في صدره، ومعها انتهت أماني الأم في أن ترى ولدها يتصدر الواجهة العلمية.
وقد أمهل الزمان هذه الأم لترى أن ما كانت تصبو إلى بعضه في ولدها الأكبر محمد حسين قد تحقق بكماله وتمامه في ولدها الأصغر محمد حسن، والذي لم تكن تتوقع منه شيئا، فإذا به يصنع لعائلته مجدا بحيث أنها نسبت إلى نتيجة عمله وجهده وكتابه (جواهر الكلام) لتصبح عائلة الجواهري! ذلك العمل الذي وصفه بعض العلماء: بأنه لو أراد مؤرخ زمانه أن يثبت الحوادث العجيبة في أيامه ما يجد حادثة بأعجب من تصنيف هذا الكتاب في عصره[1]! وإذا به يصبح المرجعية العليا الدينية للعرب والعجم على السواء.
وعلى عكس والدته كان توسم استاذه السيد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة فيه، فإن استاذه الآخر الشيخ جعفر كاشف الغطاء، كان قد عزم على أن يرسله إلى اصفهان ليستقر فيها مرشدا ومعلما، يقوم بإمامة الجماعة ويقضي حاجاتهم الدينية، غير أن السيد جواد أقنع كاشف الغطاء أن مستقبلا زاهرا ينتظر هذا العالم، وأنه سوف يكون صاحب كرسي التدريس الأول في الحوزة العلمية في النجف، فلا ينبغي أن تضيع هذه الفرصة منه!
وبالفعل، فهذا الذي حصل.
فبعد أن تتلمذ على يد علماء النجف وفقهائها، كالشيخ قاسم محيي الدين والسيد جواد العاملي والشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء، وابنه الشيخ موسى والسيد علي الطباطبـــائي صاحب (رياض المسائل)، برز بين أقرانه فقيها لا يجارى.
وكما أشرنا من قبل إلى أن الوضع في الحوزات العلمية الشيعية لا يعتمد على تعيين سلطان أو حاكم لعالم في منصب أو مقام، وإنما الذي يعينه هو كفاءته
[1]النوري الميرزا حسين. مستدرك الوسائل 2. 397.
وقدرته، واعتراف الوسط العلمي بأعلميته وفقاهته، فحتى لو تم تعيينه فرضا من قبل جهة، ولم يكن ذا قدرة علمية متميزة فإنه لا يستطيع الاستمرار.
ومرد ذلك راجع إلى استقلال الحوزات العلمية الشيعية عن السلطات الرسمية، وعدم قبولها بتدخل تلك السلطات في أمورها تعيينا أو عزلا. وأيضا راجع إلى تقاليد الحرية التي سادت في هذه الحوزات من حيث إقبال طلاب العلم على الدرس الذي يعجبهم، والعالم الذي يرتاحون إليه من دون أن يكون هناك (برنامج) يقسرهم على أن يذهبوا لهذا المدرس أو يلتصقوا بذلك العالم.
وقد أعان صاحبَ الجواهر بيان رائق وقدرة استثنائية على تفريع المسائل شهد له بهما من عاصره وعرف إنتاجه.
ومنذ أن أكمل الشيخ النجفي كتابه الجواهر وإلى يومنا هذا فهو يتربع على قمة الكتب الفقهية الاستدلالية في الحوزات العلمية بحيث لا يستغني باحث في الفقه عنه، بل لقد نقل عنه نفسه بأنه: من كان عنده جامع المقاصد والوسائل والجواهر فلا يحتاج إلى كتاب للخروج عن عهدة الفحص الواجب على الفقيه في آحاد المسائل الفرعية[1].
ميزات الكتاب ولماذا احتل هذه المكانة؟
بالرغم من كثرة الكتب الاستدلالية الفقهية التي ألفها علماؤنا في أوقات مختلفة منذ زمان شيخ الطائفة الطوسي وإلى أيامنا هذه إلا أن الجواهر يبقى متميزا بينها، ولا بد أن يكون لهذا أسباب مقنعة، فمما ذكر من مميزات الكتاب:
الموسوعية والشمول لكل أبواب الفقه، فإن قسما من كتب علمائنا على جودتها وقوتها إلا أنها لا تشمل إلا بعض أبواب الفقه، ولا تحيط بتمام مواضيعه، وهذا يجعل الباحث غير مكتف بها عن غيرها، بينما
[1]المظفر، الشيخ محمد رضا. مقدمة جواهر الكلام طباعة دار الكتب الإسلامية طهران.
