بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 274

ففي المرحلة الأولى لم تشهد المدن المقدسة الشيعية أي هجوم وهابي. والسبب يعود - كما ذكر صاحب العبقات - إلى علاقة الشيخ جعفر الطيبة مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وبالرغم ان المصادر التاريخية لم تشر إلى علاقة كهذه سوى ما ذكر في (العبقات)، فأن سياق الأحداث التاريخية يؤكد وجود علاقة بين الطرفين، ربما امتدت منذ إقامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيام دراسته في بغداد، وبقيت حتى تولي الشيخ كاشف الغطاء زعامة الطائفة الإمامية.

أما المرحلة الثانية - والتي تبدأ بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -، فإنها اتسمت بالحوار الدبلوماسي في سنيها الأولى، لكنها لم تستمر على هذه الوتيرة بعد الغزو الوهابي لمدينة كربلاء عام 1216 ه‌، وإحلال الدمار والقتل فيها. وتتجلى أهمية هذا الحوار في المراسلات التي دارت بين الأمير عبد العزيز بن سعود والشيخ كاشف الغطاء، حيث كتب الأمير عبد العزيز رسالة (نقل قسما من مضامينها كاشف الغطاء)، ورد عليها برسالة أشبه ما تكون بالمناقشة الشاملة لما ورد من الشبهات التي أثيرت حول الفكر الإمامي، ومما لم يرد منها أيضا».

وقد عمل كاشف الغطاء في البداية على محاولة إبقاء حدود الاختلاف في الجهة العلمية والنظرية القائمة على احترام الطرف الآخر، وتفهم منطلقاته، وقد ألّف كتاب منهج الرشاد لمن أراد السداد في هذا الإتجاه كما يظهر من لغة الكتاب وطريقة تعرضه إلى الشبهات والأسئلة المثارة حيث خلا من التشنج اللفظي، وعبىء بكلمات الأخوة وإن كان قوي الحجة من الناحية العلمية.

غير أن أمر الهدوء لم يطُل كثيرا، فبدءا من نهايات (1216هـ) بدأت موجات الهجوم على العراق بادئة بكربلاء، ثم محاولة احتلال النجف.

هنا نهض كاشف الغطاء بعبء المواجهة، فأمر أحد كبار تلامذته وهو السيد محمد جواد العاملي أن يؤلف رسالة في وجوب الذب والدفاع عن النجف، لتكون


صفحه 275

أرضية فقهية يبنى عليها. وبث في طلاب العلم أمر ممارسة الرياضة ثم التدرب على السلاح وتعلم الرماية، حتى قيل إنه قد جعل في منزله (زورخانه) وهي أشبه بصالات بناء الأجسام والرياضة في هذا الزمان، وأمر بتوفير السلاح، والتعلم عليه. حتى أن طلاب العلم وعامة الناس كانوا يخرجون إلى (بر النجف) للرماية والتدريب. وقد أصيب في هذه الأثناء الأخ الأكبر لصاحب الجواهر الشيخ محمد حسين[1]، وكان معروفا بالذكاء والفهم، على أثر إطلاق خاطئ من قبل بعض المتدربين.

وأضاف إلى ذلك السعي في تحصين النجف ببناء سور يحيط بها، لكي يتحصن فيه أهلها من هجوم الأعداء عليهم. كما أمر ببناء خنادق في داخل ذلك السور، وسراديب في البيوت، وكان من الإحكام بحيث أنها بقيت إلى زماننا هذا، وأنها كانت بنحوٍ يضيع فيها من لا يعرف خريطتها وليس من أهلها.

وقد أثمرت تلك الاجراءت، ونفعت أهل النجف عندما هاجمهم الوهابيون في 1221هـ فقد كانت المبادرة بيد أهل النجف واستطاعوا هزيمة المهاجمين.

كتب مهمة:

كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء.

وهو أهم كتبه، والذي عرفت أسرته به، وقد أثنى العلماء المعتبرون عليه، حتى لقد نقل عن الشيخ الأنصاري قوله: من فهم كتاب كشف الغطاء وفهم دقائقه وتحقيقاته فهو عندي مجتهد مطلق أو ما يقرب من هذا القول. وبملاحظة عناوين هذا الكتاب نلاحظ أنه يحتوي على:

المقدمات العقائدية، المقدمات الأصولية،فقه الطهارة، فقه الصلاة، فقة الصوم

[1]يراجع مقدمة الشيخ المظفر لكتاب جواهر الكلام.


