بعض تلامذته، ومن خلالها يمكن اكتشاف أسلوبه في التربية العلمية. فهو عندما يرى بعض الطلاب الاستثنائيين الذين يمكن لهم أن يطووا مراحل دراسية في فترة زمنية قصيرة، يتابعهم بالتشجيع والتعليم حتى يبرعوا.
وما كان بين الشيخ حسن (صاحب المعالم) ابن الشهيد الثاني والسيد محمد صاحب المدارك، يشير إلى ذلك، فإنهما كانا شريكي درس «وكانا مدة حياتهما كفرسي رهان ورضيعي لبان متقاربين في السن وقد أخذا نصيبا وافرا من العلم واتفق لهما الفوز بلقاء المقدس الأردبيلي والمولى عبد الله اليزدي والاخذ منهما وعن حدائق المقربين انهما لما قدما العراق وردا على المولى الأردبيلي وسألاه ان يعلمهما ماله دخل في الاجتهاد فأجابهما إلى ذلك وعلمهما أولا شيئا من المنطق واشكاله الضرورية ثم أرشدهما إلى أصول الفقه. وقال: ان أحسن ما كتب في هذا الشأن هو شرح المختصر العضدي غير أن بعض مباحثه ليس له دخل في الاجتهاد وتحصيله مضيع للعمر، فكانا يقرآنه عليه ويتركان تلك المباحث من البين انتهى.
ونقل انهما قالا للمحقق الأردبيلي نحن لا يمكننا الإقامة مدة طويلة ونريد ان نقرأ عليك على وجه نذكره ان رأيت ذلك صلاحا قال: ما هو؟ قال: نحن نطالع وكل ما فهمناه ما نحتاج معه إلى تقرير بل نقرأ العبارة ولا نقف وما يحتاج إلى البحث والتقرير نتكلم فيه فأعجبه ذلك فقرأ عليه مدة قليلة على هذا النحو فكان جمع من تلامذة المحقق الأردبيلي يهزأون بهما كذلك فقال لهم المحقق عن قريب يتوجهون إلى بلادهم ويأتيكم مصنفاتهم وأنتم تقرأون في شرح المختصر فكان كذلك فإنهما لما رجعا صنف الشيخ حسن المعالم والمنتقى والسيد محمد المدارك ووصل بعض ذلك إلى العراق قبل وفاة المولى المحقق قدس سره »[1].
[1]القمي، الشيخ عباس: الكنى والألقاب 2. 386 7.
فمن تلامذته البارزين:
السيد محمد بن علي الموسوي العاملي المتوفى سنة (1009هـ) مؤلف (مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام) وغيره من الكتب النافعة.
الشيخ حسن بن زين الدين العاملي ابن الشهيد الثاني المتوفى سنة (1011هـ) مؤلف (معالم الدين) و (منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان).
ويعد بعض آخر من تلامذة مدرسته ومنهجه ولم يتتلمذوا عليه مباشرة، مثل المولى محمد باقر بن محمد مؤمن السبزواري المتوفى سنة (1090هـ) مؤلف كتاب (كفاية الأحكام) و (ذخيرة المعاد). ومثله الملا محسن الفيض الكاشاني المتوفى (1091هـ) مؤلف كتاب الوافي ومفاتيح الشرائع، فإنه وإن كان اتجاهه العام محسوبا على الأخباريين إلا أنه كان يبدي الاعجاب بطريقة المحقق الأردبيلي ويتفق معه ومع تلامذته في اختياراتهم كما أشار إلى ذلك بعض المؤلفين[1].
[1]المدرسي، السيد حسين: مقدمهاى بر فقه شيعه (فارسي) 57.