جواهر الكلام تميز بأنه فيه تمام أبواب الفقه، ويضاف إلى ذلك أنه محيط ومستوعب لكلمات الأعلام السابقين عليه في المسائل، وهذا ما أشار إليه الشيخ المظفر رحمة الله في مقدمة الجواهر، حيث قال (كتاب لم يؤلف مثله في سعته وأحاطته بأقوال العلماء وأدلتهم ومناقشتها، مع بعد نظر وتحقيق. مضافا إلى أنه كتاب كامل في أبواب الفقه كلها جامع لجميع كتبه) وهذا ما سبقت الاشارة إليه من أن المجتهد يستطيع بالجواهر وجامع المقاصد والوسائل أن يخرج عن عهدة الفحص الواجب[1]عليه قبل الفتوى.
ولو أردنا أن نتكلم بلغة الأرقام، نقول إن الكتاب جاء في 43 مجلدا بالطبع الحديث، ومعدل كل مجلد 400 صفحة، وهذا يعني أكثر من 17000 صفحة علمية، أحيانا يحتاج السطر الواحد منها لمعرفة كامل معانيه إلى فترة غير قليلة من الزمان.
الميزة الأخرى هي أنه جاء (على نسق واحد وأسلوب واحد وبنفس السعة التي ابتدأ بها انتهى إليها)[2]. ولا ريب أن وحدة الأسلوب يسهل على الباحث والعالم كيفية الاستفادة منه بعدما يعرف طريقة المؤلف وإشاراته.
هذا بالرغم من أن مؤلفه استغرق في تأليفه مدة ثلاثين سنة كما ذكروا في ترجمته.
[1]لا يستطيع الفقيه الامامي أن يفتي إلا بناء على آية قرآنية كريمة صريحة، أو رواية صحيحة السند واضحة الدلالة عنده، فهذا أحد مقدمات الإفتاء، بل لا بد أن يفحص وأن يجتهد في ذلك ليرى هل هناك مخصصات لتلك الآية المباركة؟ أو روايات معارضة لتلك الرواية الصحيحة، أو قرائن تخصصها أو تشرحها، وربما كانت هناك روايات في باب الديات والحدود في آخر الكتب الروائية، ولها نحو تعلق بروايات باب الطهارة كما أفاد بعض العلماء، وبالتالي فيلزم على الفقيه قبل الافتاء بحكم أن يفحص عن المواضع التي يحتمل فيها وجود تلك المخصصات أو المعارضات أو القرائن، حتى يعالجها لو كانت موجودة. أو يطمئن بعدم وجودها.
[2]المظفر؛ الشيخ محمد رضا، مقدمة جواهر الكلام 14.
سلامة النية في التأليف: إن مما لا شك فيه أن للنية الخالصة أثرا مهما في توفيق العمل، ويحتمل البعض أن نية المؤلف الخالصة، وتواضعه كما سيأتي في عنوان صفاته الأخلاقية كان لها، بالاضافة إلى ما سبق، أثر كبير في انتشار هذا الكتاب ورواجه وبقائه، فالمؤلف لم يكن يقصد بتأليفه هذا الكتاب تحدي سابقيه أو نظرائه من العلماء نقضا وإبراما واحتجاجا.
فقد نقل في كتاب التكملة عنه أنه قال في جملة كلام له مع تلميذه فقيه عصره الشيخ محمد حسن آل يس عن كتابه الجواهر في قصة طويلة: «والله يا ولدي أنا ما كتبته على أن يكون كتابا يرجع إليه الناس، وإنما كتبته لنفسي حين كنت أخرج إلى (العذارات)[1]وهناك أسأل عن المسائل وليس عندي كتب أحملها لأني فقير، فعزمت على أن أكتب كتابا يكون لي مرجعا عند الحاجة. ولو أردت أن أكتب كتابا مصنفا في الفقه لكنت أحب أن يكون على نحو رياض المير السيد علي فيه عنوان الكتابية في التصنيفب. وقد علق صاحب التكملة على هذا الخبر بما بمعناه: إن حسن نية الشيخ هذه وخلوصها من طلب الجاه والسمعة هي السبب في توفيق مؤلفه إلى إكماله والسبب في رواجه عند الناس[2].
مرجعية الشيخ العامة:
قبيل وأثناء زمان الشيخ صاحب الجواهر، كانت النجف الأشرف تشهد نموا علميا استثنائيا لوجود عدد من عمالقة الفكر الحوزوي فيها، بدءا من أساتذته ومروا بأقرانه وانتهاء بتلامذته، فقد شهدت تلك الفترة وجود أساتذته كالشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء، وكتبه المتنوعة لا سيما كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء، والسيد جواد العاملي صاحب كتاب مفتاح الكرامة الذي تتبع فيه أقوال
[1]قرى الفرات حول الحلة وغيرها.
[2]المصدر السابق. 17.
