وأفتوا -ولا زالوا- بما يحذر الناس منها[1].
ولا بد من التفريق بين التصوف هذا، وبين التعبد الشرعي، والتوجه إلى الله وفق ما ورد عن النبي والمعصومين عليهم السلام فإن لديهم مدرسة رائعة في الارتباط بالخالق قوامها النوافل الواردة والأدعية الرائعة ذات المضامين العالية، التي نجدها في الصحيفة السجادية وأمثالها من كتب الأدعية الموثوقة.
ولهذا فقد رد العلامة المجلسي بقوة على من نسب إلى والده الميل إلى الصوفية، وأكد أن ذلك منه كان طريقة لهداية أولئك، إلى هذا المنهح فقد قال في آخر رسالة الاعتقادات: وإياك أن تظن بالوالد العلامة نور الله ضريحه أنه كان من الصوفية ويعتقد مسالكهم ومذاهبهم، حاشاه عن ذلك، وكيف يكون كذلك؟ وهو كان آنس أهل زمانه بأخبار أهل البيت عليهم السلام وأعلمهم وأعملهم بها، بل كان سالك مسالك الزهد والورع وكان في بدو أمره يتسمى باسم التصوف ليرغب إليه هذه الطائفة ولا يستوحشوا منه، فيردعهم عن تلك الأقاويل الفاسدة الأعمال المبتدعة، وقد هدى كثيرا منهم إلى الحق بهذه المجادلة الحسنة. ولما رآى في آخر عمره أن تلك المصلحة قد ضاعت ورفعت أعلام الضلال والطغيان وغلبت أحزاب الشيطان وعلم أنهم أعداء الله صريحا تبرء منهم، وكان يكفرهم في عقائدهم الباطلة وأنا أعرف بطريقته وعندي خطوطه في ذلك[2].
[1]ومن ذلك ما جاء في كتاب إرشاد السائل للسيد الگلپايگاني - ص 197 من الاستفتاء حول هذه الطريقة:
ما هو التصوف، وهل يجوز اعتناق مذهب الصوفية، وهل في علمائنا الإمامية من ينسب إليه هذا المذهب أو من هذا المذهب؟
بسمه تعالى: اختلفت الآراء في تعريف التصوف، والقول الفصل في المقام أن الحق في الطريقة القويمة والمنهج الذي سار عليه أصحاب الأئمة «رضوان الله عليهم «تبعا لأئمتهم الأطهار «عليهم السلام «وتبعهم علمائنا الأبرار، وصلحاء الشيعة وأسلافهم، وما خالف ذلك بدعة وضلال فلا منهج في العبادة ولا طريق ولا رياضة في مجاهدة النفس وتزكيتها وتهذيبها غير ما يستفاد من الكتاب والسنة النبوية والأئمة الهداة «عليهم السلام «ولذا فيجب الاحتراز عما يخترعه أولئك كاختراع السلاسل، والأخذ عن غير الفقهاء، في الرياضة والتفريق بين الشريعة والطريقة، ولا يجوز اعتناق طريقتهم أو الركون إليهم، ولا نرى من علمائنا الإمامية أحدا قد سلك مسلكهم أو يرضى بعقيدتهم، عصم الله المسلمين من شرور المبدعين إن شاء الله.
[2]الرسائل العشر - ابن فهد الحلي ذ من مقدمة المحقق السيد مهدي الرجائي ص 8.
وقد أشار المحدث البحراني في اللؤلؤة إلى مقاومة العلامة المجلسي للصوفية وسائر أهل الابتداع بقوله عنه: العلامة الفهامة غواص بحار الأنوار، و مستخرج لئالئ الاخبار وكنوز الاثار، الذي لم يوجد له في عصره ولا قبله ولا بعده قرين في ترويج الدين واحياء شريعة سيد المرسلين، بالتصنيف والتأليف والامر والنهي وقمع المعتدين والمخالفين، من أهل الاهواء و البدع و المعاندين سيما الصوفية المتبدعين.
و هذا الشيخ كان اماما في وقته في علم الحديث و سائر العلوم، شيخ الإسلام بدار السلطنة اصفهان، رئيسا فيها بالرئاستين الدينية و الدنيوية، اماما في الجمعة و الجماعة.
