بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 267

كاشف الغطاء:الزعيم العالم

الشيخ جعفر بن الشيخ يحيى الجناجي

- 1156 1228هـ

ندر أن تنسب عائلة إلى كتاب!

ومن النادر ذاك كانت عائلة الجناجي، التي صارت عائلة (كاشف الغطاء) بعد تأليف كتاب (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء) من قبل عالمها الشيخ جعفر.

قد يكون ذلك راجعا إلى عظمة الكتاب وأهميته تلك التي ينقل عن الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري أن من فهم دقائق كشف الغطاء وقدر على تدريسه فهو مجتهد مطلق!

وقد يكون راجعا إلى شخصية مؤلفه وكاتبه التي جمعت ما لم يجتمع لدى غيره، وكان الكتاب المذكور المعرف الأكبر لها.

بالفعل فقد توفر الشيخ جعفر بن الشيخ خضربن يحيى المالكي الجناجي[1]، على جملة من الميزات قل اجتماعها في غيره. فقد اجتمع فيه العلم في أعلى درجاته، والتهذيب النفسي، والأخلاق الاجتماعية، والوعي السياسي، بل الممارسة القيادية.

هلمَّ! نتعرف على بعض تلك الخصائص بادئين بدراسته على يد والده الشيخ جعفر الذي كان معروفا بالقداسة والزهد،

[1]المالكي نسبة إلى بني مالك، قبيلة عربية ينتهي نسبها إلى مالك الأشتر النخعي، والجناجي نسبة إلى منطقة جناجة أو جناجية من توابع الحلة.


صفحه 268

وكان إمام جماعة يتسابق على الائتمام به كبار علماء النجف في حينها، حتى إذا أنهى مرحلة المقدمات والسطوح، انتسب إلى البحوث العالية (الخارج) في الفقه والأصول، فدرس على يد الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهاني الذي يعد رائد المدرسة الأصولية الحديثة لدى الإمامية. كما درس على يد الشيخ محمد مهدي الفتوني العاملي وهو من أبرز تلامذة المحدث الفقيه الشيخ يوسف البحراني، وقد أثر هذا العلمان الكبيران تأثيرا بالغا في بناء الشيخ كاشف الغطاء العلمي حيث أنهما يمثلان خلاصة المدرستين الأساسيتين في الاستنباط الفقهي، مدرسة الأصوليين، ومدرسة المحدثين الأخباريين[1].

وقد أثرت تلك الدراسة بالاضافة إلى ما كان عليه الشيخ جعفر من الاستعداد الذاتي والذكاء العلمي في أن يبرز في الوسط الحوزوي، ولهذا فبمجرد أن مضى الجيل الأول من أساتذته، انتهت إليه الزعامة العلمية وأقر له أقرانه بالتقدم، وشهدت حلقات درسه إقبالاً شديداً من قبل طلاب العلم،الأمر الذي يلاحظه المتأمل في نتاج تلك المدرسة من أعاظم المجتهدين، كالسيد جواد العاملي صاحب كتاب مفتاح الكرامة والذي ألفه بأمر شيخه ليجمع آراء فقهاء الإمامية في مسائل الفقه، وقد التزم العاملي بهذا وألف الكتاب الذي يعتمد عليه كبار المحققين، كتلميذ المؤلف صاحب الجواهر في جواهر الكلام، وغيره من العلماء وهو دورة في الفقه يقع في عشرة مجلدات بالطبع القديم، وثلاثة وعشرين بالطبع الحديث.

والشيخ محمد حسن الجواهري (صاحب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) الذي كان من تلامذة الشيخ جعفر وتلميذه السيد جواد، ومثل الشيخ محمد تقي الأصفهاني، صاحب كتاب هداية المسترشدين في شرح كتاب معالم الدين المعروف بصاحب الحاشية،الأصولي المتميز في دقة فهمه ومبانيه، ومنهم أولاده الأربعة، لا سيما أعلمهم الشيخ موسى الذي كان يفتخر به والده كثيرا،

[1]يراجع سيرة حياة المحدث البحراني، لمعرفة خصائص كل من المدرستين.


صفحه 269

حتى لقد قيل إنه كان يراه أعلم فقهاء الإمامية ما خلى المحقق الأول والشهيد[1]. وكالسيد محسن الأعرجي صاحب كتاب المحصول في علم الأصول الذي يعد من قامات ذلك العصر الشامخة.

