وألطاف ولي الرحمانب[1].
قصص من عالم التربية:
التزكية إلى جانب التعلم:
بالاضافة إلى ما كان السيد بحر العلوم مشتغلا به من تعليم الطلاب وتكوين الفقهاء من الناحية العلمية، لم يغفل رضوان الله عليه عن جانب التزكية، والتربية الروحية، إذ لا فائدة كبيرة في تعلم بلا تزكية، ولذا فإن هذا الجانب كان محط نظره، ومحور اهتمامه.
فإنهم ينقلون عنه أنه، ذات يوم لم يخرج إلى الدرس مع كثرة اهتمامه بألا يكون هناك تعطيل للدروس! فاحتمل تلامذته أن يكون السيد متعبا في ذلك اليوم، وعاقه هذا عن الخروج، إلا أنه لم يخرج في اليوم الثاني أيضا، فتوافد أعيان طلابه لمنزله ليروا ما الأمر، ولماذا لم يخرج لمجلس الدرس؟
ولما سألوه عن ذلك، قال لهم: إني خرجت الليلة ما قبل الماضية لشغل كان لدي، فمررت في الطريق ببعض مدارس الطلبة فلم أسمع فيها أصوات المناجاة لله، ولم أر حالة تنبئ عن قيام الليل بالعبادة من قبلهم! فرأيت أن هذا منهج غير صحيح، فما نفع العلم إذا لم يكن إلى جانبه تزكية وتقرب إلى الله وتوجه إليه؟ فرأيت أن الامتناع عن الدرس أجدى حتى يتوجه الطلاب وأهل العلم إلى هذا الجانب. وبالفعل كان درسا مفيدا وعظة عملية.
وتفقد المحتاجين ضرورة:
وكان السيد بحر العلوم يهتم بأمر الفقراء اهتماما بالغا، وكان يعكس هذا
[1]بحار الأنوار 53. 237.
الاهتمام على طلابه، ويربيهم عليه، فقد نقل مترجمو حياته هذا المعنى في صور متعددة، منها ما سيأتي عند الحديث عن أحد تلامذته وهو الشيخ جعفر كاشف الغطاء، ومنها ما نقل من موقفه مع السيد العاملي، وتفصيل ذلك: ان الحجة السيد محمد جواد العاملي صاحب (مفتاح الكرامة) قدس سره وكان من أعاظم تلاميذه - كان يتعشى - ذات ليلة - إذ بعث إليه السيد بحر العلوم قدس سره يدعوه للحضور بسرعة، فترك عشاءه وحضر بين يدي أستاذه. فلما رآه السيد رحمة الله أخذ يؤنبه بكلمات شديدة. وذكر له: أن أحدا من إخوانه وجيرانه من اهل العلم - وسماه له - كان يأخذ كل ليلة من البقال قسبا (وهو التمر اليابس) لقوت عياله ولهم قرابة الأسبوع لم يذوقوا الحنطة والأرز. وفي هذا اليوم ذهب إلى البقال ليأخذ القسب، فامتنع البقال من اعطائه لثقل دينه، فظل - هذه الليلة - هو وعياله وأطفاله بلا عشاء، فأخذ السيد محمد جواد يعتذر إلى السيد - قدس سره - بعدم علمه بالموضوع، فقال له السيد رحمة الله : (لو علمت بحاله - وتعشيت ولم تلتفت إليه - كنت يهوديا - أو قال -: كافرا. وانما أغضبني عليك عدم تجسسك عن إخوانك وعدم علمك بحالهم). فأمر له السيد رحمة الله (بصينية) كبيرة فيها أنواع الأكل (وصرة) من المال على أن يوصلها إلى ذلك الرجل، ويتعشى معه ويستقر، ويأتيه بالخبر حتى يتعشى السيد، وبقي عشاؤه أمامه لم يتناول منه شيئا، حتى رجع (السيد العاملي) من ذلك الرجل، وأخبره باستقراره وفرحه بالطعام والمال، لأنه كان مدينا بقدر المال - تقريبا - فعندئذ تناول السيد عشاءه وجرت القصة إلى بعد منتصف الليل[1].
