بمقتضى تلك الأساليب ولهذا يتميز الفقيه العارف بهذه الأساليب، عن غيره ممن (يعرف) المعاني، وربما احتاج في كثير من الألفاظ إلى مراجعة قواميس اللغة.
وقد كان السيد بحر العلوم بالاضافة إلى نشأته وأبيه في البيئة العربية في العراق، صاحب قدرة أدبية فائقة، وسليقة عربية أصيلة، وشاعرية فذة بزّ فيها من لم يكن له شغل وتخصص غير الشعر والأدب. وكان يشجع على تنمية الحالة الأدبية والقدرات الشعرية في محيط الحوزة العلمية، نظرا لما لهذا الجانب من تأثير في فهم النصوص الشرعية، وسعيا لتطوير هذه القدرات في ذلك المحيط.
ولعله لهذا السبب وجدنا ان سوق الأدب في عهد السيد بحر العلوم قد ازدهرت، ونفق فيها الشعر المتميز، إلى الدرجة التي عرف فيها بعض البيوت والعوائل بإنجابها للشعراء الأفذاذ والأدباء الكبار، كآل الأعسم، والأزري، والنحوي، وغيرهم.
وكانت تعقد مجالس الشعر، للمحاكمة بين القصائد، ومجاراة الشعراء بعضهم لبعض، وكان السيد بحر العلوم مشاركا أساسيا في بعض الحالات، وحكما نهائيا في حالات أخر. واستمر هذا الأمر طيلة بقاء ومكث السيد في النجف وقد نقل مؤرخو تلك الحقبة الأدبية الكثير من تفاصيل (وقائع)[1]الشعر و(معارك) الشعراء، ومنها ما عرف بوقعة الخميس حيث اشترك فيها السيد بحر العلوم وأربعة عشر من أعيان الشعراء من تلامذته وغيرهم.
كتب السيد ومؤلفاته:
لم يكن غريبا أن تكون كتب السيد بحر العلوم قليلة، أو أن يكون القليل الموجود منها غير كامل، بل المستغرب هو أن يكون له مع كل ما مضى كتب!
ولكن قد بارك الله في ذلك الوجود الشريف، فكان له من الكتب كما ذكر في
[1]للتفصيل يراجع كتاب شعراء الغري للخاقاني، ومقدمة الفوائد الرجالية الذي سبق ذكره.
مقدمة الفوائد الرجالية:
كتاب المصابيح، في العبادات والمعاملات من الفقه.
الدرة النجفية، منظومة في بابي الطهارة والصلاة من الفقه وصل فيها إلى صلاة الجمعة.
مشكاة الهداية، هي منثور (الدرة) لم يبرز منها إلا كتاب الطهارة.
تحفة الكرام في تاريخ مكة والبيت الحرام.
رسالة في تحريم العصير الزبيبي.
شرح باب الحقيقة والمجاز من كتاب الوافية للفاضل التوني.
شرح جملة من أحاديث (تهذيب الشيح الطوسي).
الفوائد الأصولية.
الفوائد الرجالية.
رسالة في حكم قاصد الأربعة في السفر.
حاشية وشرح على طهارة «شرائع المحقق الحلي».
رسالة في قواعد أحكام الشكوك.
حاشية على ذخيرة الحجة السبزواري.
رسالة في تحقيق معنى (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم)
رسالة في انفعال ماء القليل.
رسالة في الفرق والملل.
رسالة في الأطعمة والأشربة.
رسالة في تحريم الفرار من الطاعون.
الدرة البهية في نظم بعض المسائل الأصولية.
رسالة في مناظرته لليهود.
ديوان شعر كبير أغلبه في مدح ورثاء أهل البيت عليهم السلام .
رسالة في مناسك الحج والعمرة.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
كاشف الغطاء:الزعيم العالم
الشيخ جعفر بن الشيخ يحيى الجناجي
- 1156 1228هـ
ندر أن تنسب عائلة إلى كتاب!
ومن النادر ذاك كانت عائلة الجناجي، التي صارت عائلة (كاشف الغطاء) بعد تأليف كتاب (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء) من قبل عالمها الشيخ جعفر.
قد يكون ذلك راجعا إلى عظمة الكتاب وأهميته تلك التي ينقل عن الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري أن من فهم دقائق كشف الغطاء وقدر على تدريسه فهو مجتهد مطلق!
