يمكن القول أن توجيه النبي صلى الله عليه وآله وحديثه المشهور (من حفظ من أمتي أربعين حديثا بعثه الله عالما) لم يكن الغرض منه مجرد الحفظ والترديد بحيث يتحول المسلم الحافظ إلى آلة تسجيل، بقدر ما كان الغرض منه حفظه (عن الضياع) ونقله (بين الأجيال) الأمر الذي يؤدي إلى تراكم (المعرفة).
ولهذا كان مهمّاً أن يحفظه الحافظون في كل مرحلة بغض النظر عن قدرتهم على الاستفادة منه بالكامل في تلك المرحلة. فـ (رب حامل علم إلى من هو أعلم منه)[1]، و(رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)[2].
بل يمكن القول أن المعرفة الانسانية ما كان لها أن تصل إلى ما وصلت إليه، لولا وجود عنصر الحفظ لعلم السابقين والبناء عليه من قبل اللاحقين. إذ بدون ذلك يتعين على العالم أن يبدأ دوما من نقطة الصفر، ومن المبادئ التصورية لكل علم، حتى ينتقل منها إلى المراحل التالية، وقد ينتهي عمره دون أن يصل إلى ما ينبغي أن يصل إليه. غير أن وجود هذا التراكم العلمي المحفوظ، جعل العلماء اللاحقين يبنون على القواعد تلك ما وصلوا إليه من النتائج، فكان أن تطورت المعرفة البشرية.
[1]الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وآله في المعجمين الأوسط والصغير.
[2]الكليني في الكافي 1. 403.
وإذا كان هذا المعنى صادقا في المعارف البشرية، فإنه أوضح في المعارف الصادرة عن الوحي بصورة مباشرة وغير مباشرة فكان حفظ القرآن مهما ومطلوبا، وكان حفظ الحديث النبوي والإمامي شيئا لازما.
وبالرغم من أن هذا الثاني -حفظ الحديث النبوي والامامي- تعتريه المصاعب، لأجل أنه ليس كل ما نقل عن النبي أو الامام C، صحيح النسبة إليه، أو معروف الجهة والدلالة. ويحتاج بلا شك إلى بذل الجهد للاطمئنان أو (الظن الخاص) إلى صدوره، وانتسابه.
إلا أن هذه هي مرحلة أخرى بعد الجمع والحفظ إذ لو أريد إجراء مقص النقد والتدقيق حين الجمع، ومن المعلوم أن هذا يتأثر بمستوى وتوجه الناقد والمدقق لضاع الكثير من ذلك التراث والعلم بناء على أنه ليس صحيحا في رأي هذا الناقد الجامع. ولكن الصحيح هو أن يجمع ما وصل إلى العالم من تراث ومعارف، ثم تأتي المرحلة الثانية بعمله هو أو عمل الجيل الذي بعده، ليتم القيام بالنقد والتحقيق والتصحيح والتضعيف، ويأتي جيل آخر ليناقش نفس (العمل المجموع أولا) فربما وصل إلى نفس النتائج وربما ضيقها أو وسعها.
فيبقى لدى الأمة مساحة واسعة من العلم الذي بقي منذ القدم، وتراكم، وحُفظ، ويأتي الباحثون بعد ذلك ليحققوا فيه.
وهذا هو العمل المهم الذي قام به العلامة المولى محمد باقر بن الشيخ محمد تقي المجلسي رحمة الله . في موسوعته الضخمة المسماة (بحار الأنوار: الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار).
فإنه وخلال عشرين سنة من عمره بدأ يجمع ما كان في الكتب المتداولة المشهورة، ولم يكتف بذلك وإنما بدأ يبحث عن الكتب المغيبة لأجل استيلاء القمع السياسي والفكري، والمغمورة لأجل قلة الاعتناء بها، ومجهولة القدر
لأجل انصراف طلبة العلم عنها، واستعان في ذلك بجماعة من الاخوان سافروا في مختلف البلاد لتحصيلها وشرائها واستنساخها، ما يذكرنا اليوم بما تقوم به المؤسسات البحثية والعلمية. بل بذل جاهه في هذا المعنى كما يذكر ذلك بعض تلامذته[1]من أنه طلب من حاكم عصره إرسال هدايا إلى حاكم اليمن لتحصيل كتاب ينفعه في تأليف البحار. حتى اجتمع عنده من المصادر الأصلية، والأصول المعتبرة ما لم يجتمع عند غيره، وما لم يحصل في كتب السابقين.
