وعلى المستوى الثاني أيضا كان له دور في الإصلاح بين الدولتين، وذلك أن سلاطين الأتراك والقاجار في تلك الفترة، كان مهما عندهم التغالب وتوسعة النفوذ، فما أن يرى أحد الطرفين ضعفا في الطرف الآخر، حتى يقوم باستغلال الفرصة لتوسعة دائرة نفوذه واحتلال أراضي منافسه، وهكذا كانت الحرب لا تهدأ في فترة إلا لأجل الاستعداد لحرب في فترة لاحقة. وبهذا كانت النفوس تزهق، والأموال تصرف، في سبيل شهوات الحاكمين ورئاستهم!!
فقد نشبت الحرب سنة 1221هـ بين العثمانيين عن طريق واليهم على بغداد، الذي تقدمت قواته متوغلة في الأراضي الإيرانية، وبين القاجاريين في زمان فتح علي شاه، الذي استطاع ولده محمد علي ميرزا أن يهزم القوات المهاجمة وأن يأسر منهم عددا كبيرا، من بينهم قائد الجيش التركي سليمان باشا الكهيا، وتوقفت الحرب.
قال العلامة الطهراني[1]فالتجأ علي باشا والي بغداد إلى شيخ الجعفريّة الشيخ جعفر النجفي، فقبل الشيخ التماسه، و ذهب إلى محمد علي ميرزا،شفيعاً للأسراء فقبل شفاعته ما عدا كهيا،فأطلقهم جميعاً، و بعث كهيا مقيّداً إلى السلطان فتح عليّ شاه، فأمر بحفظه و فكّ قيده، إلى أن تهيّأ الشيخ للسفر إلى طهران، فوصل إلى السلطان مكرّماً مقبول الشفاعة فأخذه معه و رجع إلى بغداد.
و كان تشفّـع في كهيا يوسف باشا والي أرزنة الروم، و بعث معتمده الفيضي محمود أفندي مع عريضة إلى عبّاس ميرزا، فلم يقبل شفاعته، و إنّما قبل شفاعة الشيخ تكريماً له.
لا ريب أن قيام الشيخ كاشف الغطاء رحمة الله بمثل هذا المسعى كان يهدف إلى تخفيف التشنج في واقع الأمة الإسلامية، ذلك التشنج الذي يوقده بعض الحاكمين
[1]موقع تبيان http://www.t عليه السلام by صلى الله عليه وآله n.n عليه السلام t
المغامرين بهوسهم في الرئاسة والسلطة، وتظهر آثاره السيئة في مختلف جوانب حياة المسلمين، ففضلا عن الحروب وما تخلف من آثار في سفك الدماء، وخراب الاقتصاد، فإنها تخلف عداوات في النفوس بين الطوائف الإسلامية، قد تبقى ولا يمحيها الزمان.
وأما على مستوى الدفاع عن مدينة النجف، حاضرة الحوزة العلمية في زمانه، وموضع مشهد أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد استطاع بتدبيره وإدارته حمايتها من هجمات المهاجمين، وصيانة حياة أهلها، والمحافظة على مشهدها وحوزتها. وذلك أن الحركة الوهابية قد تحولت في ذلك الزمان إلى الهجوم على من يخالفها، بزعم أنها تنشر التوحيد وتحارب البدع. فكان أن هاجموا كربلاء في 1216هـ.
ويرى بعض الباحثين أن العلاقة بين المرجعية الشيعية المتمثلة في كاشف الغطاء، وبين الحركة الوهابية قد مرت بمرحلتين، مرحلة الهدوء، ويرجعها إلى وجود شيء من العلاقة (أو المعرفة) بين الشيخ كاشف الغطاء ومحمد بن عبد الوهاب لدراستهما في بغداد، والمرحلة الأخرى هي مرحلة المواجهة التي وصلت إلى محاولة الغزو من قبل الوهابيين للنجف التي كان يسكنها كاشف الغطاء ويعتبر زعيمها الروحي.
ويفصل هاتين المرحلتين بالنحو التالي[1]:
«الأولى: في حياة شيخ الوهابية محمد بن عبد الوهاب حتى وفاته عام 1206ه. 1792م.
