ولم يكتف الخليفة عمر بهذا بل منع الصحابة الذين يسافرون خارج المدينة للغزو أو التبليغ عن إشاعة الحديث، وأكد عليهم أن لا يشغلوا الناس بغير القرآن!! فعن قرظة بن كعب: قال خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى صرار[1]فتوضأ فغسل اثنتين ثم قال أتدرون لم مشيت معكم قالوا نعم نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت معنا!
فقال إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم! جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم امضوا وأنا شريككم فلما قدم قرظة قالوا حدثنا قال نهانا عمر بن الخطاب.[2]
وفي المقابل كان الامام علي عليه السلام ومن سار في خطه من الصحابة وبني هاشم يحرصون على تدوين سنة النبي صلى الله عليه وآله ، ويؤكدون على حفظها، وكان ذلك انسجاما مع توجيهات النبي حيث كان يتم التأكيد على (استعن بيمينك) و(قيدوا العلم بالكتابة).وكانت أحاديث النبي المكتوبة عندهم تساوي قيمة كثيرة كما يشير إليها حديث فاطمة الزهراء عليها السلام، فعن ابن مسعود، قال: جاء رجل إلى فاطمةC فقال: يا ابنة رسول الله، هل ترك رسول الله صلى الله عليه وآله عندك شيئا: تطرفينيه[3]. فقالت: يا جارية، هات تلك الحريرة! فطلبتها فلم تجدها، فقالت: ويحك اطلبيها، فإنها تعدل عندي حسنا وحسينا.[4]
ولذا فقد كان لدى أهل البيت عليهم السلام عدد من الصحف والأحاديث التي احتوت على علم رسول الله صلى الله عليه وآله وكانوا يتوارثونها كما صرحوا بذلك في مواضع مختلفة
[1]موضع ماء خارج المدينة في طريق القوافل إلى العراق.
[2]ابن عبد البر؛ جامع بيان العلم وفضله 2. 120.
[3]أي تهدينه إلي.
[4]دلائل الامامة - محمد بن جرير الطبري (الشيعي). 65.
وأشاروا إليها، فنلاحظ أنه يرد ذكر كتاب علي عليه السلام بإملاء رسول الله وخط علي، ومنها صحيفة الجامعة وكتاب الجفر.
واستمر أتباع أهل البيت في التدوين وكتابة أحاديث الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وشهد هذا الأمر تطورا واضحا أيام الإمام الصادق عليه السلام ، حيث كان له من التلامذة العدد الكبير في المدينة والكوفة حين نزلها وصارت مصنفاتهم أرضية الجوامع الحديثية الكبرى فيما بعد.
بينما بقي خط الخلافة الرسمي على موقفه في رفض التدوين للسنة النبوية، وبطبيعة الحال لم يكن يعترف بإمامة الأئمة فلم ينقل عنهم رواياتهم، واستمر ذلك إلى أيام الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز سنة 99هـ، حيث أمر بأن يتم تدوين حديث رسول الله. وهذا وإن كان عملا حسنا إلا أنه جاء متأخرا جدا، وذلك أن كثيرا من الأحاديث قد ماتت بموت حفظتها ورواتها حيث لم يدونوها ولم تنقل عنهم إذ أن النهي في العصور الأولى امتد إلى منع الحديث. كما أن الفترة الأموية الأولى شهدت حركة وضع للأحاديث لتأييد النهج الأموي[1].
وفي منتصف القرن الثالث الهجري وجدنا أول المصنفات الحديثية تعتمدها الدولة مثلما كان كتاب الموطأ، حيث أمر المهدي العباسي، مالكا بن أنس أن يصنف كتابا لكي يحمل الأمة عليه! وقيل إن الذي أمره بذلك كان أبا جعفر المنصور العباسي[2].
وبالرغم من وجود مصنفين إلى جانب مالك بن أنس، إلا أن كتبهم ومصنفاتهم لم تتداول ولم تبق.
وبعد ذلك بمدة صنف إمام المذهب الحنبلي أحمد بن حنبل المتوفى سنة
[1]للتفصيل يراجع كتاب أضواء على السنة المحمدية للشيخ محمود أبو رية.
