والثانية: كان كما رأى الشيخ السبحاني من المبتكرين في التأليف باللغة الفارسية، فإن أغلب كتبه التي كتبت لعامة الناس كانت باللغة الفارسية في وقت لم يكن التأليف باللغة الفارسية شائعا، إذ أن المخاطب بالكتب عادة هم أهل العلم والحوزات العلمية وهذه كانت تتدارس غالبا باللغة العربية.
ويظهر أن ذلك راجع إلى الدور الذي كان يقوم به العلامة المجلسي كما سيأتي في محاربة خرافات المتصوفة التي انتشرت في أواخر زمان الصفويين، وأصبحت تشكل تهديدا للفكرة الشيعية بتحريفها عن اتجاهها الصحيح، وسنأتي على الحديث عليها، فكان العلامة المجلسي في هذه التأليفات يخاطب عامة الناس وهم لا يتقنون غير الفارسية فليس من المعقول أن يؤلف كتابا جماهيريا، المقصود منه تثقيف عامة الناس بلغة غير لغتهم.
وكذلك كان الغرض من تأليفه باللغة الفارسية توضيح تعاليم أهل البيت عليهم السلام في الأخلاق والفقه وأصول العقائد، ولذلك رأى بعضهم أن (كتابه حق اليقين كان سببا في تشيع سبعين ألفا من الإيرانيين)[1].
والثالثة: أنه كان بالاضافة إلى جمعه المستوعب وتنظيمه الرائع لما حصل عليه، كان له قدرة تحقيقية ونقدية عالية، أبرزها في كثير من أبواب البحار، إلا أن الموضع الذي تجلت فيه هذه القدرة بشكل أكبر كان شرحه على أصول الكافي، في كتابه (مرآة العقول في شرح أحاديث آل الرسول) فهو يعالج كل حديث معالجة سندية تدل على تضلعه في علم الرجال، وتمرسه فيه، ثم يناقش دلالته ومعناه، ويشير إلى ما يعارضه، أو ما يوضحه بحيث لا يبقى فيه وجه غموض.
وقد استمر في التأليف والتصنيف حتى تجاوزت كتبه سبعين كتابا، بعضها كالبحار في 110 مجلدات وبعضها كمرآة العقول دون ذلك في 26 مجلدا، وملاذ
[1](الدوري؛ د عبد العزيز في لمحات اجتماعية من تاريخ العراق 1/79 ناقلا عن دوايت دونلد سن في عقيدة الشيعة.
الأخيار في شرح تهذيب الأخبار في 16 مجلدا، ونحن نلاحظ أنه لم يترك التأليف مع ما كان عليه من المسؤوليات الاجتماعية من القضاء وشيخوخة الإسلام والتدريس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى سنة وفاته حيث ذكر أنه ألف كتابه (حق اليقين) في سنة 1109هـ أي قبل سنة واحدة من وفاته.
2. تربية العلماء العارفين بالأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام :
فإن الناظر يلاحظ أنه قد انتشر ما قبل زمان العلامة المجلسي وأيامه، التوجه الفلسفي والعرفاني بشكل كبير في الساحة العلمية في إيران، حتى أن العلامة المجلسي نفسه كان في أول أيام شبابه قد برع في هذا الجانب، غير أنه لما كان أخباري المسلك والتوجه وإن كان باعتدال،علم (أن زلال العلم لا ينقع إلا إذا أخذ من عين صافية نبعت عن ينابيع الوحي والالهام، وأن الحكمة لا تنجع إذا لم تؤخذ من نواميس الدين ومعاقل الأنام. فوجدت العلم كله في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأخبار أهل بيت الرسالة الذين جعلهم الله خزانا لعلمه وتراجمة لوحيه)[1].
فرأى أن الطريق المناسب في تغيير الاتجاه العام السائد آنئذ هو القيام بتربية علماء متخصصين في الجانب النقلي والروائي، وأشرك بعض هؤلاء بشكل عملي في ترتيب بحار الأنوار، حيث أنهم كانوا يعملون تحت يده ويكتسبون بذلك خبرة، بالاضافة إلى التعلم في الدرس والبحث. وبالفعل فقد برز في تلك الفترة من تلامذته الذين تجاوز الألف كما رآه السيد نعمة الله الجزائري، برز منهم محدثون، صنفوا وأثروا هذا الجانب، فمنهم من ألف في الرجال مثل المولى محمد بن علي الأردبيلي صاحب كتاب (جامع الرواة) الذي لا يزال إلى اليوم من الكتب المهمة
[1]بحار الأنوار. المقدمة ج 1. 3.