وبالإضافة إلى التميز العلمي الذي نلاحظه في إنتاجاته، فقد كان جانب التهذيب التربوي، وجهاد النفس لديه مشهورا ومذكورا، فقد نقل عنه أنه طالما كان يناجي نفسه ويعاتبها معددا نعَم الله عليه بعدما وصل إلى المرجعية العظمى، وأصبح شيخ الإسلام قائلا: كنت جعيفر فأصبحت جعفر ثم أصبحت شيخ جعفر ثم شيخ العراقين ثم شيخ الإسلام. أما آن أن تستحي من ربك؟ وتتوب من ذنبك؟

وهكذا يظل يبكي إلى ربه عز وجل مذكرا بسيرة أئمته الطاهرين من أهل البيت عليهم السلام في مناجاتهم وتهجدهم.

ومن تهذيبه لنفسه قربه من الفقراء وتعطفه عليهم واستفادته من كل مناسبة لإعانتهم، فقد نقل الميرزا النوري بواسطة واحدة قضية كان قد شهدها ذلك الواسطة، تعرب عن هذه الجهة ويحصل بالتأمل فيها دورس كثيرة، قال:

حدثني الثقة العدل الصفي السيد مرتضى النجفي - وكان ممن أدركه في أوائل عمره- قال: أبطأ الشيخ (جعفر) في بعض الأيام عن صلاة الظهر، وكان الناس مجتمعين في المسجد ينتظرونه، فلما استيأسوا منه قاموا إلى صلاتهم فرادى وإذا بالشيخ قد دخل المسجد فرآهم يصلون فرادى، فجعل يوبخهم وينكر عليهم ذلك ويقول: أما فيكم من تثقون به وتصلون خلفه؟!

[1]روضات الجنات 2/200 ويظهر مدى اعتزازه به من مواضع كثيرة منها ما جاء في مقدمة كشف الغطاء (ط.ق) في قوله:. سألني ولدي الطاهر المطهر قرة عيني ومهجة فؤادي موسى بن جعفر أطال الله تعالى بقاءه وجعلني ليكون خلفا لي فداءه أن أكتب كتابا حاويا لفروع المسائل معلما كيفية الاستنباط من الشواهد والدلائل لينتفع به المبتدئ والواسطة والواصل ويكون مرجعا لفحول العلماء وميدانا لسباق المحصلين والفضلاء.


صفحه 270

ووقع نظره من بينهم إلى رجل تاجر صالح معروف عنده بالوثاقة والديانة يصلي في جنب سارية من سواري المسجد، فقام الشيخ خلفه واقتدى به. ولما رأى الناس ذلك اصطفوا خلفه وانعقدت الصفوف وراءه فلما أحس التاجر بذلك اضطرب واستحى ولا يقدر على قطع الصلاة ولا يتمكن من إتمامها، كيف وقد قامت صفوف خلفه تغتبط منها الفحول من العلماء فضلا عن العوام، ولم يكن له عهد بالإمامة سيما التقدم عل مثل هؤلاء المأمومين، ولما لم يكن له بد من الإتمام، أتمها والعرق يسيل من جوانبه حياء، ولما سلم قام فأخذ الشيخ بعضده وأجلسه قال: يا شيخ قتلتني بهذا الاقتداء! ما لي ولمقام الإمامة؟!

فقال الشيخ: لابد لك من أن تصلي بنا العصر، فجعل يتضرع ويقول: تريد تقتلني لا قوة لي على ذلك. وأمثال ذلك من الكلام، فقال الشيخ: إما أن تصلي أو تعطيني مائتي شامي - أو أزيد، والترديد مني - فقال: بل أعطيك ولا أصلي، فقال الشيخ: لا بد من إحضارها قبل الصلاة، فبعث من أحضرها ففرقها على الفقراء، ثم قام إلى المحراب وصلى بهم العصر[1].

بل نقلوا عنه أنه إذا رأى فقيرا يطلب من الناس مساعدة، قام بنفسه ونزع طاقية عمامته، وبدأ يدور على صفوف المأمومين لكي يضعوا فيها ما تجود أنفسهم للفقير المذكور، وإذ يعترض المأمومون على ذلك وأنه لا يناسب مقامه الشامخ، يقول لهم فاجمعوا له حتى لا أقوم!

بعض أعماله السياسية:

يلحظ المتابع لحياة الشيخ الكبير كاشف الغطاء، أنه بالاضافة إلى كونه مرجعا دينيا تصدى للفتوى والتدريس كما تقدم في الحديث عن بعض تلامذته ويأتي في الحديث عن كتبه كان له حركة سياسية في أكثر من صعيد، على مستوى الوضع

[1]النوري؛ خاتمة المستدرك 2. 11


صفحه 271

في إيران وسعيه لتحريض الناس على مقاومة الاحتلال الروسي، وأيضا كان له دور مهم في الإصلاح بين الدولتين العثمانية والقاجارية والتوسط بين سلطانيهما لحل المشكلات القائمة، وعلى مستوى الدفاع عن النجف ومرقد أمير المؤمنين والحوزة العلمية فيها.

