كنا لا نعلم عن التاريخ الدقيق عن هجرتهم إلا أن ذلك لا يضر بأصل الفكرة بل يعتبر شاهدا عليها.
وقد ترجم حياته في كتابه (أمل الآمل في أحوال علماء جبل عامل)، مبينا أن دراسته كانت على يد والده وكان عالما فاضلا بل قيل إنه أعلم أهل مصره في الشرعيات، وعمه وجده وخال أبيه، وبقي في تلك البلدة إلى أن بلغ أربعين سنة.
وبعدها سافر إلى العراق لزيارة المراقد المقدسة للأئمة عليهم السلام ، وثنى بالسفر إلى إيران حيث سيحط في آخر الأمر بحدود سنة 1073هـ بطوس ومشهد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، وسيجاور مقيما هناك إلى أن توفي.
وقد قيل[1]إنه في أثناء سفره إلى مشهد الرضا مرّ في طريقه بمدينة اصفهان حاضرة إيران في ذلك الوقت وحصل له هناك عدة قضايا تعرب عن منزلته العلمية والأخلاقية. فقد التقى بالعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي صاحب كتاب بحار الأنوار، وقد أجاز كل منهما الآخر أن يروي عنه.وهي التي تسمى بـ (الاجازة المدبجة).
كما يعرب عن سرعة بديهته وكمال جرأته ما حصل بينه وبين الشاه الصفوي في حينه، فقد حكي إنه ذهب - أثناء إقامته بأصفهان - إلى مسجد الشاه سليمان الصفوي، فدخل بدون استئذان، وجلس على ناحية من المسند الذي كان الشاه جالسا عليه، فسأل عنه الشاه فأخبر إنه عالم جليل من علماء العرب، يدعى محمد بن الحسن الحر العاملي، فالتفت إليه وقال: (فرق ميان حر وخر چقدراست) أي: كم هو الفرق بين حُر و خَر؟ وخر بالفارسية معناها الحمار و حُر هو اسم الشيخ. فقال له الشيخ على الفور: (يك متكى) أي مخدة واحدة، فعجب الشاه من جرأته
[1]وسائل الشيعة ;طبعة آل البيت ج 1 - ص 78 مقدمة التحقيق.
وسرعة جوابه[1].
ومع وصوله إلى مشهد الامام الرضا، تحلق حوله طلاب العلم والحديث وكان بارعا فيه، حيث يعد من أعلام المدرسة الأخبارية وسيأتي حديث عنها في موضع آخرـ وتتبين براعته في هذا الفن من خلال استعراض كتبه المتعددة وهي لا تخرج عن هذا غالبا.
وقد أذعن سائر العلماء بعلو كعبه في العلم، ولذلك فقد أسند إليه منصب قاضي القضاة وعُد شيخ الإسلام في تلك الديار.
كتبه ومؤلفاته:
ذكر الحر العاملي نفسه في كتابه (أمل الآمل) أن عدد كتبه 22 كتابا، وعدها غيره بأنها (24) وقد يكون ذلك لتداخل بعض الأسماء.
أشهر كتبه وأكثرها نفعا حتى اليوم، كتاب تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، المعروف حاليا بوسائل الشيعة.
وقد وصفه بأنه يشتمل على «جميع أحاديث الأحكام الشرعية الموجودة في الكتب الأربعة وسائر الكتب المعتمدة أكثر من سبعين كتابا، مع ذكر الأسانيد وأسماء الكتب وحسن الترتيب وذكر وجوه الجمع مع الاختصار، وكون كل مسألة لها باب على حدة بقدر الامكان «[2].
وقد استغرق في تأليف هذا الكتاب مدة 18 سنة، وراجعه كما قيل ثلاث مرات.وإذا كان قد تم تأليفه سنة (1088هـ) فهذا يعني أنه قد بدأ في تأليفه منذ كان في بلده في مشغرة أي حوالي سنة (1070هـ)، وقبل بداية سفره باتجاه العراق ثم
[1]وسائل الشيعة (آل البيت ج 1 - ص 79 مقدمة التحقيق.
