وفي وقت مبكر أخذ العلم عن أبيه الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي، الذي كان من أبرز تلامذة الشهيد الثاني زين الدين بن علي الجبعي، وحين شد الوالد الرحال إلى إيران بدعوة من المحقق الثاني الشيخ علي عبد العال الكركي (صاحب جامع المقاصد) ضمن سعيه لنشر مذهب أهل البيت عليهم السلام فيها، أيام الشاه طهماسب الصفوي، سافر الولد مع والده وعمره حوالي الثمان سنوات. وبقي الولد تحت رعاية والده تعليما وتربية، إلى سنة 984هـ حيث توفي والده في البحرين ودفن فيها[1].
براعة في العلم:
المتتبع لحياة الشيخ البهائي يحار من تنوع معارفه، وتميز قدراته، حيث جمع في شخصيته ما لا يجتمع آحاده في بعض العلماء! فهو كما قال بعض الباحثين «فقيه مع الفقهاء ومحدث مع المحدثين وصوفي مع المتصوفة وفيلسوف مع الفلاسفة ورياضي مع أصحاب التعليم وهو نحوي مع النحاة إلى غير ذلك».
وهو أيضا شاعر من أعاظم الشعراء، وفلكي من كبار الفلكيين، ومهندس تشهد له آثاره الباقية على براعته في هذا الفن، وبالرغم من أن بعض الباحثين قد شكك في أن تكون الصورة المأثور عن الشيخ البهائي هي الصورة الواقعية، وعزاها إلى نسبة الناس الغرائب والأساطير لمن يعتقدون فيهم، مثلما هو الحال في ما نسب إلى ابن سينا[2].
[1]في اختيار والد الشيخ البهائي للبحرين وانتقاله إليها بعد أدائه الحج، منصرفا عن البقاء في إيران، ينقل أنه رأى رؤيا تفيد بصلاح حال أهلها وأنهم من أهل الجنة، فأحب أن يكون معهم، وهذا هو المشهور المتداول في ترجمته، بينما رأى الباحث السيد عدنان العوامي أن ذلك عائد إلى أن الأوضاع السياسية في الدولة الصفوية قد تغيرت وساد اضطراب على أثر وفاة الشاه طهماسب، وما كان من التكريم والدور الذي يقوم به العلماء الذين استقدمهم الشاه طهماسب قد تحول إلى إهمال وعدم رغبة من قبل السلاطين الجدد. أقول لا يمنع أن يكون الأمران من قبيل توارد الدواعي.
[2]الدوري؛ د عبد العزيز؛ لمحات اجتماعية. 3. 76.
إلا أن ذلك لا ينفي براعته وتميزه، فإن هذه الآثار الباقي بعضها لم تنسب إلى غيره، ولو كان الأمر مجرد قصص منقولة أو ادعاءات محضة لأمكن التزيد فيها، إلا أننا أمام قضايا بعضها قائم بالفعل.
فمما ينقل عن براعته الهندسية ما ذكر عن بنائه لحمام يسخن بشمعة واحدة استمرت ثلاثة قرون بعده، يقول أحد الباحثين أن ذلك تم في سنة 1025هـ، قال «وفيها أرّخ بناء الحمّام الّذي كان من العجائب في أصفهان، والّذي اشتهر انّه من تصميم البهائي في هندسة بنائه، وانّه أوقد تحت خزانته شمعة لم تنطفئ طيلة ثلاث قرون أو أكثر، وكان ماء الحمّام حاراً طيلة تلك المدة.
چون (يكي) از درون برون آمد
(صحت وعافيت) بود تاريخ
وفي التاريخ نكتة تاريخية وهي انّ (يكي) بحساب الجمل تساوي (40) تنقص من حساب جملة (صحت وعافيت) الّتي تساوي 1065، فيكون الباقي 1025[1].
وهكذا كان أيضا في «الإتجاه الرياضي: فكان يسيطر على كثير من محاولاته ومعالجاته لمسائل علمية، وبخاصة لمسائل ما وراء الطبيعة، إعمال البراهين الرياضية، وفي الكشكول أكثر من شاهد على ذلك، ففي عرضه بطلان (اللاتناهي) مثلا فقد استدل ببراهين رياضية وهندسية.
وقد عرض السيد الأمين العاملي في الأعيان[2]تلخيصا لكتابه خلاصة الحساب، بما يشير إلى تفوق هذا العالم وسبقه للكثير من متخصصي هذا العلم، كما نقل ما ذكره الدكتور جلال شوقي الأستاذ بكلية الهندسة في جامعة القاهرة الذي شرح في كتاب الأعمال الرياضية لبهاء الدين العاملي بعض نظريات الشيخ البهائي، المطبوع في تلك الفترة في بيروت.