وبدأ العلامة المجلسي في تنضيد ما كان جمعه بنحو بديع، فـ» ابتكر التفسير الموضوعي لآيات القرآن الكريم حيث كان يأتي بالآيات المرتبطة بالموضوع، ويشرحها في منظومة واحدة، ويفسرها دفعة واحدة مما يمكنه من فهم علاقة بعضها ببعض «[2].
ويتميز كتاب بحار الأنوار على ما سواه من الكتب الحديثية الأخرى المؤلفة قبله بميزات كثيرة نذكر منها:
1. الموسوعية:
فبينما جاءت الموسوعات الحديثية السابقة له في عدد مجلدات لا يتجاوز بالطباعة الحديثة خمسة عشر جزءا في مثل تهذيب الاحكام، وأقل من ذلك في مثل الكافي فضلا عن الاستبصار. جاء بحار الأنوار في 110 مجلدات. وقد اعتمد على عدد كبير من المصادر ذكر منها في مقدمة البحار؛ قرابة أربعمائة اسم من كتب
[1]قال السيد عبد الله حفيد السيد نعمة الله الجزائري:سمعت والدي عن جدي رحمة الله عليهما، أنه لما تأهب المولى المجلسي لتأليف بحار الأنوار، وكان يفحص عن الكتب القديمة، ويسعى في تحصيلها، بلغه أن كتاب مدينة العلم للصدوق، يوجد في بعض بلاد اليمن فأنهى ذلك إلى سلطان العصر، فوجه السلطان أميرا من أركان الدولة سفيرا إلى ملك اليمن بهدايا وتحف كثيرة لخصوص تحصيل ذلك الكتاب، وإنه كان أوقف السلطان بعض املاكه الخاصة، على كتاب البحار لتكتب من غلتها النسخ وتوقف على الطلبة. بحار الأنوار 102 - ص 34.
[2]السبحاني: الشيخ جعفر: مقال بعنوان ترجمة العلامة المجلسي رحمه الله، في الموقع الالكتروني im صلى الله عليه وآله ms صلى الله عليه وآله رحمة الله عليه السلام q.com.
علماء الإمامية، وأقل من مئة من كتب باقي المسلمين.
2. الإستيعاب لأبواب العلم المختلفة:
فإذا قارناه ببعض الكتب الذي سبقته، وجدنا أنها في الغالب إما في الفقه أو يضاف إليها بعض ما يرتبط بالعقائد، أو الوصايا والأخلاقيات. وأما البحار فإنه يحتوي كما ذكره بعضهم على ثلاثة آلاف باب من أبواب العلم المختلفة، ويبدأ من الأصول الاعتقادية في التوحيد وما يرتبط به من مباحث في معرفة الله إلى قضايا النبوة وفيها يبحث تاريخ الأنبياء ثم يعطف على تاريخ نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله ، فيبحث هذا بشكل مفصل بحيث ذكر بعض الباحثين[1]أنه بالرغم من أن الدورة الصفوية قد شهدت مؤلفين كثيرين تحدثوا عن سيرة الأنبياء و المعصومين، إلا أن أيا منهم لم يصل إلى سعة وتنظيم ما جاء في بحار الأنوار، ففيه اربعة مجلدات حول قصص الأنبياء (11- 14) وهي تضم بالاضافة إلى الروايات الواردة من أهم مصادر الشيعة، آيات القرآن المفسرة في هذا الموضوع، ثم سيرة النبي صلى الله عليه وآله والتي تضم ثمانية مجلدات (15-22) وبعده في خمسة مجلدات أورد ما يرتبط بالامامة وما يرتبط بحياة الأئمة المعصومين وفاطمة الزهراء في اثنين وعشرين مجلدا (32 ذ 53). وبهذا يعد بالفعل في ما يرتبط بحياة الانبياء والمرسلين والحجج المعصومين من غير نظير.
ولم يقتصر على أبواب الأصول الاعتقادية، وإنما تناول أبواب الآداب والسنن ومكارم الأخلاق، وأيضا الخطب والمواعظ، وأبواب الفقه المختلفة في العبادات والمعاملات. فبحق إنه موسوعة شاملة لا يكاد يستغنى عنها.
[1]مقال باللغة الفارسية في موقع http://www.r صلى الله عليه وآله s عليه السلام khoon.n عليه السلام t. قرئ بتاريخ 26/1/1433.