صفحه 276

والاعتكاف، فقه العبادات المالية الزكاة والخمس والأنفال والوقوف، فقه الجهاد والأمر بالمعروف، فقه الحج. والكتاب مطبوع في أربعة مجلدات ضخام بالطبع الحديث.

منهج الرشاد لمن أراد السداد في ردّ الوهّابيّة.

ويعتبر هذا الكتاب من الناحية التاريخية أول رد علمي مفصل في الجواب عن الشبهات التي أثارتها رسالة زعيم الوهابيين في زمانه عبد العزيز آل سعود، وقد تم تأليفه في سنة 1218هـ. ومن ألف في جواب هذه الشبهات كان عيالا على هذا الكتاب وآخذا منه. وقد سبق الكلام قليلا عن الظروف التي أملت على كاشف الغطاء أن يكتب هذا الكتاب المختصر.

الحقّ المبين في تصويب المجتهدين و تخطئة جهّال الأخباريّين.

قيل إنه ألفه بطلب ولده الشيخ علي بن جعفر. بيّن فيه نقاط الاشتراك بين المدرستين عقائديا وفقهيا، وأن المعتدلين في كلا المدرستين متفقون فيهما، بينما غلاة المدرسة الأخرى خاطئون، وهذا الكتاب يتحدث عن مشكلة أثيرت في تلك الفترة على يد الميرزا محمد النيسابوري الأخباري، والذي خصه كاشف الغطاء بالهجوم عليه في كتاب أسماه:

كشف الغطاء عن معايب ميرزا محمّد عدوّ العلماء.

وقد ذكر مترجمو كاشف الغطاء باقي أسماء كتبه على النحو التالي، ونحن ننقل عنهم :

القواعد الجعفريّة في شرح بعض أبواب المكاسب.

مشكاة المصابيح في شرح منثور الدرّة، الموسوم ب‌ «مشكاة الهداية».

غاية المأمول في علم الأصول.


صفحه 277

غاية المراد في أحكام الجهاد.

الرسالة الصوميّة.

بغية الطالب في معرفة المفروض و الواجب، رسالة عمليّة

رسالة مناسك الحجّ.

العقائد الجعفريّة في أُصول الدين.

إثبات الفرقة الناجية.

أحكام الأموات.

رسالة في الدماء الثلاثة.

كتاب الطهارة.


صفحه 278

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 279

صاحب الجواهر

الشيخ محمد حسن النجفي

ت 1266هـ

يقرر القرآن الكريم حقيقة خارجية واضحة للناس وهي أنه{وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ}[1]{وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ}[2]وهو أمر خارجي واضح، إلى أمر معنوي ربما لا يكون بنفس الوضوح، فيستنكر على الذين يسوون بين العلماء والجهلة والعارفين وغير العارفين،{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ}!

فيضع بذلك مقياساً أساسيا للتفاضل بين الناس، وهو العلم وعدم العلم، فمن كان عالما فهو خير من الجاهل ومتقدم عليه، مهما كان حال الثاني، وملكه للمال أو الشخصية الاجتماعية أو النسب العائلي!

وتعظيم الله للعلماء وتكريمه لهم، لا ريب أنه ينتهي إلى أن يتأسس المجتمع المؤمن على قواعد راسخة من المعرفة. وينطلق من خلالها إلى رحاب الحضارة.

وتتفاوت العلوم بحسب مواضيعها، شرفا وغاية، ولا ريب أن العلوم التي تقرر مصير الإنسان في الآخرة سعادة أو شقاء هي أسمى العلوم. فإن سواها وإن جلت نفعاً إلا أنها ينحصر أثرها في انتفاع الإنسان بها حال الدنيا، فإن الطب مثلا ينفع

[1]سورة فاطر: 19.

[2]سورة فاطر: 20.


صفحه 280

المريض حال حياته الدنيوية، ولا يؤثر كثيرا في مصيره الأخروي.