[1]الخرسان؛ السيد محمد مهدي في مقدمة الكشكول للبهائي، نسخة الكترونية قرئت من موقع www.h صلى الله عليه وآله y رحمة الله صلى الله عليه وآله ry صلى الله عليه وآله .com بتاريخ 8/2/2012.
[2]الأمين، السيد محسن: أعيان الشيعة 9. 237.
و «في علوم الكيمياء والفيزياء والرادار: فقد أثر عنه انّه استطاع تحطيم الذرّة، والسيطرة على طاقتها، مستخدماً لها في الحاجات، كما توصل إلى اكتشاف قوانين الانعكسات الصوتية (الصدى) وتطبيق النظرية عملياً في تصميم بناء بعض مساجد أصفهان الشهيرة (مسجد الشاه)[1]كما وضع قواعد ضغط الماء وتساوي سطوحه»[2].
وقد نسب[3]إليه هندسة بناء (منار جنبان) أي المنارتان المهتزتان في اصفهان، وهما منارتان متباعدتان، إلا أنك لو هززت المنارة الأولى فإن الثانية تهتز بتبع ذلك، إلا أن ما يؤكده البعض لو صح من أنهما قد بنيتا في سنة 716هـ يخالف هذه النسبة[4].
وهكذا الحال ما نسب إليه من بناء مشهد الامام علي عليه السلام في النجف الأشرف، وأنه بترتيب معين، فقد شكك فيه بعضهم تبعا لأن بناء المشهد كان سابقا على ولادة الشيخ البهائي في أيام الصفويين.
وإذا كانت العادة أن من يمتلك العقل الهندسي والرياضي والعلمي الدقيق إلى تلك الدرجة، يكون أشبه بحاسب آلي لا عواطف له ولا مشاعر لانشغاله بالحدود والمعادلات، فإن هذا أمر غير صادق في نموذج الشيخ البهائي، فكلما ازداد دقة في معادلاته الرياضية والهندسية تدفق رقة في مشاعره وأدبياته، ولك أن تأخذ مثالين في ذلك: الأول قصيدته في مدح النبي المصطفى صلى الله عليه وآله ، قالها حين رأى في المنام كما قيل شخص النبي، فأنشا يقول:
[1]يعرف الآن بمسجد الإمام، وقد جربت ذلك عند زيارتي إياه، فعندما تقف على طوبة في وسط المسجد وتتحدث يتردد صدى صوتك مرارا، بينما إذا نزلت عنها وتحدثت يكون صوتك عاديا بلا صدى!.
[2]المصدر السابق.
[3]كما في موقع الحضرة الرضوية
www. صلى الله عليه وآله qr صلى الله عليه وآله z صلى الله عليه وآله vi.org/in رحمة الله عليه السلام x.php?mo رحمة الله ul عليه السلام =p صلى الله عليه وآله g عليه السلام s عليه السلام tt عليه السلام r&func...
[4]www.ic- عليه السلام l.com/m صلى الله عليه وآله g صلى الله عليه وآله zin عليه السلام /no1/ عليه السلام nt عليه السلام rt صلى الله عليه وآله inm عليه السلام nt/m صلى الله عليه وآله in.htm.
وليلة كان بها طالعي
في ذروة السعد واوج الكمال
قصّر طيبُ الوصل من عمرها
فلم تكن الا كحل العقال
واتصل الفجر بها بالعشا
وهكذا عمر ليالي الوصال
اذ اخذت عيني في نومها
وانتبه الطالع بعد الوبال
فزرته في الليل مستعطفا
أفديه بالنفس وأهلي ومال
واشتكي ما أنا فيه البلى
وما ألاقي اليوم من سوء حال
فاظهر العطف على عبده
بمنطق يزري بنظم اللئال
فيا لها من ليلة نلت في
ظلامها ما لم يكن في خيال
أمست خفيفات مطايا الرجا
بها وأضحت بالعطايا ثقال
سقيت في ظلمائها خمرة
صافية صرفا طهورا حلال
وابتهج القلب باهل الحمى
وقرت العين بذاك الجمال
ونلت ما نلت على أنني
ما كنت استوجب ذاك النوال
والأخرى قصيدته المهدوية الرائية، التي وقعت محلا للمعارضة من قبل فحول الشعراء (المتخصصين في هذا الجانب) ومنهم الشيخ أبو البحر جعفر الخطي رحمة الله .