وهو الذي روج الحديث ونشره، لا سيما في الديار العجمية، وترجم لهم الاحاديث العربية بأنواعها بالفارسية، مضافا الى تصلبه في الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، و بسط يد الجود و الكرم لكل من قصد و أمّ.[1]
[1]ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار؛ المقدمة، ص: 30.
جامع المدرستين
المحقق البحراني: الشيخ يوسف بن الشيخ أحمد آل عصفور
ت 1186هـ
يتفاوت الناس والعلماء في تعاملهم مع نقاط الاختلاف، فبينما تجد البعض منهم يقوم بتضخيم الخلاف، ويجعل من كسر الخصم بالتالي رسالته في الحياة، ولا ينظر له إلا بعين اختلافه معه، بل يحول المسألة أو المسائل العلمية المختلف فيها، إلى اختلاف اجتماعي وفرز جماهيري.
ويتصاعد الأمر حين ترتبط العلاقات بين تلك الفئات الاجتماعية بالخلاف العلمي بين أصحاب النظريات، فتغدو علاقات الزواج، والرحم، والصداقة أسيرة اشتداد أو ضعف الخلاف العلمي!
ولقد شهدنا في عصرنا كيف أن الخلافات المذهبية بين المنتمين إلى مذاهب اسلامية مختلفة تؤثر في العلاقات والروابط، بل الخلافات الفقهية في داخل المذهب الواحد كيف تقسم الأسرة والقبيلة.
وتجد البعض الآخر من العلماء الربانيين الواعين، ممن يجعلون الخلاف العلمي في إطاره المدرسي، بل يسعون لتحريرذلك الخلاف وتحديده ضمن حدوده الحقيقية. والتفتيش عن نقاط الاشتراك والوفاق للبناء عليها.بالرغم من قلة هؤلاء وكثرة أولئك، لسهولة الطريق الأول وانسجامه مع الحالات
النفسية والمصالح الشخصية وصعوبة الثاني واقتضائه التخلي عن كثير من الدوافع الذاتية، والتفتيش عن الأنصار.
من طليعة القلة القليلة الثانية كان المحدث والمحقق الشيخ يوسف آل عصفور البحراني، الذي كان بحقٍ جامعَ الأصوليين والأخباريين.
ولكي نكون في جو ما قام به المحقق البحراني، صاحب الحدائق الناضرة، ينبغي أن نلقي نظرة تاريخية خاطفة على المدرستين: الأصولية والأخبارية في الفقه الشيعي الإمامي.
كان شيعة أهل البيت عليهم السلام في عصر حضور الأئمة يعتمدون على ما يصلهم من خلال وكلائهم ورواتهم من الروايات والأخبار في حل مسائل العقيدة والفقه، ولم يكن هناك حاجة أساسية إلى الاجتهاد، إلا بمقدار ما يتم من خلاله تطبيق القواعد العامة على مواردها ومصاديقها، إن كان هذا يسمى اجتهادا. أو في بعض الحالات لحل ما يتراءى ظاهرا من المعارضة بين الروايات المتوفرة بين أيدي الرواة، والتي يذكرها الفقهاء المعاصرون في باب التعادل والترجيح.
ومع زمان غيبة الامام المهدي عجل الله فرجه، برزت الحاجة ملحة لتدوين الروايات وجمعها كي يتم الرجوع إليها، فكانت المدونات الحديثية الكبرى، كالكافي للشيخ الكليني، وفقيه من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق، وفيما بعد تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي.
وبعد هذه الفترة يمكن القول أنه نشط التوجه الاجتهادي في الوسط العلمي الشيعي، فكان الكثير من علماء هذه الفترة يحسبون عليه، ويعدون من (الأصوليين) كالشيخ المفيد، وتلميذه الشريف المرتضى، وشيخ الطائفة الطوسي، ومن جاء بعده كسلاّر وابن ادريس، فضلا عمن تأخر عن هؤلاء كالمحقق الحلي، والعلامة، والشهيدين والمحقق الثاني الكركي. واستمر هذا التوجه في النمو والازدياد. وسيأتي بعض وجوه الفرق بين المدرستين الفقهيتين.