وقد يكون راجعا إلى شخصية مؤلفه وكاتبه التي جمعت ما لم يجتمع لدى غيره، وكان الكتاب المذكور المعرف الأكبر لها.
بالفعل فقد توفر الشيخ جعفر بن الشيخ خضربن يحيى المالكي الجناجي[1]، على جملة من الميزات قل اجتماعها في غيره. فقد اجتمع فيه العلم في أعلى درجاته، والتهذيب النفسي، والأخلاق الاجتماعية، والوعي السياسي، بل الممارسة القيادية.
هلمَّ! نتعرف على بعض تلك الخصائص بادئين بدراسته على يد والده الشيخ جعفر الذي كان معروفا بالقداسة والزهد،
[1]المالكي نسبة إلى بني مالك، قبيلة عربية ينتهي نسبها إلى مالك الأشتر النخعي، والجناجي نسبة إلى منطقة جناجة أو جناجية من توابع الحلة.
وكان إمام جماعة يتسابق على الائتمام به كبار علماء النجف في حينها، حتى إذا أنهى مرحلة المقدمات والسطوح، انتسب إلى البحوث العالية (الخارج) في الفقه والأصول، فدرس على يد الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهاني الذي يعد رائد المدرسة الأصولية الحديثة لدى الإمامية. كما درس على يد الشيخ محمد مهدي الفتوني العاملي وهو من أبرز تلامذة المحدث الفقيه الشيخ يوسف البحراني، وقد أثر هذا العلمان الكبيران تأثيرا بالغا في بناء الشيخ كاشف الغطاء العلمي حيث أنهما يمثلان خلاصة المدرستين الأساسيتين في الاستنباط الفقهي، مدرسة الأصوليين، ومدرسة المحدثين الأخباريين[1].
وقد أثرت تلك الدراسة بالاضافة إلى ما كان عليه الشيخ جعفر من الاستعداد الذاتي والذكاء العلمي في أن يبرز في الوسط الحوزوي، ولهذا فبمجرد أن مضى الجيل الأول من أساتذته، انتهت إليه الزعامة العلمية وأقر له أقرانه بالتقدم، وشهدت حلقات درسه إقبالاً شديداً من قبل طلاب العلم،الأمر الذي يلاحظه المتأمل في نتاج تلك المدرسة من أعاظم المجتهدين، كالسيد جواد العاملي صاحب كتاب مفتاح الكرامة والذي ألفه بأمر شيخه ليجمع آراء فقهاء الإمامية في مسائل الفقه، وقد التزم العاملي بهذا وألف الكتاب الذي يعتمد عليه كبار المحققين، كتلميذ المؤلف صاحب الجواهر في جواهر الكلام، وغيره من العلماء وهو دورة في الفقه يقع في عشرة مجلدات بالطبع القديم، وثلاثة وعشرين بالطبع الحديث.
والشيخ محمد حسن الجواهري (صاحب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) الذي كان من تلامذة الشيخ جعفر وتلميذه السيد جواد، ومثل الشيخ محمد تقي الأصفهاني، صاحب كتاب هداية المسترشدين في شرح كتاب معالم الدين المعروف بصاحب الحاشية،الأصولي المتميز في دقة فهمه ومبانيه، ومنهم أولاده الأربعة، لا سيما أعلمهم الشيخ موسى الذي كان يفتخر به والده كثيرا،
[1]يراجع سيرة حياة المحدث البحراني، لمعرفة خصائص كل من المدرستين.
حتى لقد قيل إنه كان يراه أعلم فقهاء الإمامية ما خلى المحقق الأول والشهيد[1]. وكالسيد محسن الأعرجي صاحب كتاب المحصول في علم الأصول الذي يعد من قامات ذلك العصر الشامخة.
وبالإضافة إلى التميز العلمي الذي نلاحظه في إنتاجاته، فقد كان جانب التهذيب التربوي، وجهاد النفس لديه مشهورا ومذكورا، فقد نقل عنه أنه طالما كان يناجي نفسه ويعاتبها معددا نعَم الله عليه بعدما وصل إلى المرجعية العظمى، وأصبح شيخ الإسلام قائلا: كنت جعيفر فأصبحت جعفر ثم أصبحت شيخ جعفر ثم شيخ العراقين ثم شيخ الإسلام. أما آن أن تستحي من ربك؟ وتتوب من ذنبك؟
وهكذا يظل يبكي إلى ربه عز وجل مذكرا بسيرة أئمته الطاهرين من أهل البيت عليهم السلام في مناجاتهم وتهجدهم.