في هذا الشأن. ومنهم السيد الجزائري الذي تقدم ذكره، والميرزا عبد الله الأفندي الاصفهاني الذي قيل إن لديه موسوعة حديثية ضخمة تتجاوز البحار عددا.وقد ترجم لهؤلاء التلامذة المحقق السيد أحمد الحسيني في كتابه (تلامذة العلامة المجلسي)، وأنهى عددهم ترجمة إلى ما يزيد عن المائتين من العلماء.
3. القضاء على المنكرات في المجتمع:
كان للعلامة المجلسي شخصية مهمة في مجتمع اصفهان وهي عاصمة الدولة الصفوية آنئذ وترقى فيما بعد حتى أصبح حائزا على منصب شيخ الإسلام، وهو بمثابة المرجعية الدينية الكبرى في الدولة فاستطاع أن ينجر ما يقتضي التدخل الرسمي وقوة السلطان، ويمكن لنا أن نلاحظ في هذا الجانب أمورا كما ذكرها مترجمو حياته:
فلم يقصر في الحديث مع الحاكمين من أجل منع المنكرات والمحرمات، بقوة السلطان، فقد تحدث مع السلطان الشاه عباس الثاني أول سلطنته وكان هذا الشاه قد طلب منه أن يخبره عن رغبته ومطالبه، فكان أن أخبره أن طلبه الأول والأخير أن يصدر قانونا بمنع الخمور والمعاقبة عليها، حيث كان يتم التغاضي عنها من قبل السلاطين السابقين، وهكذا كان لفترة من الزمان.
كما أنه كان له دور كبير في محاربة بعض الفرق التي وجدت منافذ عبر ما يسمى بالعرفان (الهندي) حيث سعى هؤلاء من خلال بعض الرياضات الخاصة بعرفاء الهنود، أن ينفذوا بالتدريج إلى الحالة الدينية (المتصوفة) في اصفهان، واستمروا في هذا الأمر إلى حد أنهم صار لهم مراكز معروفة، وكانوا يموهون على الناس من خلال أقاويل خاطئة، إلى حد أنهم نصبوا تمثالا (لعله تمثال بوذا أوغيره) وكانوا يتقربون إليه، ويتمسحون به، فلما سمع العلامة المجلسي بذلك أنهى الأمر إلى الشاه سليمان الصفوي، واستصدر منه الأمر بتحطيم ذلك الصنم، وتهديم الموقع
الذي كانوا يجتمعون فيه. كما ذكر ذلك في الفيض القدسي[1].
بل شن حربا لا هوادة فيها على التصوف الكاذب الذي انتشر في تلك الفترة، وهو علامة على تضييع بوصلة الطريق الحق، فإن التصوف هذا، بما يعنيه من الغياب عن الواقع السياسي والاجتماعي يستهدف تغييب الأمة عن دورها، فيستفيد من ذلك الغياب الطامعون والظالمون للسيطرة على قرارها السياسي وثروتها الاقتصادية كما أنه بمعنى الالتقاط للمناهج (الروحية) غير الواردة من طريق الوحي، ينتهي إلى غير الطريق الذي أراده الله عزوجل، ولذلك وجدنا أئمة الهدى عليهم السلام يحاربون هذه الطرائق، فقد روى عبد الصمد بن بشير.
قال: دخلت امرأة على أبي عبد الله عليه السلام فقالت: أصلحك الله إني امرأة متبتلة، فقال: وما التبتل عندك؟ قالت: لا أتزوج، قال: ولم؟ قالت: ألتمس بذلك الفضل فقال: انصرفي، فلو كان ذلك فضلا لكانت فاطمة عليها السلام أحق به منك، إنه ليس أحد يسبقها إلى الفضل.
وعندما أراد بعضهم أن يزيد في بعض النوافل وكيفياتها، منعه الامام عليه السلام ، وعندما تساءل ذلك الرجل عن أنه أليس الله يحب النوافل، أجابه بنعم ولكنه يبغض الابتداع.
وعندما كثر في اصفهان وجود المتصوفة الكاذبة، واتخذوا لهم التكايا والزوايا والخانقاهات، وكان هذا يشكل خطرا كبيرا.
