر العلوم الطباطبائي كما سيأتي في الحديث عن ترجمته.

[2]المجلسي، المولى محمد باقر: بحار الأنوار 1. 225.


صفحه 185

وأما الفقراء فقد ضاقت بهم الأمور فنظر المولى الاردبيلي (أعلى الله مقامه) إلى ما كان عندهم في المنزل من طعام مختلف ودعا الفقراء وقسم كل هذا الطعام عليهم بالتساوي وأخذ إلى نفسه قسما بنفس المقدار الذي أُعطى لكل فقير.

فقالت له زوجته: كيف تفعل هذا؟ غداً نموت جوعاً!

لم يعبأ بكلامها، بل ذهب في اليوم الثاني للاعتكاف بمسجد الكوفة! احتارت المرأة ما تصنع ولا يوجد لديها طعام. وبعد رحيل المقدس بقليل وإذا بالباب تطرق فسألت من الطارق؟ فقال: أرسلني صاحب الدار بالمؤونة لكم، ففتحت الباب وإذا بالأرزاق والأطعمة من كل نوع وظلت تطبخ لمدة ثلاثة أيام وهي تقول سبحان الله هذا أفخر طعام أنا تذوقته!

وعندما عاد المقدس من الاعتكاف قالت له زوجته ما أروع الطعام الذي أرسلته لنا والمقدس لا يعلم بأمر الطعام أصلاً{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.

ما نقله العلامة المجلسي في بحار الأنوار[1]: أخبرني جماعة عن السّيّد الفاضل: آمير علام[2]، قال: كنت في بعض الليالي في صحن الرّوضة المقدسة بالغري على مشرّفها السّلام، و قد ذهب كثير من اللّيل فبينا أنا أجول فيها إذ رأيت شخصا مقبلا نحو الرّوضة المقّدسة فأقبلت إليه فلمّا قربت منه عرفته انّه استاذنا الفاضل العالم التقي الزّكي مولانا أحمد الأردبيلي قدّس اللّه روحه فأخفيت نفسي عنه حتى أتى الباب و كان مغلقا فانفتح له عند وصوله إليه و دخل الرّوضة فسمعته يكلم كأنّه يناجي أحدا، ثم خرج و أغلق الباب فمشيت خلفه حتى خرج من الغرّي و توجه نحو مسجد الكوفة فكنت خلفه بحيث

[1]52. 175.

[2]مير علام التفريشي، من تلامذة المحقق الأردبيلي، وقد أوصى أن يقوم على التدريس بعده.


صفحه 186

لا يراني حتى دخل المسجد و صار إلى المحراب الّذي استشهد أمير المؤمنين عليه السّلام عنده، و مكث طويلا، ثم رجع و خرج من‌ المسجد واقبل نحو الغري فكنت خلفه حتى قرب من الحنّانة، فأخذني سعال لم اقدر على دفعه، فالتفت إلي فعرفني، و قال: أنت مير علام؟ قلت: نعم، قال: ما تصنع هاهنا؟ قلت: كنت معك حيث دخلت الروضة المقدّسة إلى الآن، و اقسم عليك بحق صاحب القبر أن تخبرني بما جرى عليك في تلك الليلة من البداية إلى النّهاية.

فقال: أخبرك على أن لا تخبر به أحدا ما دمت حيّا، فلمّا توثق ذلك منّي قال: كنت أفكّر في بعض المسائل و قد أغلقت عليّ فوقع في قلبي أن آتي أمير المؤمنين عليه السّلام و اسأله عن ذلك، فما وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح كما رأيت فدخلت الرّوضة و ابتهلت الى اللّه تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتا من القبر: أن إئت مسجد الكوفة و سل القائم صلوات اللّه عليه، فإنّه امام زمانك، فأتيت عند المحراب، و سألته عنها فأجبت، و ها أنا أرجع إلى بيتي».

وقد يكون بعض الناس معذورين، عندما لا يصدقون مثل هذه الأمور، لأن الحجم الذي تعرف عليه هؤلاء والصور الموجودة في أذهانهم، ممن يحيطون بهم، في مستوى غير المستوى الذي نتحدث عنه! فإذا كان يتعايش مع أشخاص تتسع ذمتهم لسرقة المليارات من مال الناس، أو المال العام! من دون أن تطرف أعينهم، فماذا يعني الحديث عن أكل تفاحة في النهر؟ وإذا كان الالتزام بأصل الفرائض يعد مفخرة فأين يبقى مجال للحديث عن إعطاء مبالغ طائلة لكي يغتسل عن جنابة تمنعه عن صلاة مستحبة في الليل؟ وهكذا.

هذا عن المقدس الأردبيلي.