ولذلك فقد ذكروا أن أشرف العلوم هو ما تعلق بالله عز وجل و يسّر الوصول إلى رضوانه، وهذا لا يعني أن بقية العلوم لا نفع فيها وإنما الكلام على الأثر المباشر والمستمر.

هذه الفضيلة امتلاك العلم بغض النظر عن سائر (الميزات) هي التي جعلت علماءنا الأبرار، من فقهاء الطائفة يتقدمون سواهم، بغض النظر عن كون هذا المتقدم، مقربا من السلطان أو بعيدا عنه، وعن كونه هاشمي النسب عريقا، أو عامي النسب مغمورا، وعربيا أو أعجميا!

وربما يتحدث البعض عن أن هذا تقدم لأنه أعجمي مثلا، وذاك تأخر لأنه عربي أو بالعكس إلا أن هذا الكلام يجانبه الصواب! فقد رأينا من العرب كالشريف الرضي والشهيدين الأول والثاني والفاضلين الحليين، كما رأينا من العجم كالطوسي والطبرسي والمجلسي وهكذا.

وصاحب الجواهر الشيخ محمد حسن بن الشيخ باقر النجفي هو من أولئكم الأفذاذ الذين سموا بالعلم وسمى بهم، فصنعوا لهم منهم نسبا، وفضيلة وشخصية! ولولا تحليه بالعلم لما كان له ولا لأسرته أي شيء من ذلك!

كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو.

حين بدأ الشيخ محمد حسن في دراسته لم تكن والدته مقتنعة بأنه سيكون له مستقبل مهم على عكس قناعتها بأخيه الأكبر الشيخ محمد حسين، الذي كانت تأمل أن يكون عالما ملء السمع والبصر، غير أن الشيخ محمد حسين وهو ذاهب إلى مسجد السهلة في الكوفة، وفي أثناء التدريب العسكري الذي قرر لزومه استاذه وزعيم النجف الديني حينها الشيخ جعفر كاشف الغطاء، انطلقت رصاصة خاطئة فاستقرت


صفحه 281

في صدره، ومعها انتهت أماني الأم في أن ترى ولدها يتصدر الواجهة العلمية.

وقد أمهل الزمان هذه الأم لترى أن ما كانت تصبو إلى بعضه في ولدها الأكبر محمد حسين قد تحقق بكماله وتمامه في ولدها الأصغر محمد حسن، والذي لم تكن تتوقع منه شيئا، فإذا به يصنع لعائلته مجدا بحيث أنها نسبت إلى نتيجة عمله وجهده وكتابه (جواهر الكلام) لتصبح عائلة الجواهري! ذلك العمل الذي وصفه بعض العلماء: بأنه لو أراد مؤرخ زمانه أن يثبت الحوادث العجيبة في أيامه ما يجد حادثة بأعجب من تصنيف هذا الكتاب في عصره[1]! وإذا به يصبح المرجعية العليا الدينية للعرب والعجم على السواء.

وعلى عكس والدته كان توسم استاذه السيد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة فيه، فإن استاذه الآخر الشيخ جعفر كاشف الغطاء، كان قد عزم على أن يرسله إلى اصفهان ليستقر فيها مرشدا ومعلما، يقوم بإمامة الجماعة ويقضي حاجاتهم الدينية، غير أن السيد جواد أقنع كاشف الغطاء أن مستقبلا زاهرا ينتظر هذا العالم، وأنه سوف يكون صاحب كرسي التدريس الأول في الحوزة العلمية في النجف، فلا ينبغي أن تضيع هذه الفرصة منه!

وبالفعل، فهذا الذي حصل.

فبعد أن تتلمذ على يد علماء النجف وفقهائها، كالشيخ قاسم محيي الدين والسيد جواد العاملي والشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء، وابنه الشيخ موسى والسيد علي الطباطبـــائي صاحب (رياض المسائل)، برز بين أقرانه فقيها لا يجارى.

وكما أشرنا من قبل إلى أن الوضع في الحوزات العلمية الشيعية لا يعتمد على تعيين سلطان أو حاكم لعالم في منصب أو مقام، وإنما الذي يعينه هو كفاءته

[1]النوري الميرزا حسين. مستدرك الوسائل 2. 397.