علماء الإمامية في المسائل المختلفة بنحو تحقيقي دقيق بحيث أنه لا يزال إلى اليوم مرجع الباحثين، والسيد جواد العاملي صاحب كتاب رياض المسائل الذي كان صاحب الجواهر يحب أن لو كان تصنيفه في الفقه على منهجيته وأسلوبه!
وفي طبقة أقرانه كان مثل الشيخ موسى بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء الذي يفتخر به والده ويعده من أعلم فقهاء الإمامية، والشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب حاشية هداية المسترشدين على كتاب معالم الدين (في الأصول)، والمتأخرين عنه قليلا كالشيخ الأعظم المرتضى الأنصاري صاحب المكاسب والرسائل، ورأس المدرسة الأصولية الحديثة.
ومنذ أن مضى جيل أساتذته، وبعض أقرانه كالشيخ موسى كاشف الغطاء، فوضت الحوزة العلمية أمر التدريس والزعامة فيها إلى الشيخ صاحب الجواهر، حتى أصبح الزعيم الذي لا ينازع، سواء في الوسط العربي أو الأعجمي، واستمر على هذا الحال مدة طويلة من الزمان.
ولتطوير الوضع الاجتماعي في النجف الأشرف رأى صاحب الجواهر أن من معيقات النمو العمراني والزراعي في هذا البلد، هو نقص المياه بل شحها، حيث تقع النجف على طرف الصحراء، بعيدة عن المياه والري، تماما مثلما أشار إلى ذلك الشاعر أحمد الصافي النجفي بقوله:
صدق الذي سماك في (وادي طوى)
يا دار بل وادي طوى وعراء
جلست على الأنهار بلدان الورى
فعلام أنت جلست في الصحراء؟
ولهذا عزم على أن يسحب إليها الماء، وكان أقرب نهر إلى النجف هو نهر الهندية المتفرع من نهر الفرات، وهو على مسافة كيلومترات من النجف، فقرر حفر الصحراء وصولا إليه، وبالرغم من معارضة الكثيرين لهذه الخطوة بزعم أنها غير ممكنة وأنها تكلف الأموال الطائلة، كان همة الشيخ الجواهري أعظم منها
حتى لقد قال لمن عارضه بأنها تستهلك أموالا كثيرة، أنه لو كان يكلف رفع قبضة التراب، قبضة ذهب فإنه ماض في مشروعه!
وبالفعل فقد تم حفر القناة تلك، وكانت عميقة بقدر قامة إنسان كما ذكروا! واكتملت وتم إيصال ماء النهر إليها بعد وفاة الشيخ الجواهري بسنتين، واستفاد الناس منها مدة من الزمان ولكن على أثر عدم الرعاية لها والعناية بها، حيث كانت تتعرض إلى زحف الرمال، ولم تكن الجهات الرسمية الحكومية ترى نفسها معنية بهذا الشأن، وكذلك الجهات الأهلية، فتقلصت إلى حد أنها أوشكت على التلاشي، وعندما جاء السيد حجة الإسلام الشفتي من اصفهان ونظر إلى حالة تلك القناة، حاول إعادة الحياة لها وسعى في ذلك، غير أن محاولاته لم تفلح فانتهى للأسف ذلك المشروع الذي لو قدر له يد راعية بعد صاحب الجواهر لغيّر من حالة النجف إلى يومنا هذا ولكن لم يحصل.
شيء من صفاته الأخلاقية:
1. تواضع الشيخ الجواهري:
بالرغم من أن الشيخ الجواهري كان شديد التأنق في الملابس، مما دعى بعضهم إلى المقارنة بينه وبين الشيخ مرتضى الأنصاري الذي كان (سلمان زمانه) زهدا، بل والشكوى للشيخ الأنصاري عن ذلك، قائلا له: إنه يرى أن ملابس الأنصاري المتواضعة هي الأليق بالعلماء حيث يجسدون سيرة الامام علي عليه السلام ، دون ملابس الشيخ الجواهري التي تشبه لباس أهل الدنيا والملوك، فأجابه: بأن الشيخ صاحب الجواهر يمثل عظمة الإسلام وأنا أمثل زهد الإسلام!
بالرغم من ذلك الظاهر (الفخم)، إلا أن لصاب الجواهر باطنا متواضعا، يذكرنا بالدعاء )وفي أعين الناس فعظمني وفي نفسي فذللني(. فنحن نجد من عدة قصص
ما يشير إلى تواضع هذا العالم الكبير وذلة نفسه في نفسه، فإنه يذكر لتلميذه الشيخ محمد حسن آل ياسين، بأنه لو في الأصل لم يؤلف الجواهر للطباعة والنشر وإنما لنفسه كتذكرة، وإلا لو أراد أن يؤلف في الفقه لكان يكتب شيئا مثل (رياض المسائل) للسيد علي الطباطبائي العاملي! بهذا النحو ينظر إلى كتاب أستاذه، مع أن كتاب الرياض من حيث الحجم لا يصل إلى ثلث حجم الجواهر، والكثير من العلماء هم يقدمون الجواهر على الرياض بلا ارتياب. ولكنه تواضع الشيخ.