الذوق الأدبي والشاعرية الرائعة:
تؤثر المعرفة بأساليب العرب في التشبيه والمحاورات الكلامية بشكل كبير في الفهم العرفي الجيد لكلام المعصومين عليهم السلام ، نظرا لكونهم يتحدثون في رواياتهم
[1]بحر العلوم، السيد مهدي:الفوائد الرجالية 1. 73.
بمقتضى تلك الأساليب ولهذا يتميز الفقيه العارف بهذه الأساليب، عن غيره ممن (يعرف) المعاني، وربما احتاج في كثير من الألفاظ إلى مراجعة قواميس اللغة.
وقد كان السيد بحر العلوم بالاضافة إلى نشأته وأبيه في البيئة العربية في العراق، صاحب قدرة أدبية فائقة، وسليقة عربية أصيلة، وشاعرية فذة بزّ فيها من لم يكن له شغل وتخصص غير الشعر والأدب. وكان يشجع على تنمية الحالة الأدبية والقدرات الشعرية في محيط الحوزة العلمية، نظرا لما لهذا الجانب من تأثير في فهم النصوص الشرعية، وسعيا لتطوير هذه القدرات في ذلك المحيط.
ولعله لهذا السبب وجدنا ان سوق الأدب في عهد السيد بحر العلوم قد ازدهرت، ونفق فيها الشعر المتميز، إلى الدرجة التي عرف فيها بعض البيوت والعوائل بإنجابها للشعراء الأفذاذ والأدباء الكبار، كآل الأعسم، والأزري، والنحوي، وغيرهم.
وكانت تعقد مجالس الشعر، للمحاكمة بين القصائد، ومجاراة الشعراء بعضهم لبعض، وكان السيد بحر العلوم مشاركا أساسيا في بعض الحالات، وحكما نهائيا في حالات أخر. واستمر هذا الأمر طيلة بقاء ومكث السيد في النجف وقد نقل مؤرخو تلك الحقبة الأدبية الكثير من تفاصيل (وقائع)[1]الشعر و(معارك) الشعراء، ومنها ما عرف بوقعة الخميس حيث اشترك فيها السيد بحر العلوم وأربعة عشر من أعيان الشعراء من تلامذته وغيرهم.
كتب السيد ومؤلفاته:
لم يكن غريبا أن تكون كتب السيد بحر العلوم قليلة، أو أن يكون القليل الموجود منها غير كامل، بل المستغرب هو أن يكون له مع كل ما مضى كتب!
ولكن قد بارك الله في ذلك الوجود الشريف، فكان له من الكتب كما ذكر في
[1]للتفصيل يراجع كتاب شعراء الغري للخاقاني، ومقدمة الفوائد الرجالية الذي سبق ذكره.
مقدمة الفوائد الرجالية:
كتاب المصابيح، في العبادات والمعاملات من الفقه.
الدرة النجفية، منظومة في بابي الطهارة والصلاة من الفقه وصل فيها إلى صلاة الجمعة.
مشكاة الهداية، هي منثور (الدرة) لم يبرز منها إلا كتاب الطهارة.
تحفة الكرام في تاريخ مكة والبيت الحرام.
رسالة في تحريم العصير الزبيبي.
شرح باب الحقيقة والمجاز من كتاب الوافية للفاضل التوني.
شرح جملة من أحاديث (تهذيب الشيح الطوسي).
الفوائد الأصولية.
الفوائد الرجالية.
رسالة في حكم قاصد الأربعة في السفر.
حاشية وشرح على طهارة «شرائع المحقق الحلي».
رسالة في قواعد أحكام الشكوك.
حاشية على ذخيرة الحجة السبزواري.
رسالة في تحقيق معنى (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم)
رسالة في انفعال ماء القليل.
رسالة في الفرق والملل.
رسالة في الأطعمة والأشربة.
رسالة في تحريم الفرار من الطاعون.
الدرة البهية في نظم بعض المسائل الأصولية.
رسالة في مناظرته لليهود.
ديوان شعر كبير أغلبه في مدح ورثاء أهل البيت عليهم السلام .