3. لم يكن مجرد جمع لما ورد في سائر الكتب:
فهذه القضية وإن كانت مهمة، لبعض الأغراض كما تقدم إلا أننا وجدنا العلامة المجلسي يوكل غالبا مهمة الكتابة والاستنساخ لغيره، ويحرص بنفسه على إبداء النظر في النص المنقول، إما بشرحه وتفسيره، أو بجمعه مع غيره، أو الاجابة على التساؤلات التي يثيرها النص أو ترتبط به. يعضده في ذلك قدرة استثنائية في المسائل العقلية التي كان قد برع فيها دراسة، أوائل أيام دراسته، وقدرة متميزة في المسائل النقلية ومعرفة الأخبار. هذا بالرغم من أنه كان في أصل تصديه لهذا الأمر يهدف إلى جمع الأخبار وحفظها عن الضياع، دون الشرح والتحقيق وبيان وجه التعارض والجمع بين الأحاديث.
عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة. لقد استلم الحديث عن البحار قيادنا، عن التعريف بشخصية المؤلف وبداياته، فلنعد إلى العلامة المجلسي، صغيرا يتربى على يد والده المولى محمد تقي المجلسي الذي يعد من أعاظم علماء الإمامية، ومن عبادها إلى حد أنه نسب خطأ إلى التصوف، لكثرة ما كان عليه من العبادة والذكر.
وكان الولد هدية الله سبحانه إلى الوالد الذي أدركته في بعض أوقاته حالة من القرب إلى الله سبحانه شعر وكأنها وقت استجابة الدعاء، وفي هذه الأثناء كان الولد الصغير محمد باقر يبكي، فسأل الوالد ربه أن يجعل هذا الولد ناشرا لعلوم أهل بيت الرسالة!! فكان كما أراد بفضل الله[1].
[1]نقل ذلك المحدث النوري في كتابه الفيض القدسي في حياة العلامة المجلسي، المطبوع ملحقا بالبحار، بهذا النص: إنه في بعض الليالي، بعد الفراغ من التهجد، عرضت لي حالة عرفت منها، أنى لا أسأل من الله تعالى شيئا حينئذ إلا استجاب لي، و كنت أتفكر فيما أسأله تعالى من الأمور الأخروية والدنيوية وإذا بصوت بكاء محمد باقر في المهد، فقلت: إلهي بحق محمد وآل محمد عليهم السلام اجعل هذا الطفل، مروج دينك، وناشر أحكام سيد رسلك صلى الله عليه وآله، ووفقه بتوفيقاتك التي لا نهاية لها. البحار ج 102 - ص 11.
وكان الوالد بالاضافة إلى جهة عبادته وتهجده، عالما كبيرا فقد شرح كتاب (من لا يحضره الفقيه) للشيخ الصدوق، وعندما أراد الولد تكميل شرح الكتب الأربعة اكتفى بما صنعه والده في الكتاب المذكور وصرف همته إلى شرح الكافي والتهذيب.
بعد أن تربى في اصفهان على يد والده وأخذ عنه العلم، وعن علماء آخرين، متحليا بنبوغ مبكر، ولذلك ما أن صار عمره 33 سنة حتى أصبحت له الرئاسة العلمية في اصفهان، واعترف له من سواه بالفضل، وكان له من التلامذة كما سيأتي الحديث ما يصل إلى ألف طالب ومتعلم.
نقاط عن بعض أدواره:
ويمكن لنا أن نوجز بعض الأدوار التي قام بها العلامة المجلسي في حياته في اصفهان بالنحو التالي:
1. التأليف والتصنيف:
وفي هذا المجال نحن نلاحظ عدة خصائص في تأليفاته:
الأولى: أن بعضها كان موسوعيا، وكان كأنه يخاطب الحوزات العلمية في زمانه وما بعده، ويؤلف لكي لا تضيع الثروة العلمية والمعرفية التي خلفها أهل البيت عليهم السلام ، ونقلها رواتهم وحملة علمهم. وفي هذا المجال يبرز كتاب بحار الأنوار كما تقدم كشامة بيضاء في غرة الدهر. حيث لم ينتشر حتى الآن[1]ـ أي بعد ما يزيد على ثلاثة قرون من الزمان، ما يوازن هذا العمل العلمي الجبار. وقد تقدم الحديث آنفا عن الكتاب وما فيه.
[1]هذا بالرغم من أنهم يتحدثون عن أن تلميذه الشيخ عبد الله الاصفهاني لديه موسوعة لو طبعت قد تصل إلى أربعمائة مجلد.