[2]ذكر كلا الروايتين محمد بن جرير الطبري في كتابه المنتخب من ذيل المذيل 143.
(241هـ) كتابه (مسند أحمد)، وجاء بعد ذلك دور أصحاب الجوامع الحديثية الكبرى بدءا من البخاري (ت 256هـ) وبعده أصحاب الكتب الستة كمسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي وأبي داود.
هذا في الوقت الذي بلغت فيه كتب الإمامية وأصولهم الحديثية إلى ذلك الوقت (زمان الغيبة الصغرى) ما يقرب من (6000) كتاب، أهمها ما عرف بـ (الأصول الأربعمائة)، تلك الكتب وهذه الأصول كانت أرضية تأليف المجموعات الحديثية الكبرى لدى الإمامية.
فقام الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ت 329هـ) بتأليف كتابه الكافي وقد تقدم الحديث عن الكليني والكافي، وتلاه في التصنيف الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المعروف بالصدوق (ت 381هـ)، وألف كتاب (فقيه من لا يحضره الفقيه)، وتلاهما الشيخ محمد بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة (ت 460هـ) وألف كتابيه (تهذيب الأحكام) وهو شرح استدلالي روائي على كتاب استاذه الشيخ المفيد (المقنعة)، والآخر (الاستبصار في ما اختلف من الأخبار) في الجمع بين ما ظاهره التنافي بين أخبار أهل البيت عليهم السلام .
وبقيت تلك الكتب عليها مدار البحث العلمي الفقهي خصوصا عدة قرون إلى أن جاء شيخنا المترجم الحر العاملي، وألف كتاب (وسائل الشيعة) فتقدم من الناحية العملية في الاستفادة منه على الكتب التي كانت أساسا له. وسيأتي حديث عن هذا الكتاب بعد الحديث عن مؤلفه.
المحدث محمد بن الحسن الحر العاملي:
كانت ولادته في سنة 1033هـ في بلدة مشغرة من الجنوب اللبناني، كما ذكر
ذلك مترجمو حياته. ويرجع نسبه إلى الحر بن يزيد الرياحي الشهيد في كربلاء[1]، وهنا ينبغي أن نشير إلى نقاط:
منها أن تأثير الأنساب والأسر الطيبة في الأبناء والأحفاد، مما لا يكاد ينكر وهو وإن لم يكن حتميا وضروريا، بمعنى صلاح كل من أنجبوا، إلا أن التأثير ذاك بنحو الاقتضاء وأنه أحد العوامل، مما لا ينبغي إنكاره، بل تشير حقيقة تأثر الأبناء بصفات الآباء وقوانين الوراثة (حتى في غير الصفات البدنية) وتدل عليه التجربة والاستقراء الاجتماعي. ويمكن تفسير ما ورد من الروايات الكثيرة في اختيار من أنجبتهم الأسر الطيبة، في الزواج والمسؤوليات الاجتماعية[2]بهذا المعنى.
ومنها تأييد ما ذكره بعض المحققين من أن نشوء التشيع في لبنان، كان على أثر هجرة قبائل شيعية في فترات مختلفة بدأت في العصر الأموي، حين اشتد الضغط على شيعة الامام علي عليه السلام في الكوفة، فهاجرت تلك القبائل إلى الشمال السوري واللبناني ثم الجنوب، ومن خلال استقرارها في تلك المناطق انتشر التشيع[3].
وبنو رياح وهم أسلاف الحر العاملي تميميون هاجروا إلى جنوب لبنان، وإن
[1]الحر بن يزيد الرياحي اليربوعي: قائد عسكري، من بني تميم بعثه عبيد الله بن زياد أيام ولايته على الكوفة، على رأس فرقة مقاتلة ((1000 رجل، للقبض على الإمام الحسين قبل وصوله إلى الكوفة، فتقابلا في منطقة (ذو حسم( ولم يحصل بينه وبين الامام قتال، وإنما ظل يساير الحسين إلى أن وصلا إلى كربلاء، وانتهى به الأمر في يوم عاشوراء بعد أن رأى عددا من مواقف الطرفين إلى أن أصبح في جيش الإمام الحسين وقاتل ضد الأمويين واستشهد إلى جانب أصحاب الحسين سنة 61هـ، وكان مثال التوبة والانتقال من معسكر الضلالة إلى الهداية. له قبر ومشهد في ضواحي كربلاء.