في الجهة الأخرى يمكن تصنيف أصحاب المدونات الحديثية الأساسية كالكليني والصدوق على(المدرسة الأخبارية أو مدرسة المحدثين)، ثم نرى تراجعا في هذه الجهة إلى أيام الفيض الكاشاني صاحب الوافي وغيره (توفي سنة 1094هـ) والعلامة المجلسي صاحب البحار(توفي سنة 1111هـ) حيث عاد شيء من الألق إلى هذه المدرسة وشهدت الساحة العلمية الشيعية علماء كبارا ينافحون عن هذا التوجه، كالحر العاملي صاحب الوسائل (توفي 1104هـ)، وقبلهم الشيخ محمد أمين الاسترابادي (توفي سنة 1033هـ) والذي بعث الحياة من جديد في التوجه الأخباري، وأعطى له زخما كبيرا، وأدخل المدرستين في مواجهة واضحة. فقد ألف كتاب (الفوائد المدنية) وشنع فيها على المجتهدين الأصوليين في ما قاله من عملهم بالاجتهاد وهو كما يرى العمل بالرأي والقياس، وتقديمهم العقل على النص، واستيراد علم الأصول من علماء السنة إلى الحالة الشيعية، وتربيع أقسام الحديث كما صنع ذلك العلامة مع أنه يفترض أن يتعاملوا مع الأحاديث المدونة في موسوعات الفقه معاملة الصحيح.
وكما تصدى الاسترابادي بقوة لنقد منهج المجتهدين، فقد واجهه بحزم أكبر الوحيد البهبهاني (توفي 1208هـ) واستطاع أن يتغلب على فكرته، وكانت تلك المواجهة النظرية، وما تلاها من تأليفات تبناها تلامذة الوحيد البهبهاني بداية الانسحاب الكبير الذي طرأ على المدرسة الأخبارية، التي وإن استمرت ممثلة في بعض الفقهاء العظام كالشيخ يوسف البحراني وبعض أساتذته إلا أنها اقتربت ممثلة فيه من المدرسة الأصولية، وفقدت زخم المواجهة الذي كان قد بثه فيها المحدث الاسترابادي.
لقد كان منهج الشيخ يوسف منهج المصالحة بين المدرستين، ورفع الحواجز بين التوجهين، وقد استمر هذا التوجه إلى حد أنك لا تستطيع أن تميز بين محدث أخباري وبين مجتهد أصولي، كما أشار إلى ذلك بعض فقهائنا المعاصرين[1].
[1]الطباطبائي الحكيم: السيد محمد سعيد؛ الأصولية والأخبارية فرقة واحدة.
الفروق المتصورة بين المدرستين: الأصولية والأخبارية:
لقد تحدث المحدث الشيخ يوسف البحراني في مقدمات كتابه: الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة عن جهات الاختلاف بين المدرستين، وحاول في آخر الأمر أن يجمع بينهما، ونحن هنا نشير إلى القارئ العزيز حول تلك الفروق، مع أنه لا تنضبط هذه الفروق بشكل دقيق نظرا لوجود آراء لعلماء في كل مدرسة قد تتطرف يمينا وشمالا.، حتى لقد أنهاها بعض علماء المحدثين كما في المقدمة الثانية عشر من الجزء الأول للحدائق إلى ما يزيد عن أربعين فرقا، لكن كلامنا هو في المحصلة العامة.
1. النظرة إلى الإجتهاد:
يرى المحدثون الأخباريون أن الإجتهاد - وهو العمل بالرأي والاستنباط من خلال القياس غير الجائز لأن دين الله لا يصاب بالعقول - ليس جائزا، بل إنه وافد من مدرسة الخلفاء إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، وأن دور الفقيه بعد فهم أخبار أهل البيت هو تيسير وصول عامة الناس إليها. والعمل بتلك الأخبار.
بينما يرى الأصوليون المجتهدون أن الإجتهاد لا يعني ما تقدم، فإنه مرفوض وإنما هو استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، ومن جملة تلك الأدلة أخبار أهل البيت عليهم السلام ، وحيث أن العامة لا سبيل لهم إلى معرفة تلك الأخبار والنظر في أسانيدها وتعارضها وطرق الجمع بينها، كان لابد من قيام المتخصصين العالمين بهذا واستنباط الأحكام من خلال تلك العملية.