ومن تهذيبه لنفسه قربه من الفقراء وتعطفه عليهم واستفادته من كل مناسبة لإعانتهم، فقد نقل الميرزا النوري بواسطة واحدة قضية كان قد شهدها ذلك الواسطة، تعرب عن هذه الجهة ويحصل بالتأمل فيها دورس كثيرة، قال:
حدثني الثقة العدل الصفي السيد مرتضى النجفي - وكان ممن أدركه في أوائل عمره- قال: أبطأ الشيخ (جعفر) في بعض الأيام عن صلاة الظهر، وكان الناس مجتمعين في المسجد ينتظرونه، فلما استيأسوا منه قاموا إلى صلاتهم فرادى وإذا بالشيخ قد دخل المسجد فرآهم يصلون فرادى، فجعل يوبخهم وينكر عليهم ذلك ويقول: أما فيكم من تثقون به وتصلون خلفه؟!
[1]روضات الجنات 2/200 ويظهر مدى اعتزازه به من مواضع كثيرة منها ما جاء في مقدمة كشف الغطاء (ط.ق) في قوله:. سألني ولدي الطاهر المطهر قرة عيني ومهجة فؤادي موسى بن جعفر أطال الله تعالى بقاءه وجعلني ليكون خلفا لي فداءه أن أكتب كتابا حاويا لفروع المسائل معلما كيفية الاستنباط من الشواهد والدلائل لينتفع به المبتدئ والواسطة والواصل ويكون مرجعا لفحول العلماء وميدانا لسباق المحصلين والفضلاء.
ووقع نظره من بينهم إلى رجل تاجر صالح معروف عنده بالوثاقة والديانة يصلي في جنب سارية من سواري المسجد، فقام الشيخ خلفه واقتدى به. ولما رأى الناس ذلك اصطفوا خلفه وانعقدت الصفوف وراءه فلما أحس التاجر بذلك اضطرب واستحى ولا يقدر على قطع الصلاة ولا يتمكن من إتمامها، كيف وقد قامت صفوف خلفه تغتبط منها الفحول من العلماء فضلا عن العوام، ولم يكن له عهد بالإمامة سيما التقدم عل مثل هؤلاء المأمومين، ولما لم يكن له بد من الإتمام، أتمها والعرق يسيل من جوانبه حياء، ولما سلم قام فأخذ الشيخ بعضده وأجلسه قال: يا شيخ قتلتني بهذا الاقتداء! ما لي ولمقام الإمامة؟!
فقال الشيخ: لابد لك من أن تصلي بنا العصر، فجعل يتضرع ويقول: تريد تقتلني لا قوة لي على ذلك. وأمثال ذلك من الكلام، فقال الشيخ: إما أن تصلي أو تعطيني مائتي شامي - أو أزيد، والترديد مني - فقال: بل أعطيك ولا أصلي، فقال الشيخ: لا بد من إحضارها قبل الصلاة، فبعث من أحضرها ففرقها على الفقراء، ثم قام إلى المحراب وصلى بهم العصر[1].
بل نقلوا عنه أنه إذا رأى فقيرا يطلب من الناس مساعدة، قام بنفسه ونزع طاقية عمامته، وبدأ يدور على صفوف المأمومين لكي يضعوا فيها ما تجود أنفسهم للفقير المذكور، وإذ يعترض المأمومون على ذلك وأنه لا يناسب مقامه الشامخ، يقول لهم فاجمعوا له حتى لا أقوم!
بعض أعماله السياسية:
يلحظ المتابع لحياة الشيخ الكبير كاشف الغطاء، أنه بالاضافة إلى كونه مرجعا دينيا تصدى للفتوى والتدريس كما تقدم في الحديث عن بعض تلامذته ويأتي في الحديث عن كتبه كان له حركة سياسية في أكثر من صعيد، على مستوى الوضع
[1]النوري؛ خاتمة المستدرك 2. 11