[2]في وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لمالك الأشتر وعهده إليه كما في نهج البلاغة 3. 91: ثم ألصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة. ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف.
[3]المهاجر: الشيخ علي، التأسيس لتاريخ التشيع في سورية ولبنان، ويراجع أيضا كتاب صفحات من التاريخ السياسي للشيعة، لكاتب هذه السطور.
كنا لا نعلم عن التاريخ الدقيق عن هجرتهم إلا أن ذلك لا يضر بأصل الفكرة بل يعتبر شاهدا عليها.
وقد ترجم حياته في كتابه (أمل الآمل في أحوال علماء جبل عامل)، مبينا أن دراسته كانت على يد والده وكان عالما فاضلا بل قيل إنه أعلم أهل مصره في الشرعيات، وعمه وجده وخال أبيه، وبقي في تلك البلدة إلى أن بلغ أربعين سنة.
وبعدها سافر إلى العراق لزيارة المراقد المقدسة للأئمة عليهم السلام ، وثنى بالسفر إلى إيران حيث سيحط في آخر الأمر بحدود سنة 1073هـ بطوس ومشهد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، وسيجاور مقيما هناك إلى أن توفي.
وقد قيل[1]إنه في أثناء سفره إلى مشهد الرضا مرّ في طريقه بمدينة اصفهان حاضرة إيران في ذلك الوقت وحصل له هناك عدة قضايا تعرب عن منزلته العلمية والأخلاقية. فقد التقى بالعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي صاحب كتاب بحار الأنوار، وقد أجاز كل منهما الآخر أن يروي عنه.وهي التي تسمى بـ (الاجازة المدبجة).
كما يعرب عن سرعة بديهته وكمال جرأته ما حصل بينه وبين الشاه الصفوي في حينه، فقد حكي إنه ذهب - أثناء إقامته بأصفهان - إلى مسجد الشاه سليمان الصفوي، فدخل بدون استئذان، وجلس على ناحية من المسند الذي كان الشاه جالسا عليه، فسأل عنه الشاه فأخبر إنه عالم جليل من علماء العرب، يدعى محمد بن الحسن الحر العاملي، فالتفت إليه وقال: (فرق ميان حر وخر چقدراست) أي: كم هو الفرق بين حُر و خَر؟ وخر بالفارسية معناها الحمار و حُر هو اسم الشيخ. فقال له الشيخ على الفور: (يك متكى) أي مخدة واحدة، فعجب الشاه من جرأته
[1]وسائل الشيعة ;طبعة آل البيت ج 1 - ص 78 مقدمة التحقيق.
وسرعة جوابه[1].
ومع وصوله إلى مشهد الامام الرضا، تحلق حوله طلاب العلم والحديث وكان بارعا فيه، حيث يعد من أعلام المدرسة الأخبارية وسيأتي حديث عنها في موضع آخرـ وتتبين براعته في هذا الفن من خلال استعراض كتبه المتعددة وهي لا تخرج عن هذا غالبا.
وقد أذعن سائر العلماء بعلو كعبه في العلم، ولذلك فقد أسند إليه منصب قاضي القضاة وعُد شيخ الإسلام في تلك الديار.
كتبه ومؤلفاته:
ذكر الحر العاملي نفسه في كتابه (أمل الآمل) أن عدد كتبه 22 كتابا، وعدها غيره بأنها (24) وقد يكون ذلك لتداخل بعض الأسماء.
أشهر كتبه وأكثرها نفعا حتى اليوم، كتاب تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، المعروف حاليا بوسائل الشيعة.
وقد وصفه بأنه يشتمل على «جميع أحاديث الأحكام الشرعية الموجودة في الكتب الأربعة وسائر الكتب المعتمدة أكثر من سبعين كتابا، مع ذكر الأسانيد وأسماء الكتب وحسن الترتيب وذكر وجوه الجمع مع الاختصار، وكون كل مسألة لها باب على حدة بقدر الامكان «[2].