رسالة في مناسك الحج والعمرة.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
كاشف الغطاء:الزعيم العالم
الشيخ جعفر بن الشيخ يحيى الجناجي
- 1156 1228هـ
ندر أن تنسب عائلة إلى كتاب!
ومن النادر ذاك كانت عائلة الجناجي، التي صارت عائلة (كاشف الغطاء) بعد تأليف كتاب (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء) من قبل عالمها الشيخ جعفر.
قد يكون ذلك راجعا إلى عظمة الكتاب وأهميته تلك التي ينقل عن الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري أن من فهم دقائق كشف الغطاء وقدر على تدريسه فهو مجتهد مطلق!
وقد يكون راجعا إلى شخصية مؤلفه وكاتبه التي جمعت ما لم يجتمع لدى غيره، وكان الكتاب المذكور المعرف الأكبر لها.
بالفعل فقد توفر الشيخ جعفر بن الشيخ خضربن يحيى المالكي الجناجي[1]، على جملة من الميزات قل اجتماعها في غيره. فقد اجتمع فيه العلم في أعلى درجاته، والتهذيب النفسي، والأخلاق الاجتماعية، والوعي السياسي، بل الممارسة القيادية.
هلمَّ! نتعرف على بعض تلك الخصائص بادئين بدراسته على يد والده الشيخ جعفر الذي كان معروفا بالقداسة والزهد،
[1]المالكي نسبة إلى بني مالك، قبيلة عربية ينتهي نسبها إلى مالك الأشتر النخعي، والجناجي نسبة إلى منطقة جناجة أو جناجية من توابع الحلة.
وكان إمام جماعة يتسابق على الائتمام به كبار علماء النجف في حينها، حتى إذا أنهى مرحلة المقدمات والسطوح، انتسب إلى البحوث العالية (الخارج) في الفقه والأصول، فدرس على يد الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهاني الذي يعد رائد المدرسة الأصولية الحديثة لدى الإمامية. كما درس على يد الشيخ محمد مهدي الفتوني العاملي وهو من أبرز تلامذة المحدث الفقيه الشيخ يوسف البحراني، وقد أثر هذا العلمان الكبيران تأثيرا بالغا في بناء الشيخ كاشف الغطاء العلمي حيث أنهما يمثلان خلاصة المدرستين الأساسيتين في الاستنباط الفقهي، مدرسة الأصوليين، ومدرسة المحدثين الأخباريين[1].
وقد أثرت تلك الدراسة بالاضافة إلى ما كان عليه الشيخ جعفر من الاستعداد الذاتي والذكاء العلمي في أن يبرز في الوسط الحوزوي، ولهذا فبمجرد أن مضى الجيل الأول من أساتذته، انتهت إليه الزعامة العلمية وأقر له أقرانه بالتقدم، وشهدت حلقات درسه إقبالاً شديداً من قبل طلاب العلم،الأمر الذي يلاحظه المتأمل في نتاج تلك المدرسة من أعاظم المجتهدين، كالسيد جواد العاملي صاحب كتاب مفتاح الكرامة والذي ألفه بأمر شيخه ليجمع آراء فقهاء الإمامية في مسائل الفقه، وقد التزم العاملي بهذا وألف الكتاب الذي يعتمد عليه كبار المحققين، كتلميذ المؤلف صاحب الجواهر في جواهر الكلام، وغيره من العلماء وهو دورة في الفقه يقع في عشرة مجلدات بالطبع القديم، وثلاثة وعشرين بالطبع الحديث.
والشيخ محمد حسن الجواهري (صاحب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) الذي كان من تلامذة الشيخ جعفر وتلميذه السيد جواد، ومثل الشيخ محمد تقي الأصفهاني، صاحب كتاب هداية المسترشدين في شرح كتاب معالم الدين المعروف بصاحب الحاشية،الأصولي المتميز في دقة فهمه ومبانيه، ومنهم أولاده الأربعة، لا سيما أعلمهم الشيخ موسى الذي كان يفتخر به والده كثيرا،
[1]يراجع سيرة حياة المحدث البحراني، لمعرفة خصائص كل من المدرستين.