شهادة بلون الدم
القاضي نور الله المرعشي الشوشتري
956ـ 1019هـ
للحديث عن القاضي الشهيد نور الله الشوشتري، أرى من اللازم التقديم بمقدمتين:
الأولى: أنه كان في فقهائنا الإمامية من هو محيط بفتاوى وأدلة المذاهب الأربعة، بنحو يُظن أنه من أتباع تلك المذاهب، بل ربما تفوق في معرفته بها على من هو من علمائها! وهذه نقطة تميز مهمة، ذلك أن من غير الصعب أن يحيط العالم بآراء مذهبه ويأنس بها ويدافع عنها، ولكن من الصعوبة بمكان الاحاطة بفقه مذهب آخر، فتوى وأدلة، وذلك أنه ينتمي إلى منظومة أخرى غالبا لا تتطابق مع المنظومة التي يتبعها في فقه مذهبه!
إنهم يتسابقون في هذا حتى يصبح (أعلم العلماء أعلمهم باختلافهم) كما نقل عن إمام المذهب الحنفي أبي حنيفة، وقد وجدنا بين علمائنا من هو محيط بفقه غيره أكثر من إحاطة أصحاب المذهب أنفسهم، فهذا شيخ الطائفة الطوسي الذي أبرز معرفته بفقه المذاهب (الأربعة وغيرها) في كتاب الخلاف بشكل منقطع النظير، حتى لقد توهم بعض مترجميه ناسبا إياه إلى أهل السنة وقال إنه شافعي المذهب!
وهذا الشهيد الثاني الذي كان يدرّس في المدرسة النورية في بعلبك على المذاهب المختلفة وقد تقدمت ترجمته وإحاطته
بفقه مدرسة الصحابة.وسيأتي الحديث عن السيد بحر العلوم الطباطبائي وأنه بقي في مكة المكرمة يلقي دروسا في الفقه على المذاهب المختلفة حتى كان أتباع كل مذهب من المذاهب الأربعة يظنه منهم لإحاطته بمبانيهم وسعة تتبعه.
القاضي نور الله الشوشتري كان من هذا الصنف الموسوعي، والمحيط معرفة بآراء لمذاهب الفقهية الأخرى وقد ساعده ذلك على البقاء في بيئة غير مسالمة للمذهب الجعفري. هذا بالاضافة إلى معرفته التخصصية بدرجة الاجتهاد في فقه أهل البيت عليهم السلام .
والثانية: أنه قد توجد ظروف تحول الخلاف العقدي بل والفقهي بين المسلمين الى حالة من العداء والتشنج الطائفي حتى تنتهي إلى معارك تراق فيها الدماء. فيتحول بفعل هذه الظروف مسار القضية من كونه التزاما ذاتيا في الفكر الى عمل عدائي ضد الغير في الخارج، ينتهي الى الضرب والجرح حتى يصل إلى القتل. ولا ريب أن هذه الحالة ليست حالة طبيعية.
الحالة الطبيعية هي اختلاف الاراء والاجتهادات (في الاراء الفقهية والاعتقادات).
ولا يتم التحول هكذا صدفة، أو عفوا، وإنما تتحرك عوامل على صناعة هذا التحول، وأهم تلك العوامل هو العامل السياسي (وقد يكون للعوامل الشخصية أثر).
لقد شهدنا في أثناء الصراع السياسي بين الأتراك العثمانيين وبين الفرس الصفويين كيف استخدم كلا الطرفين الخلاف المذهبي سلاحا ماضيا، فهؤلاء يستحلون دماء الرافضة، وأولئك يبيحون دماء النواصب. ويعبئ كل فريق جيشه على أنه يقاتل كما قاتل أصحاب الجيل الأول في الإسلام!
السياسيون هنا والحاكمون لأنهم يريدون أن يصادروا الأموال، ويحتلوا الأراضي، ويقتلون فلا بد من إيجاد أرضية تسكت صوت الضمير المعارض لمثل هذه الأمور، ولا أفضل من أرضية النزاع الطائفي.
وفي الغالب يذهب ضحية هذا الصراع خيرة أبناء الأمة من الفريقين على يد حثالتها من الفريقين.
وهكذا ذهب الفقيه المتكلم القاضي نور الله الشوشتري شهيدا، بنحو فجيع يمثل: الشهادة الدامية التي يصدق عليها قول النبي (فوق كل برٍّ برٌّ حتى يقتل المرء في سبيل الله فليس فوقه بر)[1].