وقد استغرق في تأليف هذا الكتاب مدة 18 سنة، وراجعه كما قيل ثلاث مرات.وإذا كان قد تم تأليفه سنة (1088هـ) فهذا يعني أنه قد بدأ في تأليفه منذ كان في بلده في مشغرة أي حوالي سنة (1070هـ)، وقبل بداية سفره باتجاه العراق ثم
[1]وسائل الشيعة (آل البيت ج 1 - ص 79 مقدمة التحقيق.
[2]العاملي، الحر: أمل الآمل 1. 142.
إيران. وفيه ميزات كثيرة نشير إلى بعضها.
من حيث العدد يحتوي الكتاب على (35868) حديثا، وقد اشتمل على كل الأبواب الفقهية،وإضافة إلى ذلك فقد جمع ما تفرق في الكتب الأربعة المعروفة لدى الإمامية، بل وغيرها كما تقدم نقل كلامه، وبالتالي فهو يغني غالبا عنها في أبواب الفقه..
وهذا العدد الكبير من الأحاديث نقله مسنَدا، وإذا كان له أكثر من سنَد أشار إليه مما يسهل للفقيه مهمة المقارنة بين الأسانيد ومناقشتها.وقد أشار إلى فائدة ذلك فقال: ومن طالعه اطلع على ما اتفق لجماعة من الأصحاب في هذا الباب، مثل: حكمهم على كثير من الروايات بأنها ضعيفة. مع وجودها بطرق أخرى، هي عندهم - أيضا - صحيحة. ودعواهم في كثير من المسائل أنها غير منصوصة. مع ورودها في نصوص صريحة. وحصرهم لأدلة بعض المسائل في حديث واحد، أو أحاديث يسيرة. مع كون النصوص عليها كثيرة[1].
«ومن ميزاته الهامة أنه جمع في كل باب، كل الأشباه والنظائر من الأحاديث فيجد الباحث في مكان واحد الأحاديث المتفقة سندا ومتنا، مجموعة في باب واحد متقاربة، فيكون بإمكانه الوقوف على القرائن المؤدية إلى تصحيح المتن أو السند أو كليهما بسهولة تامة وملاحظة سريعة»[2].
وبالرغم من أن الحر العاملي لما كان على مسلك المحدثين الأخباريين فهو ممن يعتقد بـ (صحة أحاديث الكتب المعتمدة) وبوجوب العمل بها، وبضعف الاصطلاح الجديد في تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وموثق وضعيف، الذي تجدد في زمن العلامة[3]. وقد أورد في الفائدة التاسعة من الخاتمة عشرين
[1]وسائل الشيعة 1. 7.
[2]الجلالي: السيد محمد رضا الحسيني، في مقدمة خاتمة الوسائل 30. 9 طبعة آل البيت.
[3]العاملي: الحر؛ خاتمة الوسائل 30. الفائدة التاسعة 252.
وجها في الاستدلال على صحة الأحاديث المنقولة عن الكتب تلك.
إلا أن ذلك لا يعني اكتفاءه بمسلكه ذاك، وإنما يلاحظ أنه غالبا يرتب الأحاديث في كل باب بادءا بالحديث (الصحيح حتى عند أهل الاصطلاح الجديد)، ولذا يكون الكتاب مفيدا للجميع حتى من لا يقبل مسلك المحدثين.
كتبه الأخرى:
وقد أشار إلى سائر كتبه في كتابه (أمل الآمل) مع بيان موضوعها، ونحن ننقلها من ذلك الكتاب:
فمنها:
كتاب الجواهر السنية في الأحاديث القدسية
الصحيفة الثانية من أدعية علي بن الحسين عليه السلام الخارجة عن الصحيفة الكاملة.
الفصول المهمة في أصول الأئمة عليهم السلام تشتمل على القواعد الكلية المنصوصة في أصول الدين وأصول الفقه وفروع الفقه وفى الطب ونوادر الكليات.
هداية الأمة إلى أحكام الأئمة عليهم السلام ، ثلاث مجلدات صغيرة منتخبة (من وسائل الشيعة).
الفوائد الطوسية، خرج منه مجلد يشتمل على مائة فائدة في مطالب متفرقة، (وهي عشر رسائل).
إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، مجلدان، يشتمل على أكثر من عشرين ألف حديث وأسانيد تقارب سبعين ألف سند منقولة من جميع كتب الخاصة والعامة.