فقد ذكروا أنه في سنة 1016هـ في شهر رجب كان الشيخ البهائي في أصفهان، فوفد عليه أبو البحرالشيخ جعفر الخطي وجماعة من أهل البحرين فأنزلهم بداره وأكرم وفادتهم، وعرض أبو البحر على الشيخ كماله وأدبه، فاقترح عليه الشيخ معارضة قصيدته الرائية (وسيلة الفوز والأمان) والتي تتضمن بعد المطلع المعتاد في الشعر العربي القديم من التغزل بمواطن نجد والجزيرة العربية، ثم التألم من الزمان الذي أخر الشاعر عن مستواه ومقامه، لكي يتخلص منها إلى مدح الامام المهدي عجل الله فرجه، ويذكر صفاته ثم يستنهضه لنصرة دين الحق وتغيير الباطل. ونحن ننقلها لما فيها من عاطفة جياشة، ومعان راقية، ونظم بديع:
سرى البرق من نجد فهيج تذكاري
عهودا بحزوى والعذيب وذي قار
وهيج من أشواقنا كل كامن
وأجج في أحشائنا لاعج النار
ألا يا لييلات الغوير وحاجر
سقيت بهام من بني المزن مدرار
ويا جيرة بالمأزمين خيامهم
عليكم سلام الله من نازح الدار
خليلي ما لي والزمان كأنما
يطالبني في كل وقت بأوتار
فأبعد أحبابي وأخلي مرابعي
وأبدلني من كل صفو بأكدار
وعادل بي من كان أقصى مرامه
من المجد ان يسمو إلى عشر معشاري
أ لم يدر أني لا أذل لخطبه
وان سامني بخسا وأرخص أسعاري
مقامي بفرق الفرقدين فما الذي
يؤثره مسعاه في خفض مقداري
واني امرؤ لا يدرك الدهر غايتي
ولا تصل الأيدي إلى سبر أغواري
أخالط أبناء الزمان بمقتضى
عقولهم كي لا يفوهوا بإنكار
وأظهر اني مثلهم تستفزني
صروف الليالي باحتلاء وامرار
واني ضاوي القلب مستوفز النهى
أسر بيسر أو آمل باعسار
ويضجرني الخطب المهول لقاؤه
ويطربني الشادي بعود ومزمار
ويصمي فؤادي ناهد الثدي كاعب
بأسمر خطار وأحور سحار
وأني سخي بالدموع لوقفة
على طلل بال ودارس أحجار
وما علموا اني امرؤ لا يروعني
توالي الرزايا في عشي وأبكار
إذ دك طود الصبر من وقع حادث
فطود اصطباري شامخ غير منهار
وخطب يزيل الروع أيسر وقعه
كؤود كوخز بالأسنة سعار
تلقيته والحتف دون لقائه
بقلب وقور في الهزاهز صبار
ووجه طليق لا يمل لقاؤه
وصدر رحيب من ورود وإصدار
ولم أبده كي لا يساء لوقعه
صديقي ويأسى من تعسره جاري
ومعضلة دهماء لا يهتدى لها
طريق ولا يهدى إلى ضوئها الساري
تشيب النواصي دون حل رموزها
ويحجم عن أغوارها كل مغوار
أجلت جياد الفكر في حلباتها
ووجهت تلقاها صوائب انظاري
فأبرزت من مستورها كل غامض
وثقفت منها كل قسور سوار
أأضرع للبلوى وأغضي على القذى
وأرضى بما يرضى به كل مخوار
وأفرح من دهري بلذة ساعة
واقنع من عيشي بقرص وأطمار
إذاَ لا ورى زندي ولا عز جانبي
ولا بزغت في قمة المجد أقماري
ولا بل كفي بالسماح ولا سرت
بطيب أحاديثي الركاب وأخباري
ولا انتشرت في الخافقين فضائلي
ولا كان في المهدي رائق أشعاري
خليفة رب العالمين وظله على
ساكني الغبراء من كل ديار
هو العروة الوثقى الذي من بذيله
تمسك لا يخشى عظائم أوزار
امام هدى لاذ الزمان بظله
والقى اليه الدهر مقود خوار
ومقتدر لو كلف الصم نطقها
بأجذارها فاهت اليه بأجذار
علوم الورى في جنب أبحر علمه
كغرفة كف أو كغمسة منقار
فلو زار أفلاطون أعتاب قدسه
ولم يعشه عنها سواطع أنوار
رأى حكمة قدسية لا يشوبها
شوائب انظار وأدناس أفكار
باشراقها كل العوامل أشرقت
لما لاح في الكونين من نورها الساري