كيف كانت البداية؟ وكيف ختم حياته بالشهادة؟
كانت ولادته في شوشتر في جنوب إيران، والتي حين تُعرَّب يقال (تستر) وفيها درس، ثم انتقل إلى خراسان حيث مشهد الامام الرضا عليه السلام في سنة 979هـ، وفيها عكف على التحقيق والبحث والمدارسة ولا يأتي ذكر مفصل عن أساتذته، غير أنه لا بد أن يكون قد استفاد من والده السيد محمد الذي أجازه الفاضل القطيفي ابراهيم بن سليمان[2]، وفي سنة 992هـ ولظروف غير معلومة، انتقل من مشهد و حطت به الرحال في الهند، أيام مملكة جلال الدين محمد أكبر شاه التيموري الذي سمع بمجيئه وأنه رجل فاضل في العلم، فاستقدمه وسمع منه، فأكبره واحترمه، وطلب منه أن يكون في ركابه وأن يعمل في القضاء عنده، ونقل أنه قد جرت بينه وبين أحد علماء عصره مسألة كان فيها حاضر الجواب، وذلك أن العالم الآخر ادعى أن ما يقوله علماء الكلام من أن الروح مجردة لا يصح، وذلك لأن القرآن الكريم أثبت لها الحركة، والانتقال من مكان إلى مكان، وهو من شأن الجسم لا المجرد،
[1]الصدوق، محمد بن علي بن بابويه: الخصال /9.
[2]تقدمت ترجمته.
كما في قوله تعالى{فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ}[1]. ولما لم يكن لدى الحاضرين جواب، أجابه السيد الشوشتري برد ذلك حيث لم يكن هناك ذكر للروح حتى يعود الضمير عليها، بل الظاهر أن الضمير عائد على القلوب، كما وقع في آية{وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}[2].
يظهر أن الشاه جلال الدين محمد أكبر لم يكن متعصبا، بالرغم من أنه كان على المذهب الحنفي وقد يكون ذلك راجعا إلى شخصيته وكونه محبا للعلم والمعرفة، ومن يكون هكذا لا يكون في الغالب متعصبا، وإنما يعجب بأهل الفكر وحملة العلم، وأيضا إلى ما ذكروه من أن الصفويين قد ساعدوا هذه الدولة في مواجهة أعدائها، فخفض هذا من مستوى التعصب الطائفي.
وعلى هذه القاعدة فقد استدعى الشاه جلال الدين، السيد نور الله الشوشتري ليكون القاضي الأول في مملكته. الأمر الذي لم يعجب الكثير من علماء ذلك الوقت، ممن كانوا مقربين من البلاط الحاكم، لا سيما وأنهم يعتقدون بانتماء السيد نور الله للتشيع مادام قادما من خراسان ومولودا في جنوب ايران.
وقبل الشوشتري العرض من الشاه جلال الدين، بشرط أن يقضي بما يترجح له من آراء المذاهب، حيث أنه كما قال للشاه، مجتهد يستطيع أن يرجح بين أقوال أئمة المذاهب الأربعة، ولن يتخطاها!!
وبالفعل فقد كان يقضي بين الخصوم بما يعتقده من الحق، ويبحث في أقوال المذاهب عما يؤيده، ومرت الأيام على هذا الأساس، وهذا يشير إلى أن مواطن الاتفاق بين الشيعة والمذاهب الأربعة كثيرة جدا، ولا سيما في أمور المعاملات بالمعنى الأعم، حيث هي مجال قضاء السيد الشوشتري.
[1]سورة الواقعة: 83.
[2]الحسيني؛ جلال الدين: فيض الاله في ترجمة القاضي نور الله ص 20 هامش.
فإنه ربما تكون الاختلافات في الأمور العبادية كثيرة إلا أنها ليست كذلك في أمور المعاملات، حيث تقوم تلك الأمور على أدلة عقلية أو عقلائية أو عمومات وقواعد، ومناشؤها تكاد تكون واحدة بين الفريقين[1].