ففي الصعيد الأول: بعد أن انتهت الدولة الصفوية، وحل محلها الحكم القاجاري نشبت المنازعات بين ملوك القاجار، فقتل محمد خان القاجاري سنة 1212هـ، وجاء فتح علي شاه القاجاري مكانه، في ظل حروب داخلية أضعفت إيران وأوصلتها إلى أسوء حالاتها، الأمر الذي جعل الدولة الروسية تستغل الفرصة وتقوم باحتلال منطقة القفقاز من إيران (آذربايجان، وأرمنستان، وجورجيا) بل وصلت إلى تبريز.

وكان من المهم أن يتم التحشيد لمقاومة القوات الروسية، وهنا يُنقل أن الشيخ جعفر كاشف الغطاء قد أمضى رئاسة وحكومة فتح علي شاه، الذي طلب منه التأييد، ففعل الشيخ لجهة مقاومة الاحتلال الروسي واقتطاعه ولايات إيرانية!

وقد ذكر بعض الباحثين[1]أن كاشف الغطاء ألف كتاب كشف الغطاء نزولا عند رغبة السلطان. إلا أن هذا يخالف ظاهرا ما ذكره كاشف الغطاء في مقدمة كتابه من أن ولده سأله أن يؤلف كتابا من هذا القبيل! وقد أشرنا إلى هذا آنفا.

المهم أنه قد نقل أن كاشف الغطاء قد سافر إلى تبريز وكان يحرض الناس على المقاومة[2]والدفاع عن البلاد الايرانية، مستعينا بعلمائها في هذا الشأن. غير أن الشاه فتح علي لم يكن بحسب ملكاته الشخصية وأوضاعه العامة قادرا على المقاومة فانتهى إلى توقيع اتفاقية مذلة وخاسرة.

[1]الناطقي؛ علي أوسط: مقدمة تحقيق كتاب عوائد الأيام - المحقق النراقي 51.

[2]القاضي؛ السيد علي: بهامش كتاب الفردوس الأعلى للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ص 154.


صفحه 272

وعلى المستوى الثاني أيضا كان له دور في الإصلاح بين الدولتين، وذلك أن سلاطين الأتراك والقاجار في تلك الفترة، كان مهما عندهم التغالب وتوسعة النفوذ، فما أن يرى أحد الطرفين ضعفا في الطرف الآخر، حتى يقوم باستغلال الفرصة لتوسعة دائرة نفوذه واحتلال أراضي منافسه، وهكذا كانت الحرب لا تهدأ في فترة إلا لأجل الاستعداد لحرب في فترة لاحقة. وبهذا كانت النفوس تزهق، والأموال تصرف، في سبيل شهوات الحاكمين ورئاستهم!!

فقد نشبت الحرب سنة 1221هـ بين العثمانيين عن طريق واليهم على بغداد، الذي تقدمت قواته متوغلة في الأراضي الإيرانية، وبين القاجاريين في زمان فتح علي شاه، الذي استطاع ولده محمد علي ميرزا أن يهزم القوات المهاجمة وأن يأسر منهم عددا كبيرا، من بينهم قائد الجيش التركي سليمان باشا الكهيا، وتوقفت الحرب.

قال العلامة الطهراني[1]فالتجأ علي باشا والي بغداد إلى شيخ الجعفريّة الشيخ جعفر النجفي، فقبل الشيخ التماسه، و ذهب إلى محمد علي ميرزا،شفيعاً للأسراء فقبل شفاعته ما عدا كهيا،فأطلقهم جميعاً، و بعث كهيا مقيّداً إلى السلطان فتح عليّ شاه، فأمر بحفظه و فكّ قيده، إلى أن تهيّأ الشيخ للسفر إلى طهران، فوصل إلى السلطان مكرّماً مقبول الشفاعة فأخذه معه و رجع إلى بغداد.

و كان تشفّـع في كهيا يوسف باشا والي أرزنة الروم، و بعث معتمده الفيضي محمود أفندي مع عريضة إلى عبّاس ميرزا، فلم يقبل شفاعته، و إنّما قبل شفاعة الشيخ تكريماً له.