الثانية: ما بعد رحيل الإمام محمد بن عبد الوهاب، أي (خلال مرحلة حكم الأمير عبد العزيز بن سعود (1206ه - 1218ه).
[1]القزويني؛ د جودت: مقدمة منهج الرشاد لمن أراد السداد للشيخ جعفر كاشف الغطاء - ص 508 - 509.
ففي المرحلة الأولى لم تشهد المدن المقدسة الشيعية أي هجوم وهابي. والسبب يعود - كما ذكر صاحب العبقات - إلى علاقة الشيخ جعفر الطيبة مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وبالرغم ان المصادر التاريخية لم تشر إلى علاقة كهذه سوى ما ذكر في (العبقات)، فأن سياق الأحداث التاريخية يؤكد وجود علاقة بين الطرفين، ربما امتدت منذ إقامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيام دراسته في بغداد، وبقيت حتى تولي الشيخ كاشف الغطاء زعامة الطائفة الإمامية.
أما المرحلة الثانية - والتي تبدأ بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -، فإنها اتسمت بالحوار الدبلوماسي في سنيها الأولى، لكنها لم تستمر على هذه الوتيرة بعد الغزو الوهابي لمدينة كربلاء عام 1216 ه، وإحلال الدمار والقتل فيها. وتتجلى أهمية هذا الحوار في المراسلات التي دارت بين الأمير عبد العزيز بن سعود والشيخ كاشف الغطاء، حيث كتب الأمير عبد العزيز رسالة (نقل قسما من مضامينها كاشف الغطاء)، ورد عليها برسالة أشبه ما تكون بالمناقشة الشاملة لما ورد من الشبهات التي أثيرت حول الفكر الإمامي، ومما لم يرد منها أيضا».
وقد عمل كاشف الغطاء في البداية على محاولة إبقاء حدود الاختلاف في الجهة العلمية والنظرية القائمة على احترام الطرف الآخر، وتفهم منطلقاته، وقد ألّف كتاب منهج الرشاد لمن أراد السداد في هذا الإتجاه كما يظهر من لغة الكتاب وطريقة تعرضه إلى الشبهات والأسئلة المثارة حيث خلا من التشنج اللفظي، وعبىء بكلمات الأخوة وإن كان قوي الحجة من الناحية العلمية.
غير أن أمر الهدوء لم يطُل كثيرا، فبدءا من نهايات (1216هـ) بدأت موجات الهجوم على العراق بادئة بكربلاء، ثم محاولة احتلال النجف.
هنا نهض كاشف الغطاء بعبء المواجهة، فأمر أحد كبار تلامذته وهو السيد محمد جواد العاملي أن يؤلف رسالة في وجوب الذب والدفاع عن النجف، لتكون
أرضية فقهية يبنى عليها. وبث في طلاب العلم أمر ممارسة الرياضة ثم التدرب على السلاح وتعلم الرماية، حتى قيل إنه قد جعل في منزله (زورخانه) وهي أشبه بصالات بناء الأجسام والرياضة في هذا الزمان، وأمر بتوفير السلاح، والتعلم عليه. حتى أن طلاب العلم وعامة الناس كانوا يخرجون إلى (بر النجف) للرماية والتدريب. وقد أصيب في هذه الأثناء الأخ الأكبر لصاحب الجواهر الشيخ محمد حسين[1]، وكان معروفا بالذكاء والفهم، على أثر إطلاق خاطئ من قبل بعض المتدربين.
وأضاف إلى ذلك السعي في تحصين النجف ببناء سور يحيط بها، لكي يتحصن فيه أهلها من هجوم الأعداء عليهم. كما أمر ببناء خنادق في داخل ذلك السور، وسراديب في البيوت، وكان من الإحكام بحيث أنها بقيت إلى زماننا هذا، وأنها كانت بنحوٍ يضيع فيها من لا يعرف خريطتها وليس من أهلها.
وقد أثمرت تلك الاجراءت، ونفعت أهل النجف عندما هاجمهم الوهابيون في 1221هـ فقد كانت المبادرة بيد أهل النجف واستطاعوا هزيمة المهاجمين.
كتب مهمة:
كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء.