ولقد تنبه العلماء في تلك الفترة إلى هذا الخطر فكتبوا الكثير من الكتب (صاحب الحدائق، والميرزا القمي( في الرد على أفكار وممارسات الصوفية
[1]وقد حكي له عن صنم في إصفهان، يعبده كفار الهند سرا، فأرسل إليه، وأمر بكسره بعد أن بذل الكفار أموالا عظيمة للسلطان على أن لا يكسر، بل يخرجونه إلى بلاد الهند، فلم يقبل، فلما كسر كان له خادم يلازم خدمته، فوضع في عنقه حبلا خنقه، من أجل فراق الصنم. بحار ج 102 - ص 20.
وأفتوا -ولا زالوا- بما يحذر الناس منها[1].
ولا بد من التفريق بين التصوف هذا، وبين التعبد الشرعي، والتوجه إلى الله وفق ما ورد عن النبي والمعصومين عليهم السلام فإن لديهم مدرسة رائعة في الارتباط بالخالق قوامها النوافل الواردة والأدعية الرائعة ذات المضامين العالية، التي نجدها في الصحيفة السجادية وأمثالها من كتب الأدعية الموثوقة.
ولهذا فقد رد العلامة المجلسي بقوة على من نسب إلى والده الميل إلى الصوفية، وأكد أن ذلك منه كان طريقة لهداية أولئك، إلى هذا المنهح فقد قال في آخر رسالة الاعتقادات: وإياك أن تظن بالوالد العلامة نور الله ضريحه أنه كان من الصوفية ويعتقد مسالكهم ومذاهبهم، حاشاه عن ذلك، وكيف يكون كذلك؟ وهو كان آنس أهل زمانه بأخبار أهل البيت عليهم السلام وأعلمهم وأعملهم بها، بل كان سالك مسالك الزهد والورع وكان في بدو أمره يتسمى باسم التصوف ليرغب إليه هذه الطائفة ولا يستوحشوا منه، فيردعهم عن تلك الأقاويل الفاسدة الأعمال المبتدعة، وقد هدى كثيرا منهم إلى الحق بهذه المجادلة الحسنة. ولما رآى في آخر عمره أن تلك المصلحة قد ضاعت ورفعت أعلام الضلال والطغيان وغلبت أحزاب الشيطان وعلم أنهم أعداء الله صريحا تبرء منهم، وكان يكفرهم في عقائدهم الباطلة وأنا أعرف بطريقته وعندي خطوطه في ذلك[2].
[1]ومن ذلك ما جاء في كتاب إرشاد السائل للسيد الگلپايگاني - ص 197 من الاستفتاء حول هذه الطريقة:
ما هو التصوف، وهل يجوز اعتناق مذهب الصوفية، وهل في علمائنا الإمامية من ينسب إليه هذا المذهب أو من هذا المذهب؟
بسمه تعالى: اختلفت الآراء في تعريف التصوف، والقول الفصل في المقام أن الحق في الطريقة القويمة والمنهج الذي سار عليه أصحاب الأئمة «رضوان الله عليهم «تبعا لأئمتهم الأطهار «عليهم السلام «وتبعهم علمائنا الأبرار، وصلحاء الشيعة وأسلافهم، وما خالف ذلك بدعة وضلال فلا منهج في العبادة ولا طريق ولا رياضة في مجاهدة النفس وتزكيتها وتهذيبها غير ما يستفاد من الكتاب والسنة النبوية والأئمة الهداة «عليهم السلام «ولذا فيجب الاحتراز عما يخترعه أولئك كاختراع السلاسل، والأخذ عن غير الفقهاء، في الرياضة والتفريق بين الشريعة والطريقة، ولا يجوز اعتناق طريقتهم أو الركون إليهم، ولا نرى من علمائنا الإمامية أحدا قد سلك مسلكهم أو يرضى بعقيدتهم، عصم الله المسلمين من شرور المبدعين إن شاء الله.
[2]الرسائل العشر - ابن فهد الحلي ذ من مقدمة المحقق السيد مهدي الرجائي ص 8.
وقد أشار المحدث البحراني في اللؤلؤة إلى مقاومة العلامة المجلسي للصوفية وسائر أهل الابتداع بقوله عنه: العلامة الفهامة غواص بحار الأنوار، و مستخرج لئالئ الاخبار وكنوز الاثار، الذي لم يوجد له في عصره ولا قبله ولا بعده قرين في ترويج الدين واحياء شريعة سيد المرسلين، بالتصنيف والتأليف والامر والنهي وقمع المعتدين والمخالفين، من أهل الاهواء و البدع و المعاندين سيما الصوفية المتبدعين.