لا ريب أن قيام الشيخ كاشف الغطاء رحمة الله بمثل هذا المسعى كان يهدف إلى تخفيف التشنج في واقع الأمة الإسلامية، ذلك التشنج الذي يوقده بعض الحاكمين

[1]موقع تبيان http://www.t عليه السلام by صلى الله عليه وآله n.n عليه السلام t


صفحه 273

المغامرين بهوسهم في الرئاسة والسلطة، وتظهر آثاره السيئة في مختلف جوانب حياة المسلمين، ففضلا عن الحروب وما تخلف من آثار في سفك الدماء، وخراب الاقتصاد، فإنها تخلف عداوات في النفوس بين الطوائف الإسلامية، قد تبقى ولا يمحيها الزمان.

وأما على مستوى الدفاع عن مدينة النجف، حاضرة الحوزة العلمية في زمانه، وموضع مشهد أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد استطاع بتدبيره وإدارته حمايتها من هجمات المهاجمين، وصيانة حياة أهلها، والمحافظة على مشهدها وحوزتها. وذلك أن الحركة الوهابية قد تحولت في ذلك الزمان إلى الهجوم على من يخالفها، بزعم أنها تنشر التوحيد وتحارب البدع. فكان أن هاجموا كربلاء في 1216هـ.

ويرى بعض الباحثين أن العلاقة بين المرجعية الشيعية المتمثلة في كاشف الغطاء، وبين الحركة الوهابية قد مرت بمرحلتين، مرحلة الهدوء، ويرجعها إلى وجود شيء من العلاقة (أو المعرفة) بين الشيخ كاشف الغطاء ومحمد بن عبد الوهاب لدراستهما في بغداد، والمرحلة الأخرى هي مرحلة المواجهة التي وصلت إلى محاولة الغزو من قبل الوهابيين للنجف التي كان يسكنها كاشف الغطاء ويعتبر زعيمها الروحي.

ويفصل هاتين المرحلتين بالنحو التالي[1]:

«الأولى: في حياة شيخ الوهابية محمد بن عبد الوهاب حتى وفاته عام 1206ه‌. 1792م.

الثانية: ما بعد رحيل الإمام محمد بن عبد الوهاب، أي (خلال مرحلة حكم الأمير عبد العزيز بن سعود (1206ه‌ - 1218ه‌).

[1]القزويني؛ د جودت: مقدمة منهج الرشاد لمن أراد السداد للشيخ جعفر كاشف الغطاء - ص 508 - 509.


صفحه 274

ففي المرحلة الأولى لم تشهد المدن المقدسة الشيعية أي هجوم وهابي. والسبب يعود - كما ذكر صاحب العبقات - إلى علاقة الشيخ جعفر الطيبة مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وبالرغم ان المصادر التاريخية لم تشر إلى علاقة كهذه سوى ما ذكر في (العبقات)، فأن سياق الأحداث التاريخية يؤكد وجود علاقة بين الطرفين، ربما امتدت منذ إقامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيام دراسته في بغداد، وبقيت حتى تولي الشيخ كاشف الغطاء زعامة الطائفة الإمامية.

أما المرحلة الثانية - والتي تبدأ بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -، فإنها اتسمت بالحوار الدبلوماسي في سنيها الأولى، لكنها لم تستمر على هذه الوتيرة بعد الغزو الوهابي لمدينة كربلاء عام 1216 ه‌، وإحلال الدمار والقتل فيها. وتتجلى أهمية هذا الحوار في المراسلات التي دارت بين الأمير عبد العزيز بن سعود والشيخ كاشف الغطاء، حيث كتب الأمير عبد العزيز رسالة (نقل قسما من مضامينها كاشف الغطاء)، ورد عليها برسالة أشبه ما تكون بالمناقشة الشاملة لما ورد من الشبهات التي أثيرت حول الفكر الإمامي، ومما لم يرد منها أيضا».

وقد عمل كاشف الغطاء في البداية على محاولة إبقاء حدود الاختلاف في الجهة العلمية والنظرية القائمة على احترام الطرف الآخر، وتفهم منطلقاته، وقد ألّف كتاب منهج الرشاد لمن أراد السداد في هذا الإتجاه كما يظهر من لغة الكتاب وطريقة تعرضه إلى الشبهات والأسئلة المثارة حيث خلا من التشنج اللفظي، وعبىء بكلمات الأخوة وإن كان قوي الحجة من الناحية العلمية.

غير أن أمر الهدوء لم يطُل كثيرا، فبدءا من نهايات (1216هـ) بدأت موجات الهجوم على العراق بادئة بكربلاء، ثم محاولة احتلال النجف.

هنا نهض كاشف الغطاء بعبء المواجهة، فأمر أحد كبار تلامذته وهو السيد محمد جواد العاملي أن يؤلف رسالة في وجوب الذب والدفاع عن النجف، لتكون