ولم يهدأ للمنافسين له بال، فالحسد الشخصي هنا لا يترك للشخص مجالا، ويصبح كل هم هذا الشخص أن يسقط محسوده الذي يعتقد فيه أنه أخذ موقعه الخاص!! واعتدى على مقامه. ولا مانع هنا أن يتوسل بالمذهب والدين، وأن وجود هذا الشخص خطر عليهما، ومثلما نشهد في كل وقت حين تتحرك السياسة حينا، والمصلحة الشخصية حينا آخر، للمواجهة ولكنها تغلف بغلاف الحرص على الدين، والدفاع عن المذهب! فكانوا يرفعون إلى الشاه جلال الدين عن القاضي نور الله كلاما، وتقارير كيدية، ولكن جلال الدين لم يكن يعبأ بها بعدما وثق في القاضي الشوشتري، الذي كان قد أحكم أمره.
إلى أن توفي الشاه جلال الدين، وقام بالأمر بعده ابنه جهانكير شاه، وكان هذا متعصبا! فاستطاع بعض الطائفيين من العلماء أن يؤثر عليه، وعملوا له كمينا. عندما أمروا شابا أن يظهر التلمذة على القاضي، وأن يرافقه ويتعلم منه، بل يخدمه في منزله، حتى إذا اطمأن إليه وأظهر أنه من محبي أهل البيت! اطلع على بعض كتبه ومصنفاته التي كان يعدها، ومنها كتاب مجالس المؤمنين الذي يعرب بشكل واضح عن قوة تشيعه[2].
وعندما وجد هذا الكتاب (وقيل كتاب إحقاق الحق) لديه واستنسخه منه، أوصله إلى مخالفيه المتآمرين عليه، وهؤلاء بدورهم أخبروا الحاكم جهانكير عن الكتاب وماذا يعني. فحكموا عليه. بأن يضرب بالأسلاك الشائكة في الشمس حتى يموت!!
[1]لتفصيل ذلك يراجع كتاب ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، وتقدم الحديث فيه.
[2]بتصرف من فيض الاله في ترجمة القاضي نور الله ص 31.
فانظر إلى التعصب وماذا ينتج؟ وهل ترى عزيزي القارئ أن الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين، ينتج هذا التعذيب؟ هل تعتقد أن الله سبحانه وتعالى يحكم على من يكون في مذهبه مواليا لأهل بيت نبيه، ويضطر نظرا للظروف الاستثنائية التي صنعها الحاكمون وأعوانهم أن يخفي مذهبه تقية، وأن يخدم غيره من دون أن يكشف عن حقيقة مذهبه. هل ترى حكم الله فيما حكموا على هذا السيد من أبناء النبي من مئات الجلدات بالأسلاك الشائكة، والتي لم يتحمل وهو في ذلك السن (63 سنة) إلا يسيرا منها حتى قضى نحبه شهيدا؟.
كتبه ومصنفاته:
كان القاضي الشهيد الشوشتري غزير الانتاج، متنوعه، متدفق الحماس في الجانب العقدي والدفاع عن مذهب أهل البيت عليهم السلام . فالمعروف ان لديه ما يزيد على (90) كتابا ورسالة في مختلف الفنون. تنوعت ما بين كلام وحكمة، وتفسير وعقائد، ورجال ومنطق، وشعر وبلاغة. وبهذا يتبين الجانب الموسوعي في معارف هذا العالم الجليل الذي جمع بين الحسنيين العلم، والشهادة.
فمن كتبه العقائدية:
إحقاق الحق: وهذا الكتاب هو رد على الفضل بن روزبهان، الذي نقض على العلامة الحلي، ورد على كتابه نهج الحق.
والصوارم المهرقة، في الرد على كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر. ومجالس المؤمنين في مشاهير رجال الشيعة. ومصائب النواصب، ورسالة في رد ما كتب بعضهم في نفي عصمة الانبياء عليهم السلام . والنور الانور في مسألة القضاء والقدر رد فيه على رسالة لبعض الهنود من معاصريه، وحاشية بحث عذاب القبر من شرح القواعد، ورسالة في أمر العصمة ورسالة في تحقيق آية الغار.