و هذا الشيخ كان اماما في وقته في علم الحديث و سائر العلوم، شيخ الإسلام بدار السلطنة اصفهان، رئيسا فيها بالرئاستين الدينية و الدنيوية، اماما في الجمعة و الجماعة.
وهو الذي روج الحديث ونشره، لا سيما في الديار العجمية، وترجم لهم الاحاديث العربية بأنواعها بالفارسية، مضافا الى تصلبه في الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، و بسط يد الجود و الكرم لكل من قصد و أمّ.[1]
[1]ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار؛ المقدمة، ص: 30.
جامع المدرستين
المحقق البحراني: الشيخ يوسف بن الشيخ أحمد آل عصفور
ت 1186هـ
يتفاوت الناس والعلماء في تعاملهم مع نقاط الاختلاف، فبينما تجد البعض منهم يقوم بتضخيم الخلاف، ويجعل من كسر الخصم بالتالي رسالته في الحياة، ولا ينظر له إلا بعين اختلافه معه، بل يحول المسألة أو المسائل العلمية المختلف فيها، إلى اختلاف اجتماعي وفرز جماهيري.
ويتصاعد الأمر حين ترتبط العلاقات بين تلك الفئات الاجتماعية بالخلاف العلمي بين أصحاب النظريات، فتغدو علاقات الزواج، والرحم، والصداقة أسيرة اشتداد أو ضعف الخلاف العلمي!
ولقد شهدنا في عصرنا كيف أن الخلافات المذهبية بين المنتمين إلى مذاهب اسلامية مختلفة تؤثر في العلاقات والروابط، بل الخلافات الفقهية في داخل المذهب الواحد كيف تقسم الأسرة والقبيلة.
وتجد البعض الآخر من العلماء الربانيين الواعين، ممن يجعلون الخلاف العلمي في إطاره المدرسي، بل يسعون لتحريرذلك الخلاف وتحديده ضمن حدوده الحقيقية. والتفتيش عن نقاط الاشتراك والوفاق للبناء عليها.بالرغم من قلة هؤلاء وكثرة أولئك، لسهولة الطريق الأول وانسجامه مع الحالات
النفسية والمصالح الشخصية وصعوبة الثاني واقتضائه التخلي عن كثير من الدوافع الذاتية، والتفتيش عن الأنصار.
من طليعة القلة القليلة الثانية كان المحدث والمحقق الشيخ يوسف آل عصفور البحراني، الذي كان بحقٍ جامعَ الأصوليين والأخباريين.
ولكي نكون في جو ما قام به المحقق البحراني، صاحب الحدائق الناضرة، ينبغي أن نلقي نظرة تاريخية خاطفة على المدرستين: الأصولية والأخبارية في الفقه الشيعي الإمامي.
كان شيعة أهل البيت عليهم السلام في عصر حضور الأئمة يعتمدون على ما يصلهم من خلال وكلائهم ورواتهم من الروايات والأخبار في حل مسائل العقيدة والفقه، ولم يكن هناك حاجة أساسية إلى الاجتهاد، إلا بمقدار ما يتم من خلاله تطبيق القواعد العامة على مواردها ومصاديقها، إن كان هذا يسمى اجتهادا. أو في بعض الحالات لحل ما يتراءى ظاهرا من المعارضة بين الروايات المتوفرة بين أيدي الرواة، والتي يذكرها الفقهاء المعاصرون في باب التعادل والترجيح.
ومع زمان غيبة الامام المهدي عجل الله فرجه، برزت الحاجة ملحة لتدوين الروايات وجمعها كي يتم الرجوع إليها، فكانت المدونات الحديثية الكبرى، كالكافي للشيخ الكليني، وفقيه من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق، وفيما بعد تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي.
وبعد هذه الفترة يمكن القول أنه نشط التوجه الاجتهادي في الوسط العلمي الشيعي، فكان الكثير من علماء هذه الفترة يحسبون عليه، ويعدون من (الأصوليين) كالشيخ المفيد، وتلميذه الشريف المرتضى، وشيخ الطائفة الطوسي، ومن جاء بعده كسلاّر وابن ادريس، فضلا عمن تأخر عن هؤلاء كالمحقق الحلي، والعلامة، والشهيدين والمحقق الثاني الكركي. واستمر هذا التوجه في النمو والازدياد. وسيأتي بعض وجوه الفرق بين المدرستين الفقهيتين.