وهو أهم كتبه، والذي عرفت أسرته به، وقد أثنى العلماء المعتبرون عليه، حتى لقد نقل عن الشيخ الأنصاري قوله: من فهم كتاب كشف الغطاء وفهم دقائقه وتحقيقاته فهو عندي مجتهد مطلق أو ما يقرب من هذا القول. وبملاحظة عناوين هذا الكتاب نلاحظ أنه يحتوي على:
المقدمات العقائدية، المقدمات الأصولية،فقه الطهارة، فقه الصلاة، فقة الصوم
[1]يراجع مقدمة الشيخ المظفر لكتاب جواهر الكلام.
والاعتكاف، فقه العبادات المالية الزكاة والخمس والأنفال والوقوف، فقه الجهاد والأمر بالمعروف، فقه الحج. والكتاب مطبوع في أربعة مجلدات ضخام بالطبع الحديث.
منهج الرشاد لمن أراد السداد في ردّ الوهّابيّة.
ويعتبر هذا الكتاب من الناحية التاريخية أول رد علمي مفصل في الجواب عن الشبهات التي أثارتها رسالة زعيم الوهابيين في زمانه عبد العزيز آل سعود، وقد تم تأليفه في سنة 1218هـ. ومن ألف في جواب هذه الشبهات كان عيالا على هذا الكتاب وآخذا منه. وقد سبق الكلام قليلا عن الظروف التي أملت على كاشف الغطاء أن يكتب هذا الكتاب المختصر.
الحقّ المبين في تصويب المجتهدين و تخطئة جهّال الأخباريّين.
قيل إنه ألفه بطلب ولده الشيخ علي بن جعفر. بيّن فيه نقاط الاشتراك بين المدرستين عقائديا وفقهيا، وأن المعتدلين في كلا المدرستين متفقون فيهما، بينما غلاة المدرسة الأخرى خاطئون، وهذا الكتاب يتحدث عن مشكلة أثيرت في تلك الفترة على يد الميرزا محمد النيسابوري الأخباري، والذي خصه كاشف الغطاء بالهجوم عليه في كتاب أسماه:
كشف الغطاء عن معايب ميرزا محمّد عدوّ العلماء.
وقد ذكر مترجمو كاشف الغطاء باقي أسماء كتبه على النحو التالي، ونحن ننقل عنهم :
القواعد الجعفريّة في شرح بعض أبواب المكاسب.
مشكاة المصابيح في شرح منثور الدرّة، الموسوم ب «مشكاة الهداية».
غاية المأمول في علم الأصول.
غاية المراد في أحكام الجهاد.
الرسالة الصوميّة.
بغية الطالب في معرفة المفروض و الواجب، رسالة عمليّة
رسالة مناسك الحجّ.
العقائد الجعفريّة في أُصول الدين.
إثبات الفرقة الناجية.
أحكام الأموات.
رسالة في الدماء الثلاثة.
كتاب الطهارة.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
صاحب الجواهر
الشيخ محمد حسن النجفي
ت 1266هـ
يقرر القرآن الكريم حقيقة خارجية واضحة للناس وهي أنه{وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ}[1]{وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ}[2]وهو أمر خارجي واضح، إلى أمر معنوي ربما لا يكون بنفس الوضوح، فيستنكر على الذين يسوون بين العلماء والجهلة والعارفين وغير العارفين،{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ}!
فيضع بذلك مقياساً أساسيا للتفاضل بين الناس، وهو العلم وعدم العلم، فمن كان عالما فهو خير من الجاهل ومتقدم عليه، مهما كان حال الثاني، وملكه للمال أو الشخصية الاجتماعية أو النسب العائلي!
وتعظيم الله للعلماء وتكريمه لهم، لا ريب أنه ينتهي إلى أن يتأسس المجتمع المؤمن على قواعد راسخة من المعرفة. وينطلق من خلالها إلى رحاب الحضارة.
وتتفاوت العلوم بحسب مواضيعها، شرفا وغاية، ولا ريب أن العلوم التي تقرر مصير الإنسان في الآخرة سعادة أو شقاء هي أسمى العلوم. فإن سواها وإن جلت نفعاً إلا أنها ينحصر أثرها في انتفاع الإنسان بها حال الدنيا، فإن الطب مثلا ينفع
[1]سورة فاطر: 19.
[2]سورة فاطر: 20.