امام الورى طود النهى منبع الهدى
وصاحب سر الله في هذه الدار
به العالم السفلي يسمو ويعتلي
على العالم العلوي من غير انكار
ومنه العقول العشر تبغي كمالها
وليس عليها في التعلم من عار
همام لو السبع الطباق تطابقت
على نقض ما يقضيه من حكمه الجاري
لنكس من أبراجها كل شامخ
وسكن من أفلاكها كل دوار
ولانتثرت منها الثوابت خيفة
وعاف السرى في سورها كل سيار
أ يا حجة الله الذي ليس جاريا
بغير الذي يرضاه سابق أقدار
ويا من مقاليد الزمان بكفه
وناهيك من مجد به خصه الباري
أغث حوزة الايمان واعمر ربوعه
فلم يبق منها غير دارس آثار
وأنقذ كتاب الله من يد عصبة
عصوا وتمادوا في عتو واصرار
يحيدون عن آياته لرواية
رواها أبو شعيون عن كعب الأحبار
وفي الدين قد قاسوا وعاثوا وخبطوا
بآرائهم تخبيط عشواء معسار
وانعش قلوبا في انتظارك قرحت
وأضجرها الأعداء أية اضجار
وخلص عباد الله من كل غاشم
وطهر بلاد الله من كل كفار
وعجل فداك العالمون بأسرهم
وبادر على اسم الله من غير إنظار
تجد من جنود الله خير كتائب
وأكرم أعوان وأشرف أنصار
بهم من بني همدان أخلص فتية
يخوضون أغمار الوغى غير فكار
بكل شديد البأس عبل شمر دل
إلى الحتف مقدام على الهول صبار
تحاذره الأبطال في كل موقف
وترهبه الفرسان في كل مضمار
أيا صفوة الرحمن دونك مدحة
كدرّ عقود في ترائب أبكار
يهنى ابن هاني إن أتى بنظيرها
ويعنو لها الطائي من بعد بشار
إليك البهائي الحقير يزفها
كغانية مياسة القد معطار
تغار إذا قيست لطافة نظمها
بنفحة أزهار ونسمة أسحار
إذا رددت زادت قبولا كأنها
أحاديث نجد لا تمل بتكرار
وقال: قد أمهلتك شهراً على معارضتها، وكان أبو البحر بديهي النظم فقال: بل يوماً، بل في مجلسي هذا، ثمّ اعتزل ناحية، وأنشأ قصيدة في 55 بيتاً وأعطاها لراوية شعره الغنوي فقام وأنشدها ومطلعها:
هي الدار تستسقيك مدمعك الجاري
فسقياً فأجدى الدمع ما كان للدار
إلى أن قال فيها مادحاً للشيخ البهائي:
إلى ماجد يعزى إذا انتسب الورى
إلى معشر بيض أماجد أخيار
ومضطلع بالفضل زرّ قميصه
على كنز آثار وعيبة أسرار
سمي النبيّ المصطفى وأمينه
على الدين في ايراد حكم واصدار
به قام بعد الميل وانتصبت
دعائم قد كانت على جرف هار
واستمر بمدحه إلى قوله:
جُهلت على معروف فضلي فلم يكن
سواه من الأقوام يعرف مقداري
فقال الشيخ وهو يشير إلى جماعة من سادات البحرين وأعيانهم: وهؤلاء يعرفون قدرك إن شاء الله، واستمر الغنوي في انشاد بقية القصيدة، وقد عرج فيها على مدح صاحب الزمان عليه السلام حتّى أتى على آخرها. وقد استحسن الشيخ البهائي نظم أبي البحر الخطي أيما استحسان.
وقد بلغت قصيدته الرائية تلك من الاشتهار، أن صار محلا للمعارضة والمجاراة من الشعراء المعاصرين له كأبي البحر كما سبق، والمتأخرين عنه كالعلامة السيد علي بن خلف المشعشعي الحويزي بقصيدة مهدوية مطلعها:
هي الدار ما بين العذيب وذيقار
عفت غير سحم ماثلات وأحجار
وممن جاراها: الشاعر الفاضل علي بن زيدان العاملي المتوفى (1260هـ) بمعركة وله عقب هنالك، جارى قصيدة شيخنا البهائيبقصيدة اولها:
حنانيك هل في وقفة ايها الساري
على الدار في حكم الصبابة من عار[1]
وقد شطر القصيدة السيد عبد الله البحراني الموسوي.
[1]الأميني؛ عبد الحسين: الغدير 11/279.