[2]العاملي، الحر: أمل الآمل 1. 142.
إيران. وفيه ميزات كثيرة نشير إلى بعضها.
من حيث العدد يحتوي الكتاب على (35868) حديثا، وقد اشتمل على كل الأبواب الفقهية،وإضافة إلى ذلك فقد جمع ما تفرق في الكتب الأربعة المعروفة لدى الإمامية، بل وغيرها كما تقدم نقل كلامه، وبالتالي فهو يغني غالبا عنها في أبواب الفقه..
وهذا العدد الكبير من الأحاديث نقله مسنَدا، وإذا كان له أكثر من سنَد أشار إليه مما يسهل للفقيه مهمة المقارنة بين الأسانيد ومناقشتها.وقد أشار إلى فائدة ذلك فقال: ومن طالعه اطلع على ما اتفق لجماعة من الأصحاب في هذا الباب، مثل: حكمهم على كثير من الروايات بأنها ضعيفة. مع وجودها بطرق أخرى، هي عندهم - أيضا - صحيحة. ودعواهم في كثير من المسائل أنها غير منصوصة. مع ورودها في نصوص صريحة. وحصرهم لأدلة بعض المسائل في حديث واحد، أو أحاديث يسيرة. مع كون النصوص عليها كثيرة[1].
«ومن ميزاته الهامة أنه جمع في كل باب، كل الأشباه والنظائر من الأحاديث فيجد الباحث في مكان واحد الأحاديث المتفقة سندا ومتنا، مجموعة في باب واحد متقاربة، فيكون بإمكانه الوقوف على القرائن المؤدية إلى تصحيح المتن أو السند أو كليهما بسهولة تامة وملاحظة سريعة»[2].
وبالرغم من أن الحر العاملي لما كان على مسلك المحدثين الأخباريين فهو ممن يعتقد بـ (صحة أحاديث الكتب المعتمدة) وبوجوب العمل بها، وبضعف الاصطلاح الجديد في تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وموثق وضعيف، الذي تجدد في زمن العلامة[3]. وقد أورد في الفائدة التاسعة من الخاتمة عشرين
[1]وسائل الشيعة 1. 7.
[2]الجلالي: السيد محمد رضا الحسيني، في مقدمة خاتمة الوسائل 30. 9 طبعة آل البيت.
[3]العاملي: الحر؛ خاتمة الوسائل 30. الفائدة التاسعة 252.
وجها في الاستدلال على صحة الأحاديث المنقولة عن الكتب تلك.
إلا أن ذلك لا يعني اكتفاءه بمسلكه ذاك، وإنما يلاحظ أنه غالبا يرتب الأحاديث في كل باب بادءا بالحديث (الصحيح حتى عند أهل الاصطلاح الجديد)، ولذا يكون الكتاب مفيدا للجميع حتى من لا يقبل مسلك المحدثين.
كتبه الأخرى:
وقد أشار إلى سائر كتبه في كتابه (أمل الآمل) مع بيان موضوعها، ونحن ننقلها من ذلك الكتاب:
فمنها:
كتاب الجواهر السنية في الأحاديث القدسية
الصحيفة الثانية من أدعية علي بن الحسين عليه السلام الخارجة عن الصحيفة الكاملة.
الفصول المهمة في أصول الأئمة عليهم السلام تشتمل على القواعد الكلية المنصوصة في أصول الدين وأصول الفقه وفروع الفقه وفى الطب ونوادر الكليات.
هداية الأمة إلى أحكام الأئمة عليهم السلام ، ثلاث مجلدات صغيرة منتخبة (من وسائل الشيعة).
الفوائد الطوسية، خرج منه مجلد يشتمل على مائة فائدة في مطالب متفرقة، (وهي عشر رسائل).
إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، مجلدان، يشتمل على أكثر من عشرين ألف حديث وأسانيد تقارب سبعين ألف سند منقولة من جميع كتب الخاصة والعامة.