وأكثر منه ما نقل عنه من أنه يتمنى لو كان يقايض ثواب الجواهر بثواب القصيدة الأزرية للشيخ كاظم الأزري[1]، فإن هذا غاية التواضع وإنكار الذات، وإلا فأين الجواهر ونتائجه وآثاره المستمرة في تخريج الآلاف من الفقهاء والمئات من المراجع الدينيين، وفي استنباط الأحكام الالهية الشرعية التي يترتب عليها المصير الأخروي. وأين القصيدة الأزرية التي مهما علت قيمة أدبية ومضمونية فهي مقتصرة في آثارها على فئة قليلة من الناس يستحسنون مضامينها وأدبها العالي. ولكن كما قلت هو التواضع الذي لا نجد له نظيرا!
وهنا أشير إلى نقطة وهي أنه لا ينبغي أن يتعامل مع هذا الكلام في التفضيل على أنه حقيقة جدية! وربما يرتب عليه آثار من أن أبيات الشعر الولائية هي أعظم قيمة من التحقيقات العلمية للحكم الشرعي! نعم هو في الإطار الأخلاقي نافع لمن أراد الاستشهاد به على مدى إنكار الانسان لذاته، وتقليله من عمله العظيم إلى هذه الدرجة!
2.
[1]الملا كاظم بن محمد مهدي الأزري البغدادي ولد سنة 1134هـ وتوفي 1211هـ درس العربية ومقدارا غير قليل من الفقه والأصول على فضلاء عصره لكنه ولع بالأدب وانقطع عن متابعة الدرس وبدأ بنظم الشعر ولما يبلغ العشرين،وقد برع فيه حتى أن السيد مهدي بحر العلوم كان يقدمه على كثير من العلماء، وهو صاحب الهائية التي يسميها البعض بالملحمة الكبرى وقد كانت تزيد على ألف بيت فأكلت الأرضة جملة منها وتم طباعة الباقي. للتفصيل يراجع أدب الطف للسيد جواد شبر 6/30. والكلمة المتداولة منقولة في هامش أدب الطف عن الشيخ محمد حرز الدين في معارف الرجال، ناقلا إياها عن كتاب هدية الأحباب.
إنكاره لذاته ولعواطفه في الأحكام:
يصعب على الكثير من الناس أن يتخلصوا من عواطفهم النسبية أو ارتباطاتهم الاجتماعية حين تقديم وتأخير الأفراد. فترى قسما من هؤلاء يعينون أبناءهم أو أصهارهم أو تلاميذهم الخاصين في مختلف الوظائف والمهمات، ولا يلتفتون إلى غيرهم، ممن يكون ربما أكثر كفاءة!
وقد يذكرون في ذلك تبريرات مختلفة مثل أنهم يعرفون هؤلاء (الأقارب والأصهار والأصحاب) معرفة أفضل أو أنهم يريدون أن يستمر الخط الكذائي في الأمة بواسطتهم، وما شابه!
في حياة الشيخ الجواهري وجدنا خلاف ذلك تماما، فإنهم ينقلون أن الشيخ الجواهري لما حضرته الوفاة وكانوا ينتظرون أن يشير إلى من يرشحه للتدريس والزعامة الدينية ممن يرى فيه الكفاءة والقدرة، وكانوا يتوقعون أن يعين من تلامذته المقربين أو من أسرته! بل كانوا يتوقعون كل أحد إلا الشيخ مرتضى الأنصاري! نظرا لأن الشيخ محسوب على تلامذة منافسه الأكبر الشيخ موسى كاشف الغطاء، ولم يكن الأنصاري يحضر مجلس درس الشيخ صاحب الجواهر إلا قليلا وفي الفترات الأخيرة على سبيل التيمن والتبرك. ولم يكن محسوبا من (جماعته) أبدا.
الأمر الذي فاجأ الحاضرين عندما سأل صاحب الجواهر عنه، وطلب منهم أن يبحثوا عن (ملا مرتضى) حتى عثروا عليه وهو في حرم أمير المؤمنين علي عليه السلام يدعو الله لشفاء الشيخ الجواهري!
وعندما حضر إلى بيت الشيخ الجواهري، نصحه بأن يخفف من احتياطاته على الناس وأن يتصدى للإفتاء والمرجعية ولكرسي التدريس!