والثانية: كان كما رأى الشيخ السبحاني من المبتكرين في التأليف باللغة الفارسية، فإن أغلب كتبه التي كتبت لعامة الناس كانت باللغة الفارسية في وقت لم يكن التأليف باللغة الفارسية شائعا، إذ أن المخاطب بالكتب عادة هم أهل العلم والحوزات العلمية وهذه كانت تتدارس غالبا باللغة العربية.
ويظهر أن ذلك راجع إلى الدور الذي كان يقوم به العلامة المجلسي كما سيأتي في محاربة خرافات المتصوفة التي انتشرت في أواخر زمان الصفويين، وأصبحت تشكل تهديدا للفكرة الشيعية بتحريفها عن اتجاهها الصحيح، وسنأتي على الحديث عليها، فكان العلامة المجلسي في هذه التأليفات يخاطب عامة الناس وهم لا يتقنون غير الفارسية فليس من المعقول أن يؤلف كتابا جماهيريا، المقصود منه تثقيف عامة الناس بلغة غير لغتهم.
وكذلك كان الغرض من تأليفه باللغة الفارسية توضيح تعاليم أهل البيت عليهم السلام في الأخلاق والفقه وأصول العقائد، ولذلك رأى بعضهم أن (كتابه حق اليقين كان سببا في تشيع سبعين ألفا من الإيرانيين)[1].
والثالثة: أنه كان بالاضافة إلى جمعه المستوعب وتنظيمه الرائع لما حصل عليه، كان له قدرة تحقيقية ونقدية عالية، أبرزها في كثير من أبواب البحار، إلا أن الموضع الذي تجلت فيه هذه القدرة بشكل أكبر كان شرحه على أصول الكافي، في كتابه (مرآة العقول في شرح أحاديث آل الرسول) فهو يعالج كل حديث معالجة سندية تدل على تضلعه في علم الرجال، وتمرسه فيه، ثم يناقش دلالته ومعناه، ويشير إلى ما يعارضه، أو ما يوضحه بحيث لا يبقى فيه وجه غموض.
وقد استمر في التأليف والتصنيف حتى تجاوزت كتبه سبعين كتابا، بعضها كالبحار في 110 مجلدات وبعضها كمرآة العقول دون ذلك في 26 مجلدا، وملاذ
[1](الدوري؛ د عبد العزيز في لمحات اجتماعية من تاريخ العراق 1/79 ناقلا عن دوايت دونلد سن في عقيدة الشيعة.
الأخيار في شرح تهذيب الأخبار في 16 مجلدا، ونحن نلاحظ أنه لم يترك التأليف مع ما كان عليه من المسؤوليات الاجتماعية من القضاء وشيخوخة الإسلام والتدريس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى سنة وفاته حيث ذكر أنه ألف كتابه (حق اليقين) في سنة 1109هـ أي قبل سنة واحدة من وفاته.
2. تربية العلماء العارفين بالأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام :
فإن الناظر يلاحظ أنه قد انتشر ما قبل زمان العلامة المجلسي وأيامه، التوجه الفلسفي والعرفاني بشكل كبير في الساحة العلمية في إيران، حتى أن العلامة المجلسي نفسه كان في أول أيام شبابه قد برع في هذا الجانب، غير أنه لما كان أخباري المسلك والتوجه وإن كان باعتدال،علم (أن زلال العلم لا ينقع إلا إذا أخذ من عين صافية نبعت عن ينابيع الوحي والالهام، وأن الحكمة لا تنجع إذا لم تؤخذ من نواميس الدين ومعاقل الأنام. فوجدت العلم كله في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأخبار أهل بيت الرسالة الذين جعلهم الله خزانا لعلمه وتراجمة لوحيه)[1].
فرأى أن الطريق المناسب في تغيير الاتجاه العام السائد آنئذ هو القيام بتربية علماء متخصصين في الجانب النقلي والروائي، وأشرك بعض هؤلاء بشكل عملي في ترتيب بحار الأنوار، حيث أنهم كانوا يعملون تحت يده ويكتسبون بذلك خبرة، بالاضافة إلى التعلم في الدرس والبحث. وبالفعل فقد برز في تلك الفترة من تلامذته الذين تجاوز الألف كما رآه السيد نعمة الله الجزائري، برز منهم محدثون، صنفوا وأثروا هذا الجانب، فمنهم من ألف في الرجال مثل المولى محمد بن علي الأردبيلي صاحب كتاب (جامع الرواة) الذي لا يزال إلى اليوم من الكتب المهمة
[1]بحار الأنوار. المقدمة ج 1. 3.