فهرست وسائل الشيعة، يشتمل على عنوان الأبواب وعدد أحاديث كل باب ومضمون الأحاديث، مجلد واحد، ولاشتماله على جميع ما روي من فتاواهم عليهم السلام سماه كتاب من لا يحضره الامام.
أمل الآمل في علماء جبل عامل.
رسالة في الرجعة سماها الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة وفيها اثنا عشر بابا تشتمل على أكثر من ستمائة حديث وأربع وستين آية من القرآن (وأدلة كثيرة) وعبارات المتقدمين والمتأخرين وجواب الشبهات وغير ذلك.
رسالة في الرد على الصوفية تشتمل على اثنى عشر بابا واثني عشر فصلا فيها نحو ألف حديث في الرد عليهم عموما وخصوصا في كل ما اختصوا به.
رسالة في تسمية المهدي عليه السلام سماها كشف التعمية في حكم التسمية.
رسالة الجمعة في جواب من رد أدلة الشهيد الثاني في رسالته في الجمعة.
رسالة في الاجماع سماها نزهة الاسماع في حكم الاجماع.
رسالة في خلق الكافر وما يناسبه.
رسالة تواتر القرآن.
رسالة الرجال.
رسالة أحوال الصحابة.
رسالة في تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان.
رسالة في الواجبات والمحرمات المنصوصة من أول الفقه إلى آخره في نهاية الاختصار سماها بداية الهداية وقال في آخرها: فصارت الواجبات ألفا وخمسمائة وخمسة وثلاثين والمحرمات ألفا وأربعمائة وثمانية وأربعين.
رسالة في أحواله.
رسالة في الوصية لولده.
كتاب العربية العلوية واللغة المروية
ديوان شعر يقارب عشرين ألف بيت أكثره في مدح النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ، وفيه منظومة في المواريث، ومنظومة في الزكاة، ومنظومة في الهندسة، ومنظومة في تاريخ النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام .
في سنة 1104هـ، وفي جوار الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، توفي محمد بن الحسن الحر العاملي المشغري، ودفن في جوار المشهد، ومع التوسعة العمرانية للمشهد أصبح قبره في داخل المشهد وهو ظاهر للعيان يتوافد إليه أهل العلم يترحمون عليه ويقرؤون له القرآن.
غواص بحار الأنوار:العلامة المجلسي
محمد باقر بن محمد تقي
1037- 1111هـ
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
يمكن القول أن توجيه النبي صلى الله عليه وآله وحديثه المشهور (من حفظ من أمتي أربعين حديثا بعثه الله عالما) لم يكن الغرض منه مجرد الحفظ والترديد بحيث يتحول المسلم الحافظ إلى آلة تسجيل، بقدر ما كان الغرض منه حفظه (عن الضياع) ونقله (بين الأجيال) الأمر الذي يؤدي إلى تراكم (المعرفة).
ولهذا كان مهمّاً أن يحفظه الحافظون في كل مرحلة بغض النظر عن قدرتهم على الاستفادة منه بالكامل في تلك المرحلة. فـ (رب حامل علم إلى من هو أعلم منه)[1]، و(رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)[2].
بل يمكن القول أن المعرفة الانسانية ما كان لها أن تصل إلى ما وصلت إليه، لولا وجود عنصر الحفظ لعلم السابقين والبناء عليه من قبل اللاحقين. إذ بدون ذلك يتعين على العالم أن يبدأ دوما من نقطة الصفر، ومن المبادئ التصورية لكل علم، حتى ينتقل منها إلى المراحل التالية، وقد ينتهي عمره دون أن يصل إلى ما ينبغي أن يصل إليه. غير أن وجود هذا التراكم العلمي المحفوظ، جعل العلماء اللاحقين يبنون على القواعد تلك ما وصلوا إليه من النتائج، فكان أن تطورت المعرفة البشرية.
[1]الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وآله في المعجمين الأوسط والصغير.
[2]الكليني في الكافي 1. 403.