2. النظرة إلى الأخبار والأحاديث:
يرى المحدثون الأخباريون أن ما جاء في الكتب الأربعة (الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، وتهذيب الأحكام، والاستبصار) صحيح السنَد، أو على الأقل
موثوق بصدوره، وبناء على هذا فلا معنى للبحث في علم الرجال، ويرتبون بعض المقدمات التي تفيد هذه النتيجة من جهد العلماء والرواة وسعيهم الدؤوب في جمع الأحاديث وتهذيبها والحفاظ عليها، وقد أشار إلى ذلك تفصيلا الحر العاملي في الجزء الأخير من كتابه وسائل الشيعة في الفائدة السادسة والتاسعة.
وإذا كانت كذلك فلا معنى أيضا لتقسيمها إلى أقسام أربعة (صحيح وحسن وموثق وضعيف) كالذي فعله العلامة الحلي واستاذه.
بينما يخالف الأصوليون في ما تقدم، فلا يرون قطعية الصدور في أخبار الكتب الأربعة، وأنها بالتالي فيها الصحيح وفيها غير الصحيح، ولأجل أن يفتي الفقيه معتمدا على حجة شرعية فلا بد من البحث في سند تلك الأحاديث.
3. النظر إلى أدلة الفقه:
يرى المحدثون الأخباريون أن الأدلة والحجج الشرعية على المكلف ليست سوى: القرآن والسنة أي الأخبار، وحيث أن القرآن لا يُفهم إلا من خلال أخبار أهل البيت عليهم السلام فانحصر الطريق الشرعي والدليل على الأحكام في الأخبار.وأما الاجماع فلا قيمة له ما لم يكن معبرا عن قول المعصوم عليه السلام فينتهي بالتالي إلى الخبر والرواية. والعقل أيضا لا يتقدم على النص في مواضع التعارض، بل النص مقدم عليه، وفي مواضع التوافق يكون المرجع النص كذلك، فانتهى سبيل الأدلة إلى دليل واحد في حقيقة الأمر وهو الأخبار. وربما لوجود هذا التركيز على أخبار المعصومين، غلبت عليهم التسمية بالأخباريين.
بينما يرى المجتهدون الأصوليون بأن كل دليل من الأدلة الأربعة قائم بنفسه، فالقرآن الذي خوطب به عامة الناس ونُزل هدى للناس، ظواهر ألفاظه حجة، وهكذا العقل فإن بحوث الاستلزامات العقلية يمكن أن تشكل دليلا على ما تنتهي
إليه، وكذا الاجماع مع فرض تحققه هو دليل مستقل. هذا بالاضافة إلى الأحاديث وأخبار المعصومين.
4. النظر إلى مسائل وقواعد فقهية:
يرى المحدثون الأخباريون أنه لما كان الفقيه لا يقوم بشيء سوى توضيح وتيسير الخبر عن المعصوم، وليس لرأيه واجتهاده قيمة كبرى، فإن هذا لا يختلف بين كون الفقيه حيا، أو ميتا. إذ لا يعتمد على رأيه حتى يقال أن الميت لا رأي له. وإنما يقوم بالتوضيح والإيصال للحديث. ولهذا فإنهم يرون جواز تقليد الميت ابتداء حيث أنه بشرحه للحديث في كتبه يستطيع ايصاله للمكلفين فلا فرق هنا بينه وبين الحي.
كما يرون أن الموقف الشرعي في مقابل الشبهات التحريمية، وهي ما احتمل فيها الحرمة أو الإباحة، هو الاحتياط ومقتضاه الاجتناب حتى مع عدم وجود علم إجمالي.وهذا ما يصطلحون عليه بتثليث الأشياء والوقائع، (فحلال بيِّنٌ وحرام بين، وشبهات بين ذلك) وفي هذه الأخيرة ينبغي الاحتياط.بينما رأى المجتهدون فيها البراءة وجواز الارتكاب.
المحدث الجامع للمدرستين:
في كتابه الحدائق حاول المحدث البحراني رحمة الله فض النزاع من الخارج بين الأخباريين والأصوليين، بعد ما رأى أن الإعراض عن الخوض فيه أولى، ثم يبدو أنه وضع منهجه في الحدائق على هذا الأساس، وقد أفلح فيه، ولعل هذا بالاضافة إلى قوته العلمية وتتبعه الروائي جعل كتاب الحدائق حاضرا بقوة في الحوزات العلمية الأصولية ولا يستغني عنه الفقهاء عادة، إما بالتأييد أو النقد، فلم يكن رأي صاحب الحدائق بالرأي الذي يسكت